أطوار القضية:
تعود وقائع الملف إلى أكتوبر 2022، إثر زعم السلطات تنفيذ كمين من قبل وحدات من الحرس الوطني بولاية القصرين، أسفر عن إيقاف عدد من الأشخاص وضبط مبالغ مالية بحوزتهم. وقد تمّت إحالة الموقوفين على القضاء بتهم تتعلق بتوزيع أموال قيل إنها كانت مخصّصة للتحضير لأعمال شغب بالجهة مطلع سنة 2023.
وخلال مرحلة البحث، جرى توسيع دائرة الاتهام لتشمل أشخاصًا آخرين، من هيكل الشنوفي (شقيق ياسين الشنوفي) ومعاذ الخريجي (المقيم خارج البلاد) استنادًا إلى روايات ومزاعم أمنية تحدثت عن “تكوين وفاق” وادّعاءات بوجود تخطيط مسبق وامتدادات خارجية، دون أن يُعلن عن تقديم أدلة مادية مباشرة تثبت هذه المزاعم.
موقف حركة النهضة:
وفي تعقيبها على ما أُثير بخصوص هذه القضية، نفت حركة النهضة وجود أي علاقة تنظيمية أو شخصية بين معاذ الخريجي، نجل رئيس الحركة راشد الغنوشي، وبين هيكل الشنوفي، الذي تم إيقافه على ذمة الملف. واعتبرت الحركة أن ما جرى تداوله آنذاك يندرج ضمن محاولات “التشويه والتضليل”، مؤكدة أن إدراج اسم نجل رئيسها في القضية تم دون سند واقعي أو معطيات تثبت وجود تنسيق أو صلة مباشرة بين الطرفين.
غياب الأدلة المادية وتركيز الاتهام:
ويلاحظ مرصد الحرية لتونس أن الإيقافات الفعلية والحجز المادي للأموال اقتصرت على أشخاص تم ضبطهم ميدانيًا بولاية القصرين، في حين وُجّهت التهم إلى متهمين آخرين غير موقوفين على أساس استنتاجات وتحريات أمنية، دون عرض قرائن مادية واضحة للرأي العام، أو إبراز مسار مالي موثّق يربط بين مختلف الأطراف على نحو مباشر.
كما يلفت المرصد إلى أن توجيه تهم خطيرة تتعلق بأمن الدولة في هذا الملف استند أساسًا إلى روايات ظرفية واعترافات منسوبة خلال الأبحاث، دون أن تُعرض، إلى حدّ الآن، معطيات تقنية أو مالية دقيقة من شأنها إثبات وجود “مؤامرة” أو مخطط منظم على النحو الذي تقتضيه خطورة التوصيف القانوني المعتمد.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يؤكد مرصد الحرية لتونس أن هذا الملف يندرج ضمن مناخ عام اتّسم، خلال السنوات الأخيرة، بتوسّع استخدام تهم أمن الدولة في قضايا ذات طابع اجتماعي أو سياسي، اعتمادًا على توصيفات فضفاضة تفتقر في عديد الأحيان إلى الأساس المادي الصلب.
ويُحذّر المرصد من الانزلاق نحو اعتماد الرواية الأمنية كحقيقة قضائية نهائية، خاصة في القضايا التي تُبنى على الاستنتاج والاشتباه أكثر من اعتمادها على أدلة ملموسة، لما في ذلك من مساس خطير بضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.
كما يشدّد المرصد على ضرورة التمييز بين المتهمين الذين تم ضبطهم فعليًا في حالة تلبّس، وبين أشخاص آخرين وُجّهت إليهم اتهامات وهم خارج البلاد، دون أن تتوفّر معطيات علنية تثبت صلتهم المباشرة بالأفعال موضوع التتبع.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
احترام قرينة البراءة وعدم تقديم الروايات الأمنية كوقائع ثابتة قبل صدور أحكام باتّة.
ضمان حق جميع المتهمين في محاكمة عادلة تقوم على أدلة مادية واضحة وقابلة للنقاش القضائي.
الكفّ عن التوسّع في توظيف تهم أمن الدولة في قضايا يغيب فيها الخطر الفعلي والمباشر.
تمكين الرأي العام من معطيات قضائية دقيقة وشفافة بدل الاكتفاء بسرديات فضفاضة ذات طابع دعائي.




