Skip links

قضية “الجهاز السري لحركة النهضة”: مؤشرات تسييس في ظل غياب الأدلة وإخلالات بضمانات المحاكمة العادلة

 02 جوان (يونيو) 2026 يتابع مرصد الحرية لتونس بقلق بالغ المسار القضائي لما يُعرف إعلاميًا بقضية “الجهاز السري”، وهي القضية التي أُعيد إحياؤها وتوسيعها بعد سنة 2021، قبل أن تُحال على الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب، في سياق سياسي وقضائي اتّسم بتصاعد استعمال تهم الإرهاب وأمن الدولة ضد خصوم سياسيين ومعارضين.

ويرى المرصد أن المعطيات المتوفرة في الملف، كما وردت في مرافعات الدفاع والوثائق المتداولة، تطرح أسئلة جدية حول سلامة بناء وتوجيه الاتهامات، ومصداقية الشهادات المعتمدة، وطريقة دمج ملفات مستقلة ضمن قضية واحدة، فضلًا عن نقل الملف بين أكثر من جهة قضائية، وما رافق ذلك من شبهات توجيه سياسي وإجرائي للملف.

ولا يتخذ المرصد موقفًا من المسؤولية الجزائية لأي طرف قبل صدور أحكام نهائية معللة ومستندة إلى أدلة قانونية جدية، لكنه يؤكد أن خطورة التهم المنسوبة، ومنها تهم الإرهاب، وأمن الدولة، والتخابر مع جهة أجنبية أو مع حركة حماس، تفرض معيارًا صارمًا من الإثبات، لا يمكن أن يقوم على شهادات سجناء، أو خصوم سياسيين، أو روايات متأخرة وغير مدعومة بأدلة مادية مباشرة.

عرض القضية:

تتعلق القضية بما يُعرف إعلاميًا بـ“الجهاز السري” المنسوب إلى حزب حركة النهضة، وهي رواية تقوم على اتهام الحركة أو عدد من قياداتها وأشخاص مرتبطين بها بتكوين جهاز موازٍ للدولة، يُزعم أنه تولى جمع معلومات واختراق مؤسسات، وربط علاقات داخل أجهزة أمنية، وصولًا إلى اتهامات خطيرة مرتبطة بملفات الاغتيالات السياسية وبالتخابر مع جهات خارجية.

تؤكد الوثائق أن القائمة الرسمية الكاملة للمتهمين والتكييفات الفردية لكل شخص ليست منشورة في قرار إحالة علني كامل، وأن العدد المتداول رسميًا في الملف الأصلي هو 35 متهمًا. كما تشير الوثائق إلى أن أبرز الأسماء المتداولة تشمل راشد الغنوشي، علي العريض، فتحي البلدي، كمال البدوي، عاطف العمراني، مصطفى خذر، كمال العيفي، محرز الزواري، بلحسن النقاش، علي الفرشيشي، وأسماء أخرى وردت بدرجات متفاوتة.

غير أن المعطيات التي استعرضها الدفاع، ومنها ما ورد على لسان المحامي مختار الجماعي، تذهب إلى أن آلاف الأوراق المحجوزة في أماكن مختلفة لم تثبت وجود أي أثر مادي لما سُمّي “الجهاز السري” داخل المقر المركزي لحركة النهضة بمونبليزير أو في مقراتها الجهوية والمحلية. وقد اعتبر الدفاع أن البحث في تلك المقرات، بعد أكثر من عامين من التحقيق، لم يفضِ إلى العثور على ما يؤكد وجود تنظيم موازٍ أو جهاز أمني سري، وهو ما يضعف فرضية وجود بنية منظمة داخل الحزب.

المحجوزات التي تم العثور عليها:

6 كاميرا فيديو في شكل أقلام وساعة يدوية وربطة عنق ومفتاح وصندوق

2 سكانار أجهزة مسح ضوئي

6 ستة ديسكات

1 جهاز قارئ الباركود Lecteur de code-barres

1 شاشة عرض لاسلكية

2 حساب محمول

2 آلات لقيس التيار الكهربائى

1 صندوق قطع غيار هواتف جوالة

1 وحدة المعالجة المركزية (CPU)

كما أضيفت إلى الملف، تهم ذات طبيعة سياسية وأمنية أوسع، من بينها تهمة التخابر مع حركة حماس بحجة ارتفاع عدد الطلبة الفلسطنيين المنتمين لحماس في فترة حكمها. ويرى المرصد أن إدراج هذه التهمة، إذا لم تكن مدعومة بأدلة مادية مباشرة ومحددة، يندرج ضمن نمط خطير في توسيع القضايا السياسية وتحويلها إلى ملفات أمن دولة وإرهاب، بما يضاعف العقوبات المحتملة ويؤثر على ضمانات الدفاع.

