26 جوان (يونيو) 2026 – قضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس بإدانة الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين وعدد من المسؤولين السابقين، في قضيتين منفصلتين تتعلقان بأعمال هيئة الحقيقة والكرامة، إحداهما مرتبطة باتفاق الصلح التحكيمي مع رجل الأعمال سليم شيبوب، والثانية بالنزاع المتعلق بالبنك الفرنسي التونسي (BFT) والتقرير الختامي للهيئة.
وفي الملف الأول، المتعلق بما اعتبرته المحكمة تجاوزات رافقت أعمال هيئة الحقيقة والكرامة بمناسبة إبرام اتفاقية الصلح التحكيمي مع رجل الأعمال سليم شيبوب، قضت المحكمة بسجن سهام بن سدرين وخالد الكريشي مدة خمس سنوات لكل منهما، وسجن وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية الأسبق مبروك كورشيد مدة ست سنوات مع النفاذ العاجل، وسليم شيبوب مدة خمس سنوات من أجل المشاركة.
كما قضت المحكمة بتخطئة كل واحد من المتهمين بمبلغ 1.776.170.000 دينار، مع إلزامهم بالتضامن برد المبلغ نفسه لفائدة الدولة.
أما في الملف الثاني، المتعلق بالبنك الفرنسي التونسي (BFT)، فقد قضت المحكمة بسجن سهام بن سدرين وخالد الكريشي مدة خمس سنوات لكل منهما، وسجن مبروك كورشيد وعبد المجيد بودن مدة ست سنوات لكل واحد مع النفاذ العاجل.
كما قضت بتخطئة كل واحد من المتهمين بمبلغ 16.985.003,774 دينار، مع إلزامهم بالتضامن برد المبلغ ذاته.
وقضت المحكمة أيضًا بثبوت إدانة سهام بن سدرين من أجل جرائم التدليس ومسك واستعمال مدلس، واعتبرت تلك الجرائم متواردة على معنى الفصل 55 من المجلة الجزائية، وقضت بسجنها خمسة عشر عامًا باعتبارها الجريمة الأشد.
وبذلك يبلغ مجموع العقوبات السجنية المحكوم بها على سهام بن سدرين في الملفين خمسةً وعشرين عامًا.
عرض القضية:
أولًا: ملف هيئة الحقيقة والكرامة واتفاق الصلح مع سليم شيبوب
يتعلق هذا الملف بما اعتبرته النيابة العمومية تجاوزات رافقت أعمال هيئة الحقيقة والكرامة أثناء إبرام اتفاق الصلح التحكيمي مع رجل الأعمال سليم شيبوب في إطار مسار العدالة الانتقالية.
وشمل التتبع سهام بن سدرين، وخالد الكريشي، ومبروك كورشيد، وسليم شيبوب، من أجل تهم تتعلق باستغلال موظف عمومي صفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها للغير، والإضرار بالإدارة، والمشاركة في ذلك.
ثانيًا: ملف البنك الفرنسي التونسي (BFT)
يتعلق الملف الثاني بالنزاع المرتبط بالبنك الفرنسي التونسي (BFT)، وبما اعتبرته جهة الاتهام تعديلات أُدخلت على التقرير الختامي لهيئة الحقيقة والكرامة في الجزء المتعلق بهذا الملف.
وشمل التتبع سهام بن سدرين، وخالد الكريشي، ومبروك كورشيد، وعبد المجيد بودن، كما أضيف إلى سهام بن سدرين تتبع مستقل من أجل التدليس ومسك واستعمال مدلس.
وترى جهة الاتهام أن تلك الأفعال ألحقت ضررًا بالإدارة وخالفت التراتيب القانونية الجاري بها العمل.
حجج هيئة الدفاع:
تمسكت هيئة الدفاع بأن التقرير الذي سُلّم إلى رئاسة الجمهورية في ديسمبر 2018 لم يكن النسخة النهائية المعدة للنشر، وإنما نسخة أولية كان مجلس هيئة الحقيقة والكرامة قد أجاز إدخال تعديلات وتصحيحات عليها قبل نشرها بالرائد الرسمي، وهو ما يجعل التعديلات اللاحقة جزءًا من المسار الطبيعي لإعداد التقرير النهائي.
