28 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 – قضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس ابتدائيًا بسجن القيادي بحركة النهضة منذر الونيسي مدة تسعة أعوام، والصحفي زياد الهاني مدة أربعة أعوام، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«التسجيلات الصوتية»، فيما صدرت أحكام بالسجن مدة 25 عامًا مع النفاذ العاجل في حق عدد من بقية المتهمين.
وشملت الأحكام بالسجن 25 عامًا ضد عدد من المتهمين خارج البلاد وهم الطاهر بوبحري ورفيق عبد السلام وشهرزاد عكاشة وفتحي العيادي ومعاذ الغنوشي وماهر زيد ومحمد الصامتي وأحمد قعلول ورضا إدريس. ويبلغ المجموع الحسابي للأحكام الصادرة في حق المتهمين 238 عامًا سجنًا.
تهم إرهابية انطلاقا من تسجيل صوتي:
تعود القضية إلى تسجيلات صوتية نُشرت خلال سبتمبر 2023 ونُسبت إلى منذر الونيسي، وتضمنت حديثًا حول الوضع السياسي وخلافات داخل حركة النهضة واتصالات وشخصيات سياسية مختلفة.
ونفى الونيسي منذ بداية القضية صحة التسجيلات المنسوبة إليه، وتمسكت هيئة دفاعه خلال المحاكمة بعدم ثبوت نسبتها إليه وطالبت بإجراء اختبار فني يحسم بصورة واضحة مصدر التسجيل وصحته.
وكانت الأبحاث قد انطلقت في سبتمبر 2023، قبل إحالة الملف إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب وإصدار بطاقة إيداع بالسجن في حق الونيسي.
وتعلقت التهم الموجهة إلى المتهمين، بدرجات مختلفة بجرائم من بينها تكوين وفاق له ارتباط بجرائم إرهابية وربط اتصالات بأعوان دولة أجنبية بقصد الإضرار بوضع تونس من الناحية الدبلوماسية وعدم إشعار السلطات بجرائم إرهابية.
أما زياد الهاني فقد شملته اتهامات تتعلق بتكوين تنظيم إرهابي، وإفشاء أسرار لفائدة تنظيم إرهابي، وعدم الإعلام بجريمة إرهابية، والاتصال بأعوان دولة أجنبية بقصد الإضرار بمصالح البلاد.
زياد الهاني من شاهد إلى متهم:
وكان الصحفي زياد الهاني قد استُدعي في بداية الأبحاث بصفة شاهد، قبل تغيير صفته القانونية وإدراجه ضمن قائمة المتهمين.
وأحيل الهاني بحالة سراح في هذه القضية، لكنه كان موقوفًا على ذمة ملف قضائي آخر عند انعقاد عدد من جلسات المحاكمة، قبل أن يصدر بحقه الحكم الجديد بالسجن أربعة أعوام.
ويثير انتقال زياد الهاني من صفة شاهد إلى متهم محكوم عليه بالسجن تساؤلات جدية بشأن الأفعال المنسوبة إليه، وخصوصًا مدى التمييز بين العمل الصحفي والتواصل مع المصادر وتلقي المعلومات، وبين الأفعال التي يمكن أن تشكل مشاركة فعلية في جريمة إرهابية.
نزاع مستمر حول سلامة الدليل الصوتي:
يمثل التسجيل الصوتي المنسوب إلى منذر الونيسي أحد العناصر المركزية التي انطلقت منها القضية.
وقد تم منذ بداية الأبحاث إخضاع التسجيل إلى اختبار صوتي، إلا أن هيئة الدفاع واصلت خلال جلسات المحاكمة الاعتراض على ثبوت نسبته إلى الونيسي والمطالبة بإجراء اختبار فني.
وتكتسي هذه المسائل أهمية خاصة في قضية ترتبت عنها أحكام بالسجن تمتد إلى عشرات السنوات، إذ ينبغي أن تكون الأدلة الرقمية قابلة للفحص الفني المستقل والمناقشة الفعلية من قبل الدفاع.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعبر مرصد الحرية لتونس عن بالغ قلقه واستنكاره للأحكام السجنية الثقيلة الصادرة في قضية «التسجيلات الصوتية»، والتي بلغت تسع سنوات في حق منذر الونيسي وأربع سنوات في حق الصحفي زياد الهاني و25 عامًا في حق عدد من بقية المتهمين، في ملف انطلق أساسًا من تسجيل صوتي ما تزال هيئة الدفاع تنازع في ثبوت نسبته وسلامته الفنية.
ويرى المرصد أن استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب في قضية تقوم بدرجة كبيرة على محادثات واتصالات ومحتوى سياسي وإعلامي يفرض على القضاء إثبات وجود أفعال مادية محددة وقصد إجرامي واضح، وعدم الاكتفاء بمضمون حديث سياسي أو بعلاقات واتصالات مع أشخاص في الخارج لإضفاء توصيف إرهابي على الوقائع.
ويؤكد المرصد أن التواصل مع شخصيات سياسية أو إعلامية أو مسؤولين لا يمثل في حد ذاته جريمة إرهابية، ولا يمكن تجريمه إلا إذا ثبتت بصورة مستقلة ومباشرة صلته بفعل إجرامي محدد ومعاقب عليه قانونًا.
كما يعرب المرصد عن قلق خاص من الحكم بالسجن أربعة أعوام في حق الصحفي زياد الهاني، ويشدد على ضرورة التمييز بين ممارسة العمل الصحفي وتلقي المعلومات والتواصل مع المصادر وبين المشاركة الفعلية في جريمة. ويعتبر أن إخضاع الصحفيين لتشريعات مكافحة الإرهاب بسبب اتصالات أو معلومات تحصلوا عليها يمثل خطرًا مباشرًا على حرية الصحافة وحماية المصادر.
ويعتبر المرصد كذلك أن صدور أحكام بالسجن 25 عامًا بحق متهمين محالين غيابيًا، في قضية ذات طبيعة سياسية وأمنية معقدة، يستوجب ضمان حقهم الكامل في إعادة المحاكمة حضوريًا عند مثولهم أمام القضاء، وتمكينهم من مناقشة الأدلة والشهود وتقارير الخبرة بصورة مباشرة.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
-إلغاء الأحكام الصادرة في هذه القضية لارتباطها بأفعال تتصل بالتعبير السياسي والنشاط الصحفي والاتصالات المشروعة، في غياب أدلة كافية على أفعال إجرامية محددة.
- -نشر المعطيات الفنية الأساسية المتعلقة باختبار التسجيلات الصوتية وتمكين هيئة الدفاع من الاطلاع الكامل على التقارير الفنية والاستعانة بخبراء مستقلين.
– مراجعة الحكم الصادر بحق الصحفي زياد الهاني، وضمان عدم توظيف تشريعات مكافحة الإرهاب في ملاحقة الصحفيين بسبب ممارستهم لعملهم المهني أو تواصلهم مع مصادر المعلومات.
- -الكف عن اعتبار العلاقات أو الاتصالات السياسية والإعلامية والدبلوماسية دليلًا على الإرهاب دون إثبات فعل إجرامي محدد وقصد مباشر.
- -وضع حد للتوسع في استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد المعارضين والصحفيين والمدونين في قضايا تتعلق أساسًا بالتعبير السياسي أو الاتصالات أو النشر.
- -ضمان حضور المتهمين فعليًا أمام المحكمة والتواصل المباشر والسري مع محاميهم وعدم فرض المحاكمة عن بعد.