خلفية القضية:

بدأت القضية الأصلية من شكاية تقدّمت بها سنة 2018 عائلة محمد البراهمي وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد (وطد) وحزب التيار الشعبي، ولم تُثرها الجهات القضائية تلقائيًا في بدايتها وقد التحقت هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي بمسار الملف من موقعها كهيئة قانونية ممثلة لعائلات الضحايا والقائمين بالحق الشخصي، ثم لعبت لاحقًا دورًا محوريًا في توسيع زاوية البحث وربط ملف “الجهاز السري” بمسار الاغتيالات السياسية. ويُعدّ هذا المعطى مهمًا، لأنه يطرح منذ البداية مسألة الطابع السياسي للملف، خاصة عندما يكون مصدر الشكاية طرفًا سياسيًا معاديًا أو خصمًا مباشرًا للجهة المتهمة.

وبعد 25 جويلية 2021، أُعيد إحياء الملف في سياق سياسي مغاير، تميّز بتفكيك جزء واسع من منظومة التوازنات الدستورية والقضائية، وبإعادة توظيف عدد من الملفات ضد معارضين سياسيين تحت عناوين أمنية وإرهابية.

ووفق المعطيات التي حصل عليها المرصد، فقد عرف الملف تنقّلًا متكررًا بين أكثر من جهة قضائية. إذ انطلقت القضية أساسًا أمام النيابة العسكرية، قبل أن تتخلى عنها لفائدة المحكمة الابتدائية بتونس، التي أحالتها بدورها على القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، ليُحال الملف لاحقًا على الوحدة الوطنية للأبحاث في جرائم الإرهاب للحرس الوطني بالعوينة.

ويعزز هذا المسار المتقلب المخاوف من حصول تلاعب بالاختصاص القضائي، أو من البحث عن مسار إجرائي أكثر ملاءمة لتوجهات الاتهام، بدل الاحتكام إلى قواعد الاختصاص الطبيعية وضمانات المحاكمة العادلة.

وتشير معطيات هيئة الدفاع إلى أن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أُدرج بصفة متهم في الملف سنة 2022، بعد ان حضر الأطوار الأولى للأبحاث بصفته شاهدا.

مسار الملف ونقله بين الجهات القضائية:

من أبرز الإشكالات التي يطرحها الملف أنه لم يبق في مسار قضائي واضح ومستقر، بل جرى نقله وإعادة توجيهه بين أكثر من جهة قضائية. فبعد أن كانت القضية في بدايتها مرتبطة بشكايات ذات طابع سياسي وإعلامي، أعيد فتحها وتوسيعها بعد سنة 2021، ثم جرى ربطها بملفات أخرى، قبل أن تأخذ صبغة إرهابية وأمنية أوسع.

ويثير هذا المسار مخاوف من أن نقل الملف لم يكن مجرد إجراء قضائي عادي، بل قد يكون جزءًا من إعادة بناء القضية بما يسمح بتشديد التكييف القانوني، وتوسيع دائرة المتهمين، وإضفاء طابع خطير على اتهامات لم تكن قائمة على أدلة مادية كافية.

كما أن إدراج تهم من قبيل التخابر مع حماس، إلى جانب الحديث عن “جهاز سري”، يطرح ضرورة التمييز بين الخطاب السياسي والدليل القضائي. فالاستعمال الواسع لمفاهيم من قبيل “الجهاز السري” و“التخابر” و“الأمن القومي” قد يتحول إلى أداة لتجريم الخصومة السياسية، إذا لم يكن قائمًا على وقائع محددة، ووثائق أصلية، واتصالات مثبتة، وتمويلات واضحة، وأفعال واضحة.

إشكالية مصطلح “الجهاز السري” واستعماله السياسي:

تلفت مرافعات الدفاع إلى أن مصطلح “الجهاز السري” نفسه ليس مصطلحًا قانونيًا دقيقًا، بل هو توصيف سياسي وإعلامي محمّل بدلالات أمنية ثقيلة. وقد ذهب بعض أعضاء الدفاع إلى ربط هذا المصطلح، من حيث الدلالة السياسية والدعائية، بإرث الأجهزة السرية القمعية وباستعمالات إقليمية سابقة استُخدمت ضد المعارضات السياسية، بما في ذلك توظيف تهم التخابر مع حماس أو جهات أجنبية لقمع الخصوم.