كما أكدت هيئة الدفاع أن ملف البنك الفرنسي التونسي لا يثبت حصول الدولة على خسائر بالمليارات كما تم الترويج له، مشيرة إلى أن النزاع التحكيمي الدولي انتهى بإسقاط معظم مطالب الجهة المدعية، ولم يُرتب على الدولة سوى تعويض محدود، بما ينفي فرضية الضرر المالي الجسيم المنسوب إلى التقرير.
وفي ما يتعلق بملف سليم شيبوب، تمسك الدفاع بأن اتفاق الصلح التحكيمي لم يدخل أصلًا حيز التنفيذ، وهو ما ينفي تحقق أي منفعة غير مشروعة أو ضرر مادي فعلي يمكن أن يؤسس للمسؤولية الجزائية.
كما استند الدفاع إلى الفصل 69 من قانون العدالة الانتقالية، الذي ينص على عدم مساءلة أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة عن مضامين التقارير والاستنتاجات والتوصيات الصادرة في إطار ممارسة مهامهم القانونية.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعبر مرصد الحرية لتونس عن تضامنه الكامل واللامشروط مع سهام بن سدرين، ومع جميع المسؤولين السابقين الذين تتم ملاحقتهم بسبب الأعمال المرتبطة بمسار العدالة الانتقالية، ويعتبر أن الأحكام الصادرة تمثل تطورًا بالغ الخطورة يهدد أحد أهم المسارات الإصلاحية التي عرفتها تونس بعد الثورة.
ويرى المرصد أن تتبع الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة وعدد من أعضائها ومسؤوليها على خلفية قرارات وتقارير وإنجازات تدخل في صميم المهام التي أسندها إليهم قانون العدالة الانتقالية، يشكل مساسًا خطيرًا باستقلالية هيئات العدالة الانتقالية، ويبعث برسالة ترهيب لكل من يشارك مستقبلاً في كشف الحقيقة ومساءلة المسؤولين عن انتهاكات الماضي.
كما يعتبر المرصد أن استهداف أبرز رموز العدالة الانتقالية بعد سنوات من انتهاء أعمال الهيئة، وفي ظل حملات سياسية وإعلامية متواصلة ضدها، يحمل مؤشرات جدية على وجود إرادة لتصفية هذا المسار والانتقام من القائمين عليه، بدل تقييم أعماله في إطار نقاش قانوني ومؤسساتي يحترم الضمانات الدستورية.
ويؤكد المرصد أن ملاحقة أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة بسبب مضمون التقارير أو الخيارات التي اتخذت في إطار تنفيذ القانون الأساسي للعدالة الانتقالية تمثل سابقة خطيرة من شأنها إفراغ منظومة العدالة الانتقالية من مضمونها، وتقويض الضمانات القانونية التي وفرها المشرع لاستقلالية الهيئة وأعضائها.
كما يعرب المرصد عن قلقه من الإخلالات التي شابت سير المحاكمة، ولا سيما حرمان المتهمين من ممارسة حقهم الكامل في الدفاع، بما ينعكس سلبًا على ضمانات المحاكمة العادلة.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- عدم تنفيذ العقوبات السالبة للحرية إلى حين استنفاد جميع درجات التقاضي، وتمكين سهام بن سدرين من مباشرة حقوقها في الطعن وهي في حالة سراح.
- إيقاف جميع أشكال الملاحقات التي تستهدف أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة بسبب ممارستهم للمهام التي خولها لهم قانون العدالة الانتقالية.
- احترام الضمانات المنصوص عليها في قانون العدالة الانتقالية، وعدم تجريم أعمال الهيئات المستقلة بأثر رجعي.
- ضمان محاكمة عادلة تتوفر فيها جميع حقوق الدفاع، وتمكين المحامين من أداء مهامهم دون قيود.
- حماية مسار العدالة الانتقالية باعتباره أحد الاستحقاقات الدستورية، والكف عن استهداف رموزه أو توظيف القضاء لتصفية حسابات سياسية معهم.
- فتح نقاش وطني مستقل حول تقييم تجربة العدالة الانتقالية بعيدًا عن منطق الانتقام أو التشويه، وبما يحفظ حق الضحايا في الحقيقة والعدالة ويصون استقلال القضاء.




