04 أوت (أغسطس) 2026 – أيدت دائرة الاتهام المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي لدى محكمة الاستئناف بتونس قرار ختم البحث الصادر عن قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي، وقررت إحالة وزير الخارجية الأسبق والقيادي في حركة النهضة رفيق عبد السلام على الدائرة الجنائية المختصة لمحاكمته في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«الهبة الصينية».
وتتعلق التهم الموجهة إليه بتعمد موظف عمومي استغلال صفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره والإضرار بالإدارة، والتصرف دون وجه قانوني في أموال عمومية كانت تحت يده بمقتضى وظيفته.
وفي المقابل يتمسك رفيق عبد السلام بأن القضاء سبق أن فصل نهائيًا في القضية بموجب قرار تعقيبي بات صدر سنة 2018، معتبرًا أن إعادة تحريك الملف وإحالته مجددًا على المحاكمة تمثل خرقًا لحجية الحكم السابق وتوظيفًا للقضاء في ملاحقة المعارضين السياسيين.
خلفية القضية:
تعود القضية إلى سنة 2012، عندما قدمت الصين إلى تونس هبة مالية بقيمة مليون دولار للمساهمة في تنظيم أنشطة مرتبطة بالدورة الخامسة للمنتدى العربي الصيني، التي احتضنتها تونس خلال فترة تولي رفيق عبد السلام وزارة الشؤون الخارجية.
وأُودع مبلغ الهبة في حساب بنكي يحمل تسمية «خارجية خاصة» ومفتوح باسم وزارة الشؤون الخارجية، قبل تحويل ما يعادل نحو 1.617 مليون دينار إلى الخزينة العامة في 31 ديسمبر 2012 وإدراجه ضمن حساب مخصص لتنظيم التظاهرات الدولية.
وكانت دائرة المحاسبات قد اعتبرت أن إيداع الهبة في ذلك الحساب لم يحترم القواعد القانونية المنظمة لقبول الهبات الأجنبية والتصرف فيها، باعتبار أن المبلغ كان يتعين أن يمر عبر الحسابات العمومية المخصصة لأموال المشاركة والخزينة العامة.
وبذلك لا تتعلق القضية باختفاء كامل مبلغ الهبة أو عدم إرجاعه إلى الدولة، إذ وقع تحويله لاحقًا إلى الخزينة، وإنما بطريقة إيداعه والتصرف في الحساب خلال الفترة السابقة للتحويل، إلى جانب نفقات ومعاملات مالية أخرى نسبت إلى وزير الخارجية الأسبق.
الوقائع المنسوبة إلى رفيق عبد السلام:
تضمن قرار الإحالة اتهامات باستعمال صكوك مسحوبة من الحساب البنكي التابع لوزارة الخارجية لتغطية نفقات إقامة في نزل ومصاريف سفر واقتناء أغراض اعتبرها التحقيق غير مرتبطة بنشاط رسمي للوزارة.
كما شملت الأبحاث التعاقد مع مزودين ومسدي خدمات دون احترام الإجراءات المنظمة للشراء العمومي، ومن بينها تكليف الإعلامي مقداد الماجري بتغطية أنشطة وزارة الخارجية دون إجراء طلب عروض أو إبرام عقد مكتوب.
ونسبت التحقيقات إلى عدد من موظفي الوزارة سحب صكوك بأسمائهم ثم تسليم مبالغها إلى موظفين أو أشخاص آخرين، إلى جانب تمويل أسفار لأشخاص لا تربطهم علاقة وظيفية مباشرة بوزارة الخارجية.
وكان مقداد الماجري قد أكد حصوله على نحو 13 ألف دينار مقابل عمل إعلامي امتد قرابة خمسة أشهر وشمل التصوير والمونتاج والتنقل وتوفير المعدات، مع إقراره بعدم وجود عقد مكتوب ينظم المهمة.
وتظل هذه الوقائع اتهامات واردة في قرار الإحالة، ولا تمثل حكمًا بإدانة رفيق عبد السلام، الذي يحتفظ بقرينة البراءة إلى حين الفصل في القضية بحكم قضائي بات.
موقف رفيق عبد السلام:
اعتبر رفيق عبد السلام أن القضية حُسمت نهائيًا منذ سنة 2018 بموجب قرار تعقيبي بات أبطل التهم والإجراءات المتخذة ضده في ملف «الهبة الصينية».