ولا يتبنى المرصد هذا التوصيف بوصفه حقيقة ثابتة، لكنه يعتبر أن استعمال مفردات ذات حمولة دعائية أو أمنية، دون ضبط قانوني دقيق، يهدد مبدأ الشرعية الجزائية. فالقضاء لا يحاكم الأشخاص بناءً على مصطلحات إعلامية أو عناوين سياسية، بل بناءً على أفعال محددة، وأركان قانونية واضحة، وأدلة قابلة للمناقشة.

الشهادات المعتمدة: روايات سجناء وشهود ذوي سوابق دون أدلة مادية كافية

من أخطر جوانب الملف، وفق ملف الأبحاث، اعتماده على شهادات أشخاص مسجونين أو ذوي سوابق أو متهمين في قضايا أخرى. ويطرح هذا الأمر إشكالًا حقوقيًا جوهريًا، لأن الشهادة الصادرة عن شخص في وضعية سجنية أو قضائية هشة لا تكون باطلة تلقائيًا، لكنها تحتاج إلى تدقيق مضاعف، خاصة عندما قد تكون للشاهد مصلحة في تحسين وضعيته أو تقديم رواية منسجمة مع توجهات السلطة أو الاتهام.

شهادة رياض بونوارة:

بحسب المعطيات، فإن الشاهد رياض بونوارة، وهو شخص له سوابق في قضايا مخدرات، اتهم عضو حركة النهضة كمال العيفي بأنه التقاه رفقة شخص ملتحٍ، وأنهما عبّرا عن انزعاجهما من شكري بلعيد وسمير بالطيب، بما يوحي، وفق روايته، بأنهما كانا يريدان منه الاعتداء عليهما بمقابل. كما قال إن كمال العيفي قدّم نفسه على أنه يتحدث باسم حركة النهضة.

غير أن هذه الشهادة تطرح، بحسب الدفاع، إشكالًا منطقيًا وقانونيًا واضحًا، بالنظر إلى أن الرواية تتحدث عن “جهاز سري” منظم، في حين تستند في أحد عناصرها إلى شهادة شخص ذي سوابق ومشاكل مخدرات نُسب إليه الحديث عن التحضير لاعتداء سياسي خطير. ولا يكفي هذا المعطى وحده لإسقاط الشهادة، لكنه يفرض على المحكمة التثبت من مدى معقوليتها، وطلب أدلة مساندة لها، بدل اعتمادها كقرينة قائمة بذاتها.

كمال العيفي والإقامة في فرنسا:

ومن النقاط المهمة التي يجب أن تُدرج بوضوح في الملف أن محاولة اتهام كمال العيفي بعلاقة بعملية مراقبة ورصد شكري بلعيد قرب منزله، وفق المعطيات المقدمة، تصطدم بسجلات السفر التي تثبت أنه كان مقيمًا في فرنسا، وأنه لم يدخل تونس في فترة الرصد ولا في فترة الاغتيال.

كما ورد أن الأوصاف التي قدمها ابن شقيق شكري بلعيد للشخص الذي قال إنه رآه قرب منزل بلعيد لا تنطبق على كمال العيفي. وإذا ثبت ذلك من وثائق رسمية وسجلات حدودية، فهو معطى جوهري لا يمكن تجاوزه، لأنه يمس صميم الإسناد الفردي للتهمة.

شهادات القيادات الأمنية:

تؤكد المعطيات أن الاتهامات تحدثت عن قدرة “الجهاز السري” على تجنيد قيادات أمنية واختراق مؤسسات الدولة. غير أن جميع القيادات الأمنية التي تم استجوابها، بحسب ما ورد في الابحاث، أنكرت وجود أي علاقة لها بحركة النهضة أو بالجهاز المزعوم، بل إن بعضها صرّح بمعاداته للحركة أو اختلافه السياسي معها.

وهذا المعطى بدوره يُضعف فرضية الاختراق الأمني المنظم، ما لم تقدم النيابة أدلة مادية مستقلة تثبت عكس ذلك، مثل مراسلات أو تحويلات أو أوامرأو لقاءات موثقة أو وثائق تنظيمية داخلية.

