27 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 – قررت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس تأجيل النظر في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«جوازات السفر والجنسيات المفتعلة» إلى جلسة 16 نوفمبر المقبل، بعد أحكام ابتدائية ثقيلة صدرت في ماي الماضي وبلغت 20 عامًا سجنًا في حق وزير العدل الأسبق نور الدين البحيري والإطار الأمني السابق فتحي البلدي، و30 عامًا مع النفاذ العاجل في حق معاذ الغنوشي وثلاثة متهمين آخرين خارج البلاد.
كما قضت المحكمة الابتدائية بالسجن 11 عامًا في حق متهمين اثنين محالين بحالة سراح، مع إخضاع عدد من المحكوم عليهم للمراقبة الإدارية لمدة خمس سنوات.
أما رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي ومتهمان آخران، فلم تصدر في حقهم أحكام ضمن هذا المسار، بعد التشطيب على أسمائهم من ملف المحاكمة إلى حين البت في الطعن بالتعقيب المرفوع ضد قرار دائرة الاتهام القاضي بإحالتهم على الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب.
أحكام ابتدائية تراوحت بين 11 و30 عامًا:
كانت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس قد أصدرت، في 5 ماي 2026، أحكامًا تراوحت بين 11 و30 عامًا سجنًا.
وقضت بسجن نور الدين البحيري وفتحي البلدي مدة 20 عامًا لكل منهما، فيما صدر حكم بالسجن 30 عامًا مع النفاذ العاجل في حق معاذ الغنوشي وثلاثة متهمين آخرين بحالة فرار، إلى جانب أحكام بالسجن 11 عامًا في حق متهمين بحالة سراح.
وتعلقت التهم وفق المعطيات القضائية، بتسهيل مغادرة أشخاص للتراب التونسي بقصد ارتكاب جرائم إرهابية، واستعمال طوابع السلطة العمومية، ومسك واستعمال وثائق مدلسة، إلى جانب أفعال مرتبطة بوثائق الهوية والجنسية وجوازات السفر.
قضية تعود إلى الثمانينات:
تعود جذور الملف إلى تصريحات وبلاغات قضائية ظهرت بداية من سنة 2021 حول جوازات سفر ووثائق جنسية تونسية منحت إلى أجانب، قبل فتح تحقيق لدى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب.
ويتعلق جانب أساسي من الملف بشخصين هما يوسف ندا وعلي غالب همّت، اللذان ارتبط اسماهما بوثائق تونسية تعود إلى عقود سابقة.
وقد سبق لمرصد الحرية لتونس أن اطلع على وثائق رسمية تفيد بأن حصول الشخصين على الجنسية التونسية يعود إلى بداية الثمانينات، أي قبل عقود من تولي نور الدين البحيري وزارة العدل أو حمادي الجبالي رئاسة الحكومة.
وتشير الوثائق إلى صدور شهادة جنسية باسم يوسف ندا بتاريخ 19 فيفري 1983، ووثائق رسمية أخرى تتعلق بعلي غالب همّت خلال الفترة نفسها.
في المقابل، لا تقتصر التتبعات الحالية على واقعة منح الجنسية الأصلية بل تركز على وثائق وإجراءات لاحقة جرى استخراجها أو استعمالها خلال سنتي 2012 و2013، وعلى مدى قانونية التدخلات الإدارية التي صاحبت إصدارها.
يوسف ندا وشطب اسمه من قوائم العقوبات الدولية:
وسبق أن أشار مرصد الحرية لتونس إلى أن يوسف ندا كان قد أُدرج عقب أحداث سنة 2001 ضمن قوائم دولية مرتبطة بالإرهاب، قبل أن يُشطب اسمه لاحقًا من قوائم العقوبات الأممية وتُرفع القيود المفروضة عليه. ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة، إذ لا يجوز الاستناد إلى اتهامات سابقة رُفعت بشأنها العقوبات لتبرير استمرار التعامل معه باعتباره مرتبطًا بالإرهاب، دون أدلة جديدة تثبت ذلك.
