15 جويلية (يوليو) 2026 – قضت محكمة الاستئناف بصفاقس بسجن الصحفي والمعلّق الإعلامي هيثم المكي مدة عام واحد، بعد نقض الحكم الابتدائي القاضي بعدم سماع الدعوى في حقه، وذلك في قضية رفعتها إدارة المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس على خلفية نشر خبر وصور تتعلق بتجاوز مشرحة المستشفى طاقة استيعابها خلال شهر أفريل 2023.
وكانت الملاحقة قد انطلقت على أساس الفصل 24 من المرسوم عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، قبل أن تغيّر محكمة الاستئناف التكييف القانوني للوقائع وتقضي بإدانة المكي استنادًا إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات، المتعلق بتعمّد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر شبكات الاتصال.
ويظل الحكم قابلًا للطعن أمام محكمة التعقيب، فيما أعلنت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين مساندتها للمكي ودعت إلى نقض الحكم.
خلفية القضية:
تعود القضية إلى خبر نُشر خلال شهر أفريل 2023 بشأن امتلاء مشرحة المستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس، ووضع جثث مهاجرين غير نظاميين في أروقة المؤسسة الاستشفائية بعد تجاوز المشرحة طاقتها الاستيعابية، وأرفق الخبر بصور للجثث.
وفي جانفي 2024، استُدعي هيثم المكي للمثول أمام الفرقة الجهوية للأبحاث العدلية للحرس الوطني بصفاقس بصفته مشتبهًا به، على خلفية شبهة نشر أخبار زائفة وصور لمهاجرين داخل المستشفى بقصد تأجيج الرأي العام. وقررت النيابة العمومية إبقاءه بحالة سراح وإحالته على المحاكمة.
وأحيل المكي في البداية بمقتضى الفصل 24 من المرسوم 54، الذي يعاقب على استعمال أنظمة المعلومات والاتصال لنشر أو ترويج أخبار أو بيانات كاذبة. وانتهى الطور الابتدائي إلى القضاء بعدم سماع الدعوى، قبل أن تعتمد محكمة الاستئناف الفصل 86 من مجلة الاتصالات وتحكم بسجنه عامًا واحدًا.
ويكشف هذا المسار عن انتقال القضية من اتهام يتعلق بنشر أخبار زائفة إلى إدانة على أساس الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحته، رغم اختلاف العناصر القانونية اللازمة لإثبات كل جريمة.
حجج هيئة الدفاع:
تمسّك هيثم المكي بأن الصور محل الشكاية لم ينشرها، وأن الحساب الظاهر في الوثيقة المقدمة ضده على منصة «إكس» لا يعود إليه. كما أشار إلى أن شكاية المستشفى تحدثت عن نشر المحتوى على موقع فيسبوك، في حين استند الملف إلى لقطة شاشة مأخوذة من منصة أخرى، بما يثير إشكالًا يتعلق بنسبة المنشور إليه وسلامة الإثبات الرقمي.
ودفع المكي بأن لقطة الشاشة لم تخضع لمعاينة قانونية بواسطة عدل منفذ للتثبت من مصدرها وتاريخها وهوية الحساب الذي نشرها، وهو ما يمس حجيتها وإمكانية اعتمادها دليلًا يقينيًا للإدانة.
كما تمسّك بأن الخبر المتعلق بتجاوز المشرحة طاقتها الاستيعابية لم يكن مختلقًا، بل تناولته وسائل إعلام تونسية ودولية، وتحدث عنه مسؤولون وعاملون في القطاع الصحي خلال الفترة نفسها، بالتزامن مع ارتفاع عدد جثث المهاجرين الذين قضوا في البحر قبالة سواحل صفاقس.
وأشار الدفاع إلى أن مضمون الشكاية ركّز على نشر الخبر والصور دون إذن وعلى تأثيرهما المحتمل في الرأي العام، ولم يقم على إثبات كذب الواقعة الأساسية، بما يتعارض مع التهمة الأصلية المتعلقة بنشر أخبار زائفة.
كما اعتبرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أن القضية تتصل بنشر مادة صحفية حول مسألة ذات مصلحة عامة، وأن النص الواجب تطبيقه هو المرسوم عدد 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، لا المرسوم 54 أو الفصل 86 من مجلة الاتصالات.
ويستند هذا الدفع إلى مبدأ أولوية النص الخاص المنظم للعمل الصحفي على النصوص الجزائية العامة، وإلى أن المرسوم 115 لا يقر عقوبة سالبة للحرية في مثل هذه الوقائع.