قضية فتحي دمق: ملف مستقل أُدرج لاحقًا لتدعيم رواية الاتهام

تُعد قضية فتحي دمق من أكثر النقاط حساسية في هذا الملف. فبحسب المعطيات المقدمة، فإن قضية دمق مستقلة تمامًا عن قضية “الجهاز السري”، وقد بدأت قبلها بسنوات، إذ كان فتحي دمق متهمًا منذ سنة 2012 بإعداد قائمة اغتيالات تستهدف عددًا من الشخصيات السياسية والإعلامية والاقتصادية، من بينها شخصيات يسارية، إضافة إلى القيادي بحركة النهضة رفيق عبد السلام وزوجته، وعدد من رجال الأعمال.

وتفيد المعطيات أن فتحي دمق عرض مشروع الاغتيالات على بعض أصدقاء ابنه، وهم كمال العيفي وبلحسن النقاش وعلي الفرشيشي، لكن هؤلاء أبلغوا السلطات بالمخطط وتعاونوا معها للإيقاع به، من خلال تسجيل لقاءات تثبت ادعاءاتهم. وقد تم إيقاف فتحي دمق سنة 2012 بناء على ذلك.

وتكتسي هذه النقطة أهمية مركزية، لأن بلحسن النقاش وعلي الفرشيشي، اللذين جرى لاحقًا تقديمهما في رواية الاتهام بوصفهما قريبين من “الجهاز السري” أو ضالعين في التخطيط لاستهداف شكري بلعيد، كانا قد تقدما في ديسمبر 2012 بشكاية ضد فتحي دمق، واتهموه بالتخطيط لاغتيال عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية والاقتصادية، من بينهم شكري بلعيد. وهذا التاريخ يسبق اغتيال شكري بلعيد بنحو شهرين.

كما ورد أن فتحي دمق، بعد إدراج قضيته ضمن ملف “الجهاز السري” في نهاية سنة 2022، قدّم رواية جديدة يتهم فيها كمال العيفي بأنه هو من كان يعد قائمة لاغتيال شخصيات سياسية، وعلى رأسها شكري بلعيد. غير أنه، بحسب المعطيات، لم يقدم دليلًا ماديًا على هذه الاتهامات، بل ادعى أن كاميرا المراقبة الموجودة في مكتبه، والتي كان يفترض أن توثق هذه الوقائع، قد تم محو ذاكرة التسجيل فيها. وعندما سُئل عن سبب عدم توجهه إلى السلطات سابقًا بهذه المعلومات الخطيرة، أجاب بأنه كان ينتظر توفير أدلة ثابتة.

كما تشير المعطيات إلى أن قاضي التحقيق أثبت وجود تضارب بين تصريحات فتحي دمق التي أدلى بها سنة 2013 في قضيته الأصلية وقضية شكري بلعيد، وبين تصريحاته اللاحقة بعد إدراج ملفه في قضية “الجهاز السري” سنة 2022. ومع ذلك، تم اعتماد أقواله في اتهام كمال العيفي ومن ورائه حركة النهضة في ملف بالغ الخطورة.

ويضاف إلى ذلك أن ابن فتحي دمق، محمد الصادق، أقرّ بأن والده خطط لاغتيال المحامي شكري بن لطيفة من سوسة، وأنهم تنقلوا إلى سوسة لمراقبته. في المقابل، اتهم فتحي دمق ابنه بأنه يسعى إلى الزج به في السجن. وهذه المعطيات تجعل شهادة دمق محل ريبة جدية، وتفرض على المحكمة التعامل معها بحذر شديد.

شهادة شفيق الجراية: رواية سجين ينهي شهادته بالاستعداد للمصالحة الجزائية

من الشهادات التي جرى الاعتماد عليها، شهادة رجل الأعمال شفيق الجراية، وهو سجين في قضايا أخرى. وتقوم شهادته على القول إن أشخاصًا من حركة النهضة كانوا يبتزونه بملفات ضده، وإنهم كانوا يعرفون كل شيء عنه لأنه يعتقد أنهم يراقبونه عبر جهاز سري تابع للحركة.

وتطرح هذه الشهادة إشكالًا واضحًا لأنها تبدو، وفق المعطيات المتوفرة، أقرب إلى اعتقاد أو استنتاج شخصي لا إلى شهادة قائمة على أدلة مادية مباشرة. كما أن ختمه الشهادة بإبداء الاستعداد لإجراء مصالحة جزائية مع الدولة يزيد من ضرورة فحص مصلحته الشخصية في الإدلاء بتلك الأقوال، خاصة إذا كانت شهادته ستُستعمل لإثبات وجود “جهاز سري” ضد خصم سياسي للسلطة.