موقف الدفاع: الملف سياسي والتناقض الزمني جوهري
ينفي نور الدين البحيري وهيئة دفاعه التهم الموجهة إليه، ويتمسكان بأن القضية ذات خلفية سياسية وأن الوثائق الأصلية التي قام عليها جانب من الملف تعود إلى عقود سابقة على توليه أي مسؤولية حكومية.
كما يركز الدفاع على أن الجنسية والجوازات الأصلية لا يمكن نسب إصدارها إلى البحيري، باعتبار أنها سابقة لفترة توليه وزارة العدل بين 2011 و2013.
وفي المقابل تتمسك جهة الاتهام بوجود وقائع لاحقة مرتبطة باستخراج وثائق واستعمالها خلال فترة ما بعد 2011، وهو ما يجعل تحديد كل وثيقة وتاريخ إصدارها والجهة التي أصدرتها والمسؤول الذي تدخل بشأنها عنصرًا حاسمًا في القضية.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعبر مرصد الحرية لتونس عن بالغ قلقه من الأحكام السجنية الثقيلة الصادرة في هذه القضية، والتي وصلت إلى 30 عامًا، في ملف تتداخل فيه وقائع تعود إلى الثمانينات مع إجراءات ووثائق لاحقة، ويؤكد أن هذا التداخل يفرض مستوى استثنائيًا من الدقة في الإثبات والتعليل القضائي.
ويرى المرصد أن مجرد وجود وثائق جنسية أو جوازات سفر لأشخاص أجانب سبق منحهم الجنسية التونسية قبل عقود لا يمكن أن يشكل في حد ذاته، أساسًا لإسناد جرائم إرهابية إلى مسؤولين تولوا مناصبهم بعد ذلك بثلاثة عقود.
كما يشدد المرصد على ضرورة الفصل بين الوقائع الإدارية المتعلقة بإصدار أو تجديد وثائق الهوية والجنسية وبين الأفعال التي يمكن أن تكتسب صبغة إرهابية، وعدم الانتقال من وجود مخالفة إدارية أو شبهة تدليس إلى توصيف إرهابي دون إثبات القصد والعلاقة المباشرة بالفعل الإرهابي المنسوب.
ويعرب المرصد عن قلقه من إعادة توظيف ملفات قديمة وأسماء ارتبطت تاريخيًا باتهامات أمنية في بناء قضايا جديدة ضد شخصيات سياسية معارضة، خصوصًا عندما تكون بعض الوقائع الأصلية سابقة زمنيًا بعقود لفترة مسؤوليتهم.
ويؤكد المرصد أن مكافحة الإرهاب لا تكتسب مشروعيتها من جسامة العقوبات، بل من وضوح الوقائع وقوة الأدلة وتحديد المسؤولية الفردية واحترام حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -تمكين المتهمين من محاكمة عادلة وعلنية تتاح فيها لهيئات الدفاع إمكانية مناقشة جميع الوثائق والأدلة وتقارير الخبرة.
- -الفصل بين الوثائق الأصلية الصادرة خلال الثمانينات والإجراءات اللاحقة التي جرت خلال فترة ما بعد 2011، وعدم تحميل مسؤولين لاحقين أفعالًا سابقة على توليهم مهامهم.
- -الكشف بصورة واضحة عن الأدلة التي استند إليها إضفاء الصبغة الإرهابية على الملف، وتحديد العلاقة المباشرة بين كل متهم والأفعال الإرهابية المزعومة.
- -مراجعة العقوبات الثقيلة الصادرة ابتدائيًا بما يتناسب مع الوقائع التي يثبتها القضاء بصورة فردية، وعدم استعمال توصيف الإرهاب لتشديد العقوبة في غياب أركانه القانونية الواضحة.
- -احترام قرينة البراءة ووقف أي توظيف سياسي أو إعلامي للقضية قبل صدور أحكام نهائية تستند إلى أدلة قابلة للفحص والمناقشة.
- -التعجيل بالبت في الوضع الإجرائي لحمادي الجبالي وبقية من طعنوا في قرار الإحالة، وعدم إبقائهم لفترات طويلة في حالة عدم يقين قضائي.




