15 ماي (مايو) 2026 – قضت الدائرة الجنائية لدى محكمة الاستئناف بتونس بتأييد الحكم الابتدائي الصادر في حق كل من عبد الرزاق الكريمي ومصطفى الجمّالي، وهما مدير المشاريع ورئيس “المجلس التونسي للاجئين”، في القضية المعروفة إعلاميًا بملف “المجلس التونسي للاجئين”، وذلك بالإبقاء على عقوبة السجن لمدة عامين مع تأجيل تنفيذ ما تبقى من العقوبة.
ويعني هذا القرار استمرار الإفراج عنهما وعدم إعادتهما إلى السجن في هذه المرحلة، بعد أن كانا قد غادرا السجن إثر الحكم الابتدائي الصادر في نوفمبر 2025، عقب احتساب مدة الإيقاف التي قضياها بالسجن.
عرض الوقائع:
تتعلق القضية بما يُعرف بملف “المجلس التونسي للاجئين”، وهي من أبرز القضايا التي استهدفت العاملين في مجال دعم اللاجئين وطالبي اللجوء في تونس خلال السنوات الأخيرة، في سياق حملة أوسع طالت جمعيات ومنظمات مدنية تنشط في ملف الهجرة واللجوء.
وشملت القضية أساسًا مصطفى الجمّالي، رئيس ومؤسس المجلس التونسي للاجئين، وهو تونسي-سويسري يبلغ نحو 81 عامًا وفق معطيات منشورة وعبد الرزاق الكريمي، مدير المشاريع بالمجلس.
كما شملت القضية أربعة موظفين آخرين أُحيلوا بحالة سراح، إضافة إلى موظف سادس أُشير إلى أن ملفه بقي منفصلًا ضمن إجراءات أخرى.
وبحسب المعطيات القضائية، بدأت القضية فعليًا في ماي 2024، إثر قيام السلطات التونسية بمداهمة مقر المجلس التونسي للاجئين وإغلاقه، بعد نشر طلب عروض لفنادق تونسية من أجل إيواء طالبي لجوء ولاجئين بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وذلك بالتزامن مع تصاعد الخطاب الرسمي ضد المهاجرين غير النظاميين في تونس.
وقد تم إيقاف مصطفى الجمّالي يوم 3 ماي 2024، ثم عبد الرزاق الكريمي يوم 4 ماي، قبل أن يصدر قاضي التحقيق بطاقات إيداع بالسجن في حقهما يوم 7 ماي 2024.
وتستند التتبعات أساسًا إلى القانون عدد 40 لسنة 1975 المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر، وخاصة الفصول 38 و39 و41 ثم لاحقًا الفصل 42، وتشمل التهم تكوين وفاق بهدف تسهيل دخول أشخاص إلى التراب التونسي خلسة وإيواء مهاجرين أو أشخاص دخلوا البلاد بصورة غير نظامية والتوسط والمساعدة على الاستقرار والإقامة وتسهيل الدخول أو الإقامة غير القانونية لأجانب.
وقد أثارت القضية جدلًا واسعًا بالنظر إلى أن المجلس التونسي للاجئين كان شريكًا رسميًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وكانت أنشطته تشمل الفرز الأولي لطالبي اللجوء، وتوفير الإيواء الطارئ، والمساعدة الطبية والاجتماعية للاجئين.
وفي 24 نوفمبر 2025، أصدرت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس حكمًا بالسجن لمدة عامين ضد الجمّالي والكريمي، مع تأجيل تنفيذ بقية العقوبة بعد احتساب مدة الإيقاف التي قضياها، والتي تراوحت بين 18 و19 شهرًا تقريبًا، إضافة إلى خطية مالية قدرها 10 آلاف دينار لكل واحد منهما، مع الحكم بعدم سماع الدعوى في حق أربعة متهمين آخرين أُحيلوا بحالة سراح.
لاحقًا، استأنفت النيابة العمومية الحكم كما استأنفه المتهمان وهيئة الدفاع، قبل أن تقرر محكمة الاستئناف اليوم تأييد الحكم الابتدائي.
خلفية القضية:
تندرج هذه القضية ضمن سياق أوسع شهدته تونس خلال السنوات الأخيرة، تميز بتصاعد التتبعات ضد جمعيات ومنظمات مدنية وحقوقية تنشط في ملفات الهجرة واللجوء، بالتوازي مع خطاب سياسي وأمني متشدد تجاه المهاجرين غير النظاميين والمنظمات العاملة معهم.
وقد اعتبرت منظمات حقوقية دولية، من بينها هيومن رايتس ووتش، أن القضية تمثل شكلًا من أشكال “تجريم العمل الإنساني”، بالنظر إلى أن الأنشطة المنسوبة للمجلس التونسي للاجئين كانت تتم بصورة علنية وبالتنسيق مع مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة.
كما أثارت إجراءات غلق الجمعية وتجميد الحسابات البنكية الخاصة بها وببعض مسؤوليها مخاوف حقوقية تتعلق بحرية العمل الجمعياتي واستقلالية المنظمات الإنسانية.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعبر مرصد الحرية لتونس عن بالغ القلق إزاء تواصل ملاحقة العاملين في المجال الإنساني والإغاثي عبر تتبعات جزائية ثقيلة، ويرى أن هذه القضية تطرح مخاوف جدية من الانزلاق نحو تجريم العمل المدني المرتبط بدعم اللاجئين وطالبي اللجوء.
ويستنكر المرصد استهداف الجمعيات والمنظمات الإنسانية ومحاولات تشويه نشاطها وربطه بشبهات جنائية أو أمنية، رغم أن جزءًا كبيرًا من هذه الأنشطة كان يتم بصورة معلنة وبالتنسيق مع منظمات دولية رسمية.
كما يؤكد المرصد أن مكافحة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تتحول إلى مبرر لتجريم العمل الإغاثي أو التضييق على الفاعلين الإنسانيين، خاصة عندما يتعلق الأمر بأنشطة مرتبطة بالإيواء الطارئ أو المساعدة الاجتماعية والصحية لفئات هشة.
ويرى المرصد أن خطورة هذا النوع من القضايا لا تتوقف عند الأشخاص الملاحقين، بل تمتد إلى خلق مناخ تخويف وضغط قد يدفع منظمات المجتمع المدني إلى الانسحاب من العمل الإنساني أو الحد من تدخلاتها خوفًا من التتبعات القضائية.
كما يسجل المرصد بقلق لجوء السلطات إلى الإيقاف التحفظي المطوّل في مثل هذه القضايا ذات الطابع الإنساني والمدني، خاصة بالنظر إلى سن مصطفى الجمّالي المتقدمة وطبيعة الأنشطة التي كان يضطلع بها المجلس التونسي للاجئين في إطار العمل الإغاثي والاجتماعي.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
– مراجعة الأحكام الصادرة في هذه القضية وضمان احترام المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
– الكف عن تجريم العمل الإنساني والإغاثي المرتبط بدعم اللاجئين وطالبي اللجوء.
– وقف استهداف الجمعيات والمنظمات المدنية والحقوقية أو تشويه أنشطتها الإنسانية.
– ضمان حرية العمل الجمعياتي واحترام استقلالية المنظمات الإنسانية في تونس.
– احترام حقوق الموقوفين وضمان عدم التوسع في استخدام الإيقاف التحفظي في القضايا ذات الطابع المدني والإنساني.
– فتح نقاش وطني وقانوني واضح حول وضعية اللاجئين وطالبي اللجوء بما يضمن احترام التزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان.