واتهم السلطات الحالية بإعادة فتح قضية سبق للقضاء الفصل فيها، معتبرًا أن إحالتها مجددًا على دائرة الاتهام ثم الدائرة الجنائية تمثل تجاوزًا لمبدأ اتصال القضاء واستعمالًا للمنظومة القضائية في تصفية الحسابات السياسية.
كما أكد أن الحساب الذي أودعت فيه الهبة لم يكن حسابًا شخصيًا، وإنما حساب تابعًا لوزارة الخارجية، وأن كامل مبلغ الهبة حُوّل إلى الخزينة العامة ولم يثبت حصوله على منفعة شخصية منه.
إشكالية الحكم التعقيبي السابق:
يؤكد رفيق عبد السلام أن قرارًا تعقيبيًا باتًا صدر سنة 2018 وأنهى القضية وأبطل التتبعات المتعلقة بها. وبناءً على ذلك، يعتبر أن إحالته مجددًا على المحاكمة تمس حجية الأحكام القضائية النهائية ومبدأ عدم محاكمة الشخص مرتين من أجل الوقائع نفسها.
ويقتضي استمرار القضية أن توضح المحكمة ما إذا كانت الإحالة الجديدة تتعلق بالوقائع نفسها التي شملها القرار التعقيبي، أم بأفعال أخرى لم يسبق للقضاء الفصل فيها. ويُعد هذا التوضيح ضروريًا لضمان الأمن القانوني وحقوق الدفاع.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعرب مرصد الحرية لتونس عن انشغاله من إحالة رفيق عبد السلام على الدائرة الجنائية في قضية تعود وقائعها إلى سنة 2012، رغم صدور قرار تعقيبي بات سبق أن حسم الملف منذ سنة 2018.
ويؤكد المرصد أن مكافحة الفساد وحماية المال العام واجبان أساسيان، لكنهما لا يبرران تجاوز الأحكام القضائية النهائية أو إعادة محاكمة الأشخاص عن الوقائع نفسها. فاحترام حجية الأحكام ومبدأ الأمن القانوني يمثلان من الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة واستقلال القضاء.
ويرى المرصد أن إعادة فتح ملف بعد سنوات من صدور قرار تعقيبي، من دون بيان واضح لنطاق الحكم السابق وعلاقته بالتهم الحالية، تثير مخاوف جدية من استعمال الإجراءات القضائية لاستنزاف المعارضين السياسيين ومراكمة الملفات ضدهم.
كما يشدد المرصد على ضرورة عدم تقديم القضية للرأي العام باعتبارها واقعة استيلاء على كامل الهبة الصينية، في حين أن مبلغ الهبة حُوّل إلى الخزينة العامة، وأن جوهر الاتهام يتعلق بطريقة إيداع الأموال والتصرف في بعض النفقات المرتبطة بالحساب.
ويؤكد المرصد أن المخالفات الإدارية أو المحاسبية متى ثبتت، لا تتحول آليًا إلى جرائم فساد أو استيلاء على المال العام، بل يجب إثبات القصد الجزائي والمنفعة الشخصية والضرر المادي والمسؤولية الفردية عن كل عملية. ويحذر المرصد من توظيف قضايا الفساد المالي لتشويه المعارضين وإلصاق تهم الاستيلاء على المال العام.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- إيقاف التتبعات الجارية ضد رفيق عبد السلام وإسقاط الإحالة الجديدة، متى ثبت أن القرار التعقيبي البات سبق أن فصل في الوقائع والتهم نفسها.
- احترام حجية الأحكام القضائية النهائية وعدم إعادة محاكمة أي شخص عن الوقائع نفسها.
- تمكين هيئة الدفاع من إثارة الدفع بسبق الفصل في القضية، ومناقشته والبت فيه بصورة جدية قبل الانتقال إلى النظر في أصل الاتهامات.
- الفصل بين المخالفات الإدارية والمحاسبية وبين الجرائم الجزائية التي تستوجب إثبات القصد الإجرامي والمنفعة الشخصية والضرر المادي والمسؤولية الفردية.
- وقف توظيف قضايا الفساد والمال العام في استهداف المعارضين السياسيين أو استنزافهم قضائيًا وتشويههم في الفضاء العام.
- احترام قرينة البراءة وعدم تقديم الاتهامات الواردة في قرار الإحالة باعتبارها وقائع ثابتة قبل صدور حكم قضائي بات.