شهادة عامر البلعزي: روايات خطيرة دون أدلة مثبتة

تتضمن المعطيات أيضًا شهادة عامر البلعزي، وهو، بحسب ما ورد، مسجون منذ سنة 2018 في قضية حق عام وقضية محمد البراهمي. وتقول شهادته إن راشد الغنوشي التقى بأبي عياض في مسجد ببن عروس لمدة ثلاث ساعات، وإنه رأى في منطقة قريبة من بيت الغنوشي مصطفى خضر، وبتعليمات من الغنوشي، يعطي شخصًا من أنصار الشريعة مبلغ 80 ألف دينار لتمويل السفر إلى سوريا، وأن هذه الأموال مصدرها قطر.

كما يدعي البلعزي، أنه علم بأن مصطفى خضر، عبر علاقته ببعض القيادات الأمنية، كان يسهل نقل المؤونة إلى أشخاص متمركزين في جبال الكاف.

هذه الروايات، إذا لم تكن مدعومة بأدلة مستقلة، تطرح مشكلة خطيرة. فهي تتضمن اتهامات بالغة الثقل، تشمل تمويل السفر إلى بؤر التوتر، وربط علاقة مع أنصار الشريعة، وتسهيل المؤونة لعناصر متمركزة في الجبال، وتوجيهات من قيادة سياسية. ولا يمكن قانونيًا بناء إدانة على مثل هذه الأقوال دون إثباتات مادية: تواريخ دقيقة، شهادات مستقلة، تسجيلات، تحويلات مالية، تتبع اتصالات، أو وثائق أمنية وقضائية داعمة.

ويضاف إلى ذلك ما يطرحه الدفاع من مفارقة منطقية تتعلق بصورة مصطفى خضر داخل رواية الاتهام. فالرواية تنسب إليه قدرة على إدارة علاقات أمنية وتسهيل وصول المؤونة إلى عناصر في الجبال، غير أنه تم إيقافه (في ديسمبر 2013) ومحاكمته وسجنه مدة ثماني سنوات بتهمة حصوله على وثائق بطريقة غير قانونية، دون أن تظهر مؤشرات جدية على تمتعه بحماية أمنية أو سياسية استثنائية. كما أن وجود حركة النهضة في الحكم سنة 2013، في حال صحة فرضية ارتباطه بجهاز تابع لها، لم يمنع ملاحقته قضائيًا وسجنه، وهو ما يعتبره الدفاع عنصرًا يضعف الاتساق الداخلي للرواية ويستوجب تقييمها بحذر شديد.

شهادة الشاهد السري “طارق 1” وشهادات أخرى من داخل السجن

ورد في المعطيات أيضًا أن شاهدًا سريًا يُشار إليه بـ“طارق 1”، وهو نزيل بالسجن المدني بالمرناقية، ادعى أن علي الفرشيشي تحدث أمام سجناء عن توليه، رفقة كمال العيفي وبلحسن النقاش، الاجتماع بنية تكوين جهاز أمني موازٍ لأجهزة الدولة.

وتثير هذه الشهادة إشكالين. الأول أنها صادرة عن شاهد سري وموجود في السجن، ما يفرض تمكين الدفاع من اختبار ظروف الإدلاء بها ومصلحة الشاهد ومصداقيته. والثاني أنها تتعلق بأقوال منسوبة داخل فضاء سجني، أي أنها تحتاج إلى تدعيم قوي حتى لا تتحول إلى مجرد رواية سماعية.

كما تشير المعطيات إلى شهادات أخرى من أشخاص محكومين أو مرتبطين بملفات الإرهاب، من بينهم أحمد المالكي ومحمد العوادي ومحمد العكاري. وقد ورد أن أحمد المالكي، المحكوم في قضية اغتيال محمد البراهمي والمنسوب إلى أنصار الشريعة، صرّح بأنه كان يتعاطف مع حركة النهضة في الثمانينات ثم كفّرها لاحقًا بسبب مشاركتها في الانتخابات، وأنه نفى وجود علاقة مادية بين أنصار الشريعة وحركة النهضة، لكنه أضاف، دون تقديم أدلة، أنه يعلم أن النهضة تمتلك جهازًا سريًا لأن الأحزاب الإسلامية، بحسب زعمه، تفعل ذلك.

