27 جوان (يونيو) 2026 – قررت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس تأجيل النظر في القضية المرفوعة ضد رجل الأعمال حاتم الشعبوني وعدد من موظفي بنك عمومي إلى موعد لاحق.
وقررت المحكمة كذلك حجز مطلب الإفراج المقدم في حق أحد الموظفين المتهمين للنظر فيه إثر الجلسة.
وتتعلق القضية بشبهات الحصول على قروض وتمويلات بنكية دون احترام الضمانات والتراتيـب القانونية المعمول بها، إلى جانب تهم مرتبطة باستغلال الصفة لاستخلاص فائدة لا وجه لها، والإضرار بالإدارة، وغسل الأموال، ومخالفة القواعد المنظمة للعمليات البنكية.
ويأتي هذا التطور بعد أسابيع من قرار الدائرة نفسها الإفراج عن حاتم الشعبوني مقابل إيداع ضمان مالي قدره 60 مليون دينار لفائدة الخزينة العامة، مع بقائه بحالة سراح على ذمة القضية.
عرض القضية:
تعود القضية إلى تحقيقات شملت رجل الأعمال حاتم الشعبوني وعددًا من الإطارات البنكية والمسؤولين السابقين، من بينهم الرئيس المدير العام الأسبق للبنك الوطني الفلاحي حبيب حاج قويدر، وذلك على خلفية عمليات تمويل وقروض بنكية تعود إلى سنوات سابقة.
وتتمحور الشبهات حول منح قروض وتمويلات وعمليات مالية اعتبرت جهة البحث أنها تمت دون احترام الضمانات والإجراءات القانونية المنظمة للعمل البنكي، بما في ذلك معاملات مرتبطة بشراء أسهم ومساهمات مالية.
وفي المقابل، يتمسك المتهمون بأن جميع العمليات موضوع التتبع تندرج ضمن معاملات بنكية وتجارية عادية، وأنها أُنجزت في إطار الإجراءات والآليات المعمول بها داخل المؤسسة البنكية.
خلفية القضية:
بدأت القضية في أوت 2023 عندما تم الاحتفاظ بحاتم الشعبوني من قبل الفرقة المركزية للجرائم المالية بالعوينة قبل الإفراج عنه لاحقًا مع تحجير السفر عليه.
وفي جوان 2024، أعيد الاحتفاظ به وأُصدرت في حقه بطاقة إيداع بالسجن، ليظل موقوفًا قرابة عامين رغم تقديم عدة مطالب للإفراج واقتراح ضمانات مالية متتالية بلغت 20 مليون دينار ثم 40 مليون دينار، قبل أن تقرر المحكمة في 02 جوان 2026 الإفراج عنه مقابل ضمان مالي قدره 60 مليون دينار.
وشملت الأبحاث كذلك عددًا من المسؤولين والإطارات البنكية الذين تمت إحالتهم معه على أنظار الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الفساد المالي.
حجج هيئة الدفاع:
تتمسك هيئة الدفاع بأن العمليات موضوع التتبع ليست سوى معاملات بنكية وتجارية اعتيادية تمت داخل الأطر القانونية والإجرائية المعمول بها في المؤسسة البنكية، ولم تكن عمليات سرية أو خارجة عن المسالك القانونية.
كما أكدت أن استمرار إيقاف حاتم الشعبوني طوال ما يقارب عامين ألحق أضرارًا جسيمة به وبالمؤسسات الاقتصادية التي يشرف عليها، خاصة في قطاعات الأعلاف وتربية الدواجن واللحوم البيضاء، معتبرة أن تلك الأضرار كان يمكن تفاديها باعتماد تدابير بديلة عن الإيقاف التحفظي.
وترى هيئة الدفاع أن قرار الإفراج مقابل ضمان مالي مرتفع يؤكد بدوره أن ضمان حسن سير العدالة كان ممكنًا دون الإبقاء على المتهم رهن الإيقاف طوال تلك المدة.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعبر مرصد الحرية لتونس عن قلقه من استمرار محاكمة رجال أعمال في ظل لجوء واسع إلى الإيقاف التحفظي في القضايا المالية، رغم أن الوقائع المنسوبة إليهم غالبًا ما تكون قابلة للمعالجة من خلال الضمانات المالية والتدابير القانونية البديلة.
ويرى المرصد أن قرار الإفراج السابق عن حاتم الشعبوني مقابل ضمان مالي قدره 60 مليون دينار يؤكد أن استمرار احتجازه لما يقارب عامين لم يكن الإجراء الوحيد الممكن لضمان سير المحاكمة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ استثنائية الإيقاف التحفظي.
كما يجدد المرصد تخوفه من تحول بعض الملفات الاقتصادية والمالية إلى أدوات للضغط على رجال الأعمال أو إخضاعهم أو التأثير على قراراتهم الاقتصادية تحت شعار مكافحة الفساد، بما ينعكس سلبًا على مناخ الاستثمار والثقة في البيئة الاقتصادية.
ويؤكد المرصد أن مكافحة الفساد تمثل ضرورة وطنية لا خلاف حولها، لكنها يجب أن تتم في إطار احترام قرينة البراءة، وضمان المحاكمة العادلة، وعدم تحويل الإيقاف التحفظي إلى عقوبة تسبق صدور الأحكام النهائية.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- احترام مبدأ استثنائية الإيقاف التحفظي في القضايا المالية وعدم اللجوء إليه إلا عند الضرورة القصوى.
- الإفراج عن بقية الموقوفين في القضايا المالية كلما توفرت الضمانات القانونية الكفيلة بحسن سير العدالة.
- ضمان احترام كامل لحقوق الدفاع وإجراء الخبرات المالية والفنية اللازمة في جميع الملفات الاقتصادية المعقدة.
- عدم توظيف الملفات الاقتصادية والمالية للضغط على رجال الأعمال أو التأثير على استقلالية القرار الاقتصادي.
- الإسراع في الفصل في القضايا المالية بما يمنع تحول طول أمد التقاضي والإيقاف إلى عقوبة فعلية قبل صدور أحكام باتة.
- توفير بيئة قضائية مستقرة وشفافة تعزز الثقة في مناخ الاستثمار وتحمي في الآن نفسه المال العام وسيادة القانون.




