23 أفريل (أبريل) 2026 – قضت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بمدنين بالسجن لمدة سنة في حق الناشط الحقوقي ورئيس جمعية “أطفال القمر” عبد الله السعيد، فيما تولّت النيابة العمومية استئناف الحكم، في قضية تثير منذ انطلاقها جدلًا واسعًا بشأن طبيعة التهم وسياق الملاحقة وحدود استهداف العمل الجمعياتي والإنساني في تونس.
خلفية القضية:
يأتي الحكم بعد 526 يوما قضاها السعيد رهن الإيقاف التحفظي منذ نوفمبر 2024، في مسار قضائي اتسم بتحولات لافتة في تكييف الملف؛ إذ بدأ بإحالة على القطب القضائي لمكافحة الإرهاب قبل سقوط الشبهة الإرهابية رسميًا بعد أيام، ليُعاد لاحقًا توجيه الملف في إطار تتبعات تتعلق بتبييض الأموال وشبهات مالية أخرى، مع إثارة تهم ثقيلة من بينها الاعتداء على أمن الدولة الخارجي.
وتُعد هذه التحولات في توصيف الملف من أبرز العناصر التي أثارت انتقادات حقوقية، باعتبار أن انتقال القضية من شبهة إرهابية إلى انتفاء تلك الشبهة، ثم إعادة بنائها بتكييفات زجرية ثقيلة أخرى، يطرح تساؤلات جدية حول منطق التتبع وحدود استعمال الوصف الجزائي في التعامل مع فاعلين مدنيين.
وتشير المعطيات المتصلة بالقضية إلى أن الاتهامات ارتبطت بتمويلات وأنشطة الجمعية، بينما تمسك الدفاع بأن أعمال الجمعية كانت معلنة ومرتبطة ببرامج اجتماعية وصحية وإنسانية، تشمل دعم الفئات الهشة والمهاجرين والأطفال المصابين بأمراض نادرة، دون وجود ما يبرر المعالجة الزجرية التي انتهى إليها الملف.
كما اعتبر الدفاع أن استمرار الإيقاف رغم سقوط شبهة الإرهاب مثّل استعمالًا مفرطًا للإيقاف التحفظي، وأن القضية لا يمكن فصلها عن مناخ أوسع طالت فيه الملاحقات فاعلين مدنيين ومنظمات تعمل في ملفات الهجرة والدعم الإنساني.
عبد الله السعيد هو طبيب وناشط مدني معروف في الجنوب التونسي، برز لسنوات من خلال العمل الإنساني والاجتماعي، خصوصًا عبر جمعية “أطفال القمر”، التي تُعنى بالرعاية الصحية لأطفال القمر والإحاطة بالفئات الهشة.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يدين مرصد الحرية لتونس الحكم الصادر في حق عبد الله السعيد، ويعتبره حلقة جديدة في مسار متصاعد يستهدف العمل المدني والإنساني في تونس، عبر توظيف القضاء لملاحقة نشطاء ارتبط نشاطهم بالتضامن والإغاثة والدفاع عن الفئات الهشة والمهاجرين. ويرى المرصد أن القضية لم تعد تتعلق بتتبع جزائي معزول، بل بنمط متكرر من استهداف الفاعلين المدنيين، في سياق يقبع فيه أو طالت الملاحقات فيه عدد من النشطاء والعاملين في المجال الإنساني، من بينهم سعدية مصباح، إلى جانب ملاحقات طالت مصطفى الجمالي وعبد الرزاق الكريمي وسلوى غريسة وشريفة الرياحي.
ويعتبر المرصد أن الانتقال من شبهة إرهابية سقطت قانونًا، إلى إعادة بناء الملف بتكييفات جزائية أخرى مشددة، يكشف تتبعا يقوم على إعادة تكييف القضايا بما يضمن الإبقاء على النشطاء تحت طائلة الملاحقة، ويعكس رغبة في استهداف أشخاص بعينهم بسبب نشاطهم وأدوارهم الحقوقية، لا بسبب أفعال جرمية ثابتة.
ويرى المرصد أن هذه القضية تأتي في مناخ يتغذى من تصاعد الخطاب العنصري والتحريضي الصادر عن دوائر في السلطة التنفيذية والتشريعية الذي ساهم في وصم المهاجرين وتجريم التضامن معهم، بما جعل ملاحقة النشطاء الإنسانيين امتدادًا سياسيًا وقضائيًا لهذا المناخ، لا مسارًا قضائيًا منفصلًا عنه.
ويحذر المرصد من أن ما يجري هو محاولة لتكريس تجريم العمل الإنساني نفسه، وتحويل التضامن إلى شبهة، والإغاثة إلى محل اتهام، والعمل الجمعياتي المستقل إلى خطر يُراد القضاء عليه. كما يندد المرصد بحملات التشويه التي استهدفت النشطاء والحقوقيين، باعتبارها جزءًا من بيئة قمعية تسبق الملاحقة القضائية وتواكبها وتبررها.
ويعتبر المرصد أن استهداف عبد الله السعيد لا يمس شخصه فقط، بل يمثل رسالة ترهيب موجّهة إلى المجتمع المدني بأكمله، ومحاولة لإخضاع الفضاء الحقوقي المستقل وكسر الفاعلين فيه عبر السجن والتشهير والاستنزاف القضائي.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -الإفراج عن عبد الله السعيد ووقف التتبعات المرتبطة بنشاطه المدني والإنساني.
- -وضع حد لاستخدام الإيقاف التحفظي المطوّل كآلية عقاب مسبق في القضايا ذات الصلة بالعمل المدني.
- -الكفّ عن توظيف التكييفات الجزائية الثقيلة لتجريم التضامن والعمل الإنساني.
- -احترام حرية العمل الجمعياتي وضمان عدم تحويل القضاء إلى أداة للضغط على الفاعلين الحقوقيين والمدنيين.