كما ورد أن محمد العوادي، وهو مسجون ومحاكم في قضية اغتيال بلعيد والبراهمي، نفى أي معرفة بمصطفى خضر أو أي علاقة بقيادات حركة النهضة، رغم أن جزءًا من الاتهام المتعلق بملف البراهمي بُني على ورقة مكتوبة بخط اليد تفيد بأن “محمد العوادي يكون مرفوقًا بالحراسة”. كذلك ورد أن محمد العكاري، المقدم بوصفه مؤسس جهاز أمني تابع لأنصار الشريعة، نفى أي علاقة له بحركة النهضة أو بقياداتها.

هذه المعطيات، مجتمعة، تبرز تناقضات جوهرية داخل ملف القضية، وتفرض على المحكمة واجبًا مضاعفًا في مناقشة أدلة النفي، لا الاكتفاء بتجميع شهادات متفرقة لإنتاج سردية واحدة.

قمع لسان الدفاع داخل قاعة الجلسة

ومن أخطر المعطيات التي أُثيرت في الجلسة الأخيرة أن ما حدث لم يكن مجرد هضم لحقوق الدفاع، بل بلغ مستوى “قمع لسان الدفاع” داخل قاعة الجلسة. ويعتبر المرصد أن أي تضييق على المحامين، أو منعهم من بسط دفوعهم، أو مقاطعتهم أثناء عرض أوجه الخلل في الملف، يمثل انتهاكًا مباشرًا لحق الدفاع ولمبدأ المحاكمة العادلة.

ولا يمكن لمحكمة تنظر في ملف بهذه الخطورة، وبهذا الحجم من التهم والعقوبات المحتملة، أن تقيّد الدفاع أو تمنعه من مناقشة أصل الشكاية، ومصدر الشهادات، وتناقضات الشهود، ومسار نقل الملف، وطبيعة التهم المستجدة، ومنها تهمة التخابر مع حماس.

موقف مرصد الحرية لتونس:

يرى مرصد الحرية لتونس أن الملف يثير عدة مخاوف حقوقية كثيرة:

أولًا، هناك خطر واضح من تسييس المسار القضائي، بالنظر إلى أن الشكاية ذات منشأ سياسي، وأن الملف أُعيد إحياؤه بعد 2021، وأن اسم راشد الغنوشي أُدرج لاحقًا في سياق سياسي متوتر، مع توسيع التهم إلى الإرهاب وأمن الدولة والتخابر.

ثانيًا، هناك إشكال جوهري في الاعتماد على شهادات سجناء أو أشخاص ذوي سوابق أو متهمين في قضايا أخرى، من دون أدلة مادية مستقلة. فالشهادات الواردة ضد المتهمين تبدو، بحسب المعطيات، قائمة في جزء كبير منها على أقوال متأخرة، أو استنتاجات شخصية، أو روايات يصعب التثبت منها.

ثالثًا، هناك خلط بين ملفات قضائية مستقلة. فقضية فتحي دمق، بحسب المعطيات، بدأت سنة 2012 وكانت تتعلق بمخطط اغتيالات مستقل، بل إن بعض الأشخاص الذين جرى لاحقًا اتهامهم كانوا من المبلغين عنه. كما أن إدراج قضايا أخرى مثل مصطفى خضر و“التآمر 2” ضمن نفس مناخ الاتهامات قد يؤدي إلى تعويم الملف بدل تدقيقه.

رابعًا، هناك ضعف في الإسناد الفردي للتهم. فلا يكفي الحديث عن “جهاز سري” أو “اختراق للدولة” أو “تخابر” دون بيان الدور الشخصي لكل متهم، والفعل المحدد المنسوب إليه، والدليل الذي يربطه بذلك الفعل.

خامسًا، هناك مساس واضح بحق الدفاع، خاصة في ضوء ما ورد بشأن التضييق على المحامين داخل الجلسة، واعتماد المحاكمة عن بعد في مراحل من الملف، ورفض مطالب الإفراج، ونقل الملف بين جهات قضائية متعددة.

ويعتبر مرصد الحرية لتونس أن قضية “الجهاز السري”، بصيغتها الحالية، لا تبدو مجرد ملف قضائي عادي، بل ملفا سياسيا جرى تضخيمه وإعادة تركيبه عبر دمج قضايا مستقلة، واعتماد شهادات سجناء، وتوسيع التهم إلى الإرهاب وأمن الدولة والتخابر مع حماس.