ويثير تغيير التكييف القانوني في الطور الاستئنافي إشكالًا إضافيًا يتعلق بحق الدفاع في معرفة التهمة ومناقشة عناصرها، خاصة أن المكي أحيل وحوكم ابتدائيًا على أساس نشر أخبار زائفة، ثم أُدين استئنافيًا من أجل الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحته.
ويُذكر أن هيثم المكي سبق أن مثل في قضيتين أخريين منذ سنة 2023، الأولى إلى جانب الصحفي إلياس الغربي بسبب مضمون إذاعي، والثانية إلى جانب الأستاذة الجامعية سلوى الشرفي بسبب تدوينة أعاد مشاركتها، وقد أبقي بحالة سراح في القضيتين.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يدين مرصد الحرية لتونس الحكم السجني الصادر ضد هيثم المكي، ويعتبره حلقة جديدة في مسار تجريم العمل الصحفي وتوظيف نصوص قانونية عامة وزجرية لمعاقبة الصحفيين على تناولهم قضايا ذات مصلحة عامة.
ويرى المرصد أن الانتقال من حكم ابتدائي بعدم سماع الدعوى إلى عقوبة سجنية، بعد تغيير التكييف القانوني في الطور الاستئنافي، يثير إشكالات جدية تتعلق بالأمن القانوني وحق المتهم في معرفة التهمة الموجهة إليه وإعداد دفاعه على أساس واضح ومحدد.
ويعتبر المرصد أن استعمال الفصل 86 من مجلة الاتصالات ضد الصحفيين يمثل توسعًا خطيرًا في تطبيق نص فضفاض، يسمح بمعاقبة المضامين الصحفية بدعوى الإساءة أو الإزعاج، من دون ضبط دقيق للضرر أو التمييز بين العمل الصحفي المشروع والاعتداء المتعمد على حقوق الغير.
كما يشدد المرصد على أن نشر معلومات تتعلق بوضع المستشفيات والتعامل مع جثث المهاجرين يمثل موضوعًا ذا مصلحة عامة، يرتبط بحق المواطنين في المعرفة وواجب الصحافة في كشف أوجه القصور داخل المؤسسات العمومية. ولا يجوز تحويل اعتراض مؤسسة عمومية على مضمون صحفي إلى أساس لعقوبة سالبة للحرية.
ويؤكد المرصد أن سلامة الإثبات الرقمي تمثل شرطًا أساسيًا لأي إدانة، ولا يجوز نسبة منشور أو صور إلى صحفي استنادًا إلى لقطة شاشة غير موثقة قانونيًا أو إلى حساب ينازع المعني بالأمر في ملكيته.
كما يعتبر أن تواصل ملاحقة هيثم المكي في قضايا متعددة مرتبطة بتصريحاته ومضامينه الإعلامية يندرج ضمن مناخ متصاعد من التضييق القضائي على الصحفيين والمعلقين، ويؤدي إلى ترهيبهم ودفعهم إلى الرقابة الذاتية والامتناع عن تناول الملفات الحساسة.
ويرى المرصد أن القوانين الجزائية وقوانين الاتصالات لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن تشريعات الصحافة أو إلى وسيلة للالتفاف على الضمانات التي يقرها المرسوم عدد 115، وخاصة مبدأ عدم سجن الصحفيين بسبب أعمال مرتبطة مباشرة بممارسة مهنتهم.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -نقض الحكم الاستئنافي الصادر ضد هيثم المكي وإعادة النظر في القضية وفق ضمانات المحاكمة العادلة والتشريع الخاص المنظم للعمل الصحفي.
- -إيقاف تنفيذ العقوبة السجنية إلى حين استنفاد جميع طرق الطعن القانونية.
- -وقف ملاحقة الصحفيين بمقتضى الفصل 86 من مجلة الاتصالات والمرسوم عدد 54 بسبب أعمال مرتبطة بالنشر الصحفي والتعليق الإعلامي.
- -تطبيق المرسوم عدد 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر في جميع القضايا الخاضعة لممارسة العمل الصحفي.
- -إخضاع الأدلة الرقمية للمعاينة والتوثيق والخبرة الفنية قبل اعتمادها في الإدانة، والتثبت بصورة يقينية من هوية الحسابات ومصدر المنشورات.
- -حماية الصحفيين المشتغلين على قضايا المؤسسات العمومية والهجرة والصحة العمومية، وعدم استعمال القضاء لترهيبهم أو منعهم من كشف الوقائع.
- -إلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر والتعبير، ووضع حد للتوظيف التعسفي للنصوص الزجرية ضد الصحفيين.




