31 جويلية (يوليو) 2026 – قرر قاضي التحقيق الأول بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي التمديد للمرة الثانية في الإيقاف التحفظي مدة أربعة أشهر إضافية في حق المديرة العامة السابقة لصندوق الودائع والأمانات بثينة بن يغلان، والمدير العام السابق للصندوق جمال بالحاج عبد الله، وذلك في إطار التحقيقات المتعلقة بشبهات فساد مالي وإداري في التصرف في موارد الصندوق وإسناد قروض وتمويلات لفائدة مؤسسات خاصة.
وكان قاضي التحقيق قد أصدر بطاقتي إيداع بالسجن في حق بثينة بن يغلان وجمال بالحاج عبد الله مطلع أكتوبر 2025، إلى جانب رجل الأعمال أحمد عبد الكافي، قبل أن يُفرج عن الأخير مؤقتًا مقابل ضمان مالي قدره 25 مليون دينار. ولا يزال الملف في طور التحقيق، ولم يصدر في أصله حكم بالإدانة ضد المشمولين به.
خلفية القضية:
انطلقت الأبحاث أواخر سبتمبر 2025 بشأن طريقة تصرف صندوق الودائع والأمانات في موارده، ولا سيما عمليات إسناد القروض والتمويلات والتسهيلات المالية إلى مؤسسات خاصة، ومدى احترام قواعد الاستثمار والتصرف الحذر وضوابط تجنب تضارب المصالح.
وشملت الشبهات المعلنة الإضرار بالإدارة وإهدار المال العام واستغلال النفوذ وتضارب المصالح ومخالفة القواعد المنظمة للتصرف في الأموال العمومية، إلى جانب شبهات غسل أموال مرتبطة بالجانب الأوسع من الأبحاث. وتشمل التحقيقات عددًا من الأشخاص والمؤسسات الناشطة في قطاعات اقتصادية مختلفة.
وتولت بثينة بن يغلان إدارة صندوق الودائع والأمانات بين أفريل 2016 وأوت 2021، بعد أن شغلت منصب كاتبة دولة لدى وزير المالية. أما جمال بالحاج عبد الله، فهو أول مدير عام للصندوق، وتولى إدارته منذ تأسيسه سنة 2011 إلى أفريل 2016، قبل تعيينه على رأس الشركة التونسية السعودية للاستثمار الإنمائي.
وسبق أن سجل تقرير لمحكمة المحاسبات حول تصرف الصندوق خلال الفترة الممتدة بين 2012 و2016 إخلالات رقابية تعلقت بتجاوز نسب الالتزام المحددة في عدد من المشاريع، وإسناد تمويلات دون ضمانات كافية، ووجود حالات تضارب مصالح، وضعف آليات متابعة المشاريع والاستثمارات ذات المصلحة العامة. وتمثل هذه الملاحظات خلفية رقابية للأبحاث، ولا تشكل بمفردها إثباتًا للمسؤولية الجزائية الفردية للمشمولين بالقضية.
الإيقاف التحفظي ومدة التحقيق:
ينص الفصل 85 من مجلة الإجراءات الجزائية على أن الإيقاف التحفظي تدبير استثنائي، ولا يجوز أن تتجاوز مدته الأصلية ستة أشهر. ويمكن في مادة الجنايات تمديده مرتين، على ألا تتجاوز مدة كل تمديد أربعة أشهر، وبمقتضى قرار معلل يتضمن الأسانيد الواقعية والقانونية التي تبرره ويكون قابلًا للاستئناف. وبذلك يمثل القرار الحالي التمديد الثاني المقرر قانونًا في طور التحقيق.
ولا يمثل استمرار الإيقاف أو تمديده دليلًا على الإدانة، إذ تظل بثينة بن يغلان وجمال بالحاج عبد الله متمتعين بقرينة البراءة إلى حين صدور حكم قضائي بات بعد محاكمة تتوافر فيها جميع ضمانات الدفاع والمواجهة.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعرب مرصد الحرية لتونس عن انشغاله من التمديد للمرة الثانية في الإيقاف التحفظي لبثينة بن يغلان وجمال بالحاج عبد الله، ويؤكد أن الإيقاف السابق للمحاكمة لا يجوز أن يتحول إلى عقوبة فعلية تسبق ختم التحقيق وإحالة الملف على المحكمة.
ويشدد المرصد على أن حماية المال العام والتحقيق في شبهات الفساد المالي والإداري واجبان أساسيان على الدولة، لكن ذلك يجب أن يتم في إطار احترام قرينة البراءة، وشخصية المسؤولية الجزائية، وحق المتهمين في معرفة الأفعال المنسوبة إليهم ومناقشة التقارير والاختبارات المالية التي تقوم عليها التتبعات.
ويرى المرصد أن طبيعة القضية، القائمة أساسًا على قرارات استثمار وتمويل ووثائق إدارية ومحاسبية، تفرض تحديد المسؤولية الفردية لكل طرف بدقة، والتمييز بين أعضاء مجالس الإدارة والهياكل الرقابية والمسؤولين التنفيذيين الذين اتخذوا القرارات أو نفذوها، بدل بناء المسؤولية الجزائية على الصفة الوظيفية وحدها.
كما يحذر المرصد من أن يؤدي التوسع في الإيقاف التحفظي في القضايا الاقتصادية إلى ممارسة ضغط نفسي وقضائي على المسؤولين السابقين والفاعلين الاقتصاديين، وإلى زعزعة الأمن القانوني داخل الإدارة والمؤسسات العمومية، خاصة عندما تستمر التحقيقات لفترات طويلة دون حسم قضائي.
ويؤكد المرصد أن مكافحة الفساد لا تستقيم إلا بقضاء مستقل وتحقيقات فنية دقيقة ومحاكمات شفافة، ولا يجوز استعمالها لتصفية الحسابات السياسية أو الإدارية أو لترهيب من تولوا مسؤوليات عمومية أو اقتصادية.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- مراجعة استمرار إيقاف بثينة بن يغلان وجمال بالحاج عبد الله، واعتماد الإفراج المؤقت أو التدابير البديلة الكفيلة بضمان حضورهما وسلامة التحقيق.
- التعجيل باستكمال الأبحاث واتخاذ قرار ختم التحقيق داخل أجل معقول، بما يضع حدًا لاستمرار الإيقاف دون محاكمة.
- تمكين هيئتي الدفاع من كامل ملف القضية والاختبارات والتقارير المالية، ومن نسخة من القرارات المعللة المتعلقة بالإيقاف وتمديده.
- إجراء اختبارات مالية ومحاسبية مستقلة، وتمكين الدفاع من مناقشتها وطلب اختبارات مضادة.
- تحديد المسؤولية الفردية عن كل قرار تمويل أو استثمار، وعدم تحميل أي متهم مسؤولية جماعية مستمدة من منصبه أو عضويته في هياكل الصندوق.
- احترام قرينة البراءة ووقف كل خطاب يقدم المشمولين بالتحقيق باعتبارهم مدانين قبل صدور أحكام قضائية باتة.
- ضمان ألا تتحول مكافحة الفساد إلى مدخل لترهيب المسؤولين والفاعلين الاقتصاديين أو الإضرار بالأمن القانوني ومناخ الاستثمار.