ويؤكد المرصد أن البحث في حقيقة الاغتيالات السياسية واجب قضائي ووطني، لكن هذا الواجب لا يبرر صناعة محاكمات سياسية جديدة، ولا يسمح بتجاوز قرينة البراءة، ولا بإدانة أشخاص بناء على انتماءاتهم السياسية أو خصوماتهم الحزبية أو شهادات غير مدعومة بأدلة مادية.

 يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:

  • -نشر المعطيات القضائية الأساسية المتعلقة بقرار الإحالة والتكييفات القانونية الفردية، بما يسمح بفهم واضح للأفعال المنسوبة إلى كل متهم، بعيدًا عن العناوين العامة والاتهامات الفضفاضة.
  • -ضمان حق الدفاع كاملًا، وتمكين المحامين من بسط مرافعاتهم دون مقاطعة أو تضييق، واحترام مبدأ المساواة بين الاتهام والدفاع داخل الجلسة.
  • -مراجعة الاعتماد على شهادات السجناء أو الشهود ذوي السوابق أو الشهود السريين، وعدم بناء أحكام سالبة للحرية على أقوال غير مدعومة بأدلة مادية مستقلة وقابلة للمناقشة.
  • – الفصل بين الملفات المستقلة، وعدم استعمال قضية فتحي دمق أو مصطفى خضر أو “التآمر 2” لإسناد اتهامات عامة في ملف “الجهاز السري” دون روابط قانونية ووقائع ثابتة.
  • -فتح تحقيق مستقل في كل ادعاء يتعلق بالتضييق على المحامين أو قمع لسان الدفاع داخل قاعة الجلسة، لأن المساس بحق الدفاع يمسّ جوهر المحاكمة العادلة.

ويؤكد المرصد ضرورة وقف توظيف تهم الإرهاب وأمن الدولة والتخابر في الصراع السياسي، وضمان ألا تتحول العدالة إلى أداة لتجريم الخصومة السياسية أو إعادة إنتاج سرديات اتهام غير مبنية على أدلة مباشرة.

شارك

المزيد من المقالات

تأجيل محاكمة والي منوبة الأسبق أحمد السماوي في ملف إسناد رخص التاكسي الجماعي

02 جوان (يونيو) 2026 – قررت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس، يوم الإثنين 01 جوان 2026، تأجيل النظر في القضية المرفوعة ضد والي منوبة الأسبق أحمد السماوي وعدد من المتهمين الآخرين إلى جلسة لاحقة، استجابة لطلب هيئة الدفاع…

قضية الجهاز السري لحركة النهضة

أحكام قاسية تتجاوز منطق العقوبة إلى منطق التصفية السياسية في قضية “الجهاز السري”: أحكام بين 30 و96 سنة وسجن مدى الحياة

02 جوان (يونيو) 2026 – يدين مرصد الحرية لتونس بشدة الأحكام الابتدائية الصادرة عن الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ“الجهاز السري لحركة النهضة”، والتي تراوحت بين السجن مدى الحياة والسجن لمدة 10 سنوات، وشملت قيادات سياسية بارزة، وإطارات أمنية سابقة، وعددًا من المحالين في حالة فرار أو إيقاف أو سراح…

رفض الإفراج عن سعدية مصباح رغم أكثر من عامين من الإيقاف وتأجيل المحاكمة إلى 19 جوان

02 جوان (يونيو) 2026 – قررت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، اليوم الثلاثاء، رفض مطلب الإفراج عن رئيسة جمعية “منامتي” والناشطة الحقوقية سعدية مصباح، مع تأجيل النظر في القضية المرفوعة ضدها إلى جلسة 19 جوان (يونيو) 2026…

سهام بن سدرين

تأجيل جديد في قضيتي سهام بن سدرين وآخرين على خلفية أعمال هيئة الحقيقة والكرامة

02 جوان (يونيو) 2026 – قررت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس تأجيل النظر في قضيتين مرفوعتين ضد الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين وعدد من المتهمين الآخرين، إلى جلستين لاحقتين، وذلك بعد تقديم طلبات تأخير وإعلامات نيابة من قبل هيئة الدفاع…

نداء إلى العمل من أجل حقوق الإنسان في تونس

عريضة الموقع: الحرية لمعتقلي الرأي والنشطاء في تونس !

‎لم تعد تونس الاستثناء العربي الوحيد الذي أشعل فتيل الثورات في العالم سنة 2011 بثورة بطولية أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، الذي ظل مستمرا لمدة تناهز 23 سنة بعد استيلاءه على السلطة في 7 نوفمبر 1987 خلفا للحبيب بورقيبة.

