14 جانفي (يناير) 2026 – قررت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، عقب نظرها في ملف القضية المعروفة إعلاميًا ب“إنستالينغو”، تأييد الأحكام الابتدائية الصادرة في حق أغلب المتهمين من حيث الإدانة والعقوبات، مع استثناء الصحفية شذى الحاج مبارك، التي شملها قرار بتخفيف العقوبة والإفراج عنها بعد إسعافها بتأجيل التنفيذ.
وبحسب المعطيات القضائية، قضت المحكمة في شأن شذى الحاج مبارك بعدم سماع الدعوى بخصوص تهم العمل على تبديل هيئة الدولة، وحمل السكان على مهاجمة بعضهم البعض، وإحداث الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي، مع إقرار الإدانة من حيث المبدأ في نطاق جريمة الاعتداء على أمن الدولة الخارجي، وتعديل العقوبة إلى عامين اثنين مع تأجيل التنفيذ، وهو ما ترتّب عنه الإفراج عنها.
في المقابل، لم تشمل المراجعة بقية المتهمين، حيث تم تأييد الأحكام الابتدائية الثقيلة المسلّطة عليهم دون تعديل جوهري.
وكانت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف قد نظرت في الملف يوم الجمعة الفارط، قبل أن تُقرّر تأجيل الجلسة إلى الثلاثاء 13 جانفي 2026 لاستكمال المرافعات، إثر استنطاق المتهمين الحاضرين، ثم النطق بالحكم.
خلفية القضية:
تعود قضية “إنستالينغو” إلى شركة مختصة في صناعة المحتوى والاتصال الرقمي كانت تنشط بمدينة القلعة الكبرى من ولاية سوسة، قبل أن تتم مداهمة مقرّها يوم 10 سبتمبر 2021، على خلفية شبهات تتعلق بجرائم مصنّفة ضمن أمن الدولة، وتبييض الأموال، والإساءة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وقد توسّعت الأبحاث لاحقًا لتشمل سياسيين وصحفيين ومدونين ورجال أعمال وإطارات أمنية سابقة، من بينهم زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة الأسبق هشام المشيشي، مع إصدار إيقافات وبطاقات جلب دولية في حق عدد من المتهمين المقيمين خارج البلاد.
وفي فيفري 2025، أصدرت الدائرة الجنائية الثانية بالمحكمة الابتدائية بتونس أحكامًا ابتدائية قاسية تراوحت بين 5 سنوات و35 سنة سجنًا، إضافة إلى غرامات مالية ومصادرة أملاك، ليبلغ مجموع العقوبات الصادرة أكثر من 750 سنة سجن، وهو ما فجّر موجة واسعة من الانتقادات الحقوقية.
حجج الدفاع: طعن في الأساس المادي والتكييف القانوني
طوال مسار القضية، تمسّكت هيئة الدفاع بعدد من الدفوع الجوهرية، أبرزها:
غياب الأدلة المادية، معتبرة أنه لم يثبت امتلاك الشركة لأي صفحات أو منصّات رقمية تُنسب إليها المضامين محل التتبّع.
الاعتماد على شهادة وحيدة لشخص صدرت في حقه أحكام جزائية متعددة، بما يطعن في مصداقية الأساس الذي قامت عليه التتبّعات.
انعدام الصلة التنظيمية أو العملية بين موظفي الشركة وبقية الشخصيات السياسية أو الأمنية أو الإعلامية المشمولة بالقضية.
تغليظ متعمّد للتوصيفات الجزائية، إذ شدّد الدفاع على أن الوقائع، إن وُجدت، لا ترقى إلى جرائم أمن الدولة، وأن اعتماد توصيفات مثل “التآمر” و“تبديل هيئة الدولة” هدفه تشديد العقوبات ووصم المتهمين سياسيًا.
أثارت القضية، منذ انطلاقها، مخاوف جدّية بشأن استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة، في ظل معطيات عن تدخلات سياسية وتنكيل بعدد من القضاة ووكلاء الجمهورية الذين تعهّدوا بالملف في مراحله الأولى، فضلًا عن طول فترات الإيقاف وثقل العقوبات في قضايا تتصل، في جوهرها، بمحتوى رقمي وإعلامي.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يرى مرصد الحرية لتونس أن تأييد الأحكام الابتدائية الثقيلة على أغلب المتهمين، مقابل استثناء فردي محدود بتخفيف العقوبة، لا يبدّد المخاوف الحقوقية الجوهرية التي تحيط بالقضية. ويعتبر المرصد أن إسقاط بعض التهم الأشد في حالة واحدة لا يعالج الخلل البنيوي في الملف، ولا يغيّر من طابعه العام الذي يشير إلى توظيف القضاء الجزائي وتشريعات أمن الدولة في ملاحقة معارضين وصحفيين ونشطاء سياسيين.
ويؤكد المرصد أن قضية “إنستالينغو” تمثّل نموذجًا خطيرًا لمحاكمات الرأي والمحتوى الرقمي، في غياب أدلة مادية واضحة، وبعقوبات غير متناسبة تمسّ من حرية التعبير وحرية الصحافة.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- إلغاء الأحكام الجائرة الصادرة في هذه القضية والإفراج عن جميع من لا تستند إدانتهم إلى أدلة مادية ثابتة.
- فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في التجاوزات التي شابت مسار القضية ومحاسبة المسؤولين عنها.
- الكفّ عن توظيف تشريعات تتعلق بأمن الدولة في قضايا الرأي والمحتوى الرقمي والإعلامي.
- الكفّ عن تسييس القضاء ووضع حدّ لاستخدام المسارات القضائية والتتبّعات الجزائية لتصفية الخصوم السياسيين أو ملاحقة الصحفيين والنشطاء.