في خطوة مماثلة وربما أكثر خطورة، أقدم الرئيس التونسي قيس سعيد ليلة 25 يوليو 2021 على القيام “بانقلاب دستوري” وفقا لتأويله الشخصي للفصل 80 من دستور الثورة 2014 مُعلنا اتخاذه مجموعة من الإجراءات الاستثنائية بسبب “خطر داهم” يهدد البلاد التونسية دون تقديم أي تفاصيل وأسباب الى حدّ كتابة هذه الأسطر.

وبموجب تلك الإجراءات قرر سعيّد عزل الحكومة ورئيسها “هشام المشيشي” الذي كان حاضرا في اجتماع مجلس الأمن القومي تلك الليلة بقصر قرطاج، وزعم أنه اتصل برئيس البرلمان راشد الغنوشي (زعيم حزب حركة النهضة) للتشاور معه وفق ما يمليه الدستور، الأمر الذي نفاه الغنوشي مؤكدا انه اتصال عادي لم يتضمن أي مشاورات أو حديث حول فحوى الإجراءات الاستثنائية، وقام الرئيس بتجميد أعمال البرلمان ثم حله في مارس/ آذار 2022.

ولم يكتف الرئيس سعيّد بتجاوز صلاحياته وفصول الدستور التي أقسم على الحفاظ عليه أمام مجلس نواب الشعب بل وقام بتغيير تركيبة المجلس الأعلى للقضاء واعتبره “وظيفة” وليس سلطة مستقلة بذاتها وقام أيضا بتغيير تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تحضيرا لمراحل انتخابية عقدها لفائدة تغيير دستور كتبه بنفسه وألغى آراء اللجان الاستشارية التي عينها بنفسه أيضا. ثم نظم انتخابات تشريعية على دورتين لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 8% من مجموع الناخيبن وتداركت هيئة الانتخابات الاحصائيات فيما بعد لتعلن أنها وصلت لـ11 %وهو الرقم الأدنى عالميا ومحليا.

بتاريخ 11 فبراير/شباط شن نظام الرئيس سعيد حملة اعتقالات لم تتوقف، شملت نشطاء سياسيين ورجال أعمال واعلاميين وصحفيين وقضاة وموظفين سامين في الدولة تحت عنوان “التآمر على أمن الدولة وارتكاب فعل موحش ضد رئيس الجمهورية” إضافة لتهم أخرى تم إحالتها على النيابة العسكرية ما يطرح أسئلة حول مدى تدخل الجيش التونسي في الإجراءات التي قام بها الرئيس سعيد.

وقد شابت عمليات الاعتقال التعسفي عدة خروقات وإخلالات إجرائية وسط تحذيرات من المنظمات والمراصد الدولية الناشطة بمجال حقوق الانسان ولم يتم احترام معايير التقاضي والإقامة السجنية وطالت الملاحقات في بعض الأحيان عائلات الضحايا وأسرهم ووظائفهم ولم يتم إثبات أي تهم أو وقائع منسوبة للمتهمين.

كما تتعرض النقابات والأحزاب السياسية لمضايقات مستمرة ولم يتوقف الرئيس سعيد عن اتهام كافة الأجسام الوسيطة بمختلف أنواعها “بالعمالة” أو “الخيانة” ولم تسلم المنظمات والجمعيات من الملاحقات والاعتقالات التعسفية والحرمان من التمثيل القانوني وسط ارتفاع وتيرة العنف في المجتمع بسبب تبني السلطات خطابات وشعارات عنصرية وتمييزية محرضة على الاقتتال وانتهاك الكرامة الإنسانية.

على ضوء كل ما تقدمنا به من أسباب نحن الموقعون أسفله نطالب:

أولا: بالدعوة لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين فوراً ودون قيد أو شرط كما نحثَ السلطات التونسية على احترام التزاماتها الدولية والمعاهدات الدولية لحقوق الانسان التي صادقت عليها.

ثانيا: ندعو من السلطات التونسية أن توقف نزيف نسف الديمقراطية الناشئة والمحاكمات الجائرة والملاحقات المستمرة ضد خصوم النظام السياسيين وكل من ينتقده بالرأي او الكلمة او التعبير.

ثالثا: ندعو كل النشطاء والمتابعين للانخراط في المسار الوطني والدولي لإعادة الديمقراطية وإنهاء الحكم الفردي الذي عاد بتونس لسنوات الاستبداد والظلم وانتهاك الحقوق والحريات.