30 سبتمبر (أيلول) 2026 – أصدرت الدائرة الجزائية بمحكمة التعقيب قرارين بـ«الرفض أصلًا» في طعنين تقدمت بهما هيئة الدفاع عن رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، ويتعلق الأول بالحكم الاستئنافي القاضي بسجنها 10 أعوام في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«مكتب الضبط»، والثاني بحكم استئنافي بالسجن عامين في قضية رفعتها ضدها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات. وبذلك يبقى الحكمان الاستئنافيان قائمين بعد رفض الطعنين أمام أعلى درجة من درجات القضاء العادي.
وتقبع عبير موسي بالسجن منذ 3 أكتوبر 2023، تاريخ إيقافها أثناء توجهها إلى مكتب الضبط برئاسة الجمهورية لتقديم طعون في أوامر رئاسية مرتبطة بالمسار الانتخابي، قبل أن تتفرع ضدها لاحقًا عدة قضايا وأحكام سجنية.
قضية «مكتب الضبط»: من 12 إلى 10 سنوات ثم رفض التعقيب
تعود القضية الأولى إلى واقعة 3 أكتوبر 2023، عندما توجهت موسي إلى مقر رئاسة الجمهورية لإيداع وثائق وطعون لدى مكتب الضبط.
وفي ديسمبر 2025، قضت المحكمة الابتدائية بتونس بسجنها 12 عامًا. ثم قررت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف، يوم 13 مارس 2026، إقرار الإدانة مع تخفيض العقوبة إلى 10 أعوام.
وتوزعت العقوبة الاستئنافية على تسعة أعوام من أجل تهم تتعلق بـ«الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة وحمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضًا بالسلاح وإثارة الهرج بالتراب التونسي»، إضافة إلى ستة أشهر من أجل معالجة معطيات شخصية دون إذن صاحبها وستة أشهر أخرى من أجل تعطيل حرية العمل.
وبرفض محكمة التعقيب اليوم الطعن «أصلًا» بقي الحكم الاستئنافي بالسجن عشرة أعوام قائمًا.
رفض التعقيب أيضًا في حكم العامين في قضية هيئة الانتخابات:
أما الطعن الثاني فيتعلق بإحدى القضايا التي رفعتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات ضد عبير موسي على خلفية تصريحات ومضامين إعلامية.
وكانت المحكمة الابتدائية بتونس قد قضت في 12 جوان 2025 بسجنها عامين استنادًا إلى الفصل 24 من المرسوم عدد 54، من أجل تهم تتعلق باستعمال شبكات وأنظمة المعلومات والاتصال لإنتاج وترويج أخبار اعتُبرت كاذبة بهدف الإضرار بالأمن العام ونسبة أمور غير حقيقية بقصد التشهير والإضرار بالغير وقد أقرت محكمة الاستئناف حكم العامين في 30 ديسمبر 2025.
وقررت محكمة التعقيب رفض الطعن المقدم ضد هذا الحكم أيضًا «أصلًا»، بما يبقي عقوبة العامين قائمة.
قضية ثالثة لهيئة الانتخابات وحكم بستة أشهر:
وتواجه عبير موسي قضية أخرى منفصلة رفعتها هيئة الانتخابات، كانت قد صدر فيها حكم ابتدائي بعامين ثم خُفض استئنافيًا إلى 16 شهرًا، قبل أن تنقض محكمة التعقيب الحكم وتعاد القضية إلى محكمة الاستئناف بهيئة مغايرة.
وفي 18 فيفري 2026، أقرت محكمة الاستئناف الإدانة مجددًا مع النزول بالعقوبة من 16 شهرًا إلى ستة أشهر سجنًا.
وكان دفاع موسي قد أعلن خلال الصيف تقديم طعن بالتعقيب في هذا الحكم أيضًا، إلا أن القرارين الصادرين اليوم يتعلقان بحكم العشرة أعوام في قضية مكتب الضبط وحكم العامين في إحدى قضايا هيئة الانتخابات.
الدفاع اعترض قبل الجلسة على موعد النظر في الطعون:
وتكتسب جلسة اليوم أهمية إضافية بسبب اعتراض إجرائي سبق أن أثارته هيئة الدفاع قبل انعقادها.
فقد أعلن محامو عبير موسي أنهم تسلموا نسخ الأحكام المطعون فيها يوم 3 سبتمبر 2026، وأن تحديد جلسة التعقيب ليوم 29 سبتمبر يأتي قبل انتهاء أجل الثلاثين يومًا المخصص لإيداع مستندات التعقيب، معتبرين أن الأجل لا ينتهي إلا يوم 2 أكتوبر. وطالبوا بعدم النظر في الطعنين قبل انتهاء تلك المدة.
وينص الفصل 263 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية على أن محامي الطاعن، باستثناء النيابة العمومية، يقدم إلى كتابة محكمة التعقيب خلال أجل أقصاه ثلاثون يومًا من تاريخ تسلمه نسخة الحكم المطعون فيه مذكرة بأسباب الطعن ونسخة من محضر إبلاغها إلى المعقب ضدهم.
ويجعل صدور القرارين اليوم مسألة احترام هذا الأجل والرد على الدفع الذي أثاره الدفاع عنصرًا مهمًا عند الاطلاع على تعليل قراري محكمة التعقيب.
موسي موقوفة منذ قرابة ثلاثة أعوام:
تأتي القرارات الجديدة قبل أيام من استكمال عبير موسي ثلاثة أعوام في السجن منذ إيقافها في 3 أكتوبر 2023، وفي وقت أعلن فيه دفاعها دخولها في إضراب عن الطعام منذ 23 سبتمبر احتجاجًا على الاخلالات الاجرائية وانتهاك حقوقها.
كما يستعد الحزب الدستوري الحر لعقد مؤتمره يومي 3 و4 أكتوبر، وقد أعلن أن موسي هي المترشحة الوحيدة لرئاسة الحزب وقُبل ملف ترشحها رغم استمرار وجودها بالسجن.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعرب مرصد الحرية لتونس عن بالغ قلقه من رفض طعون عبير موسي والإبقاء على عقوبات سجنية ثقيلة في قضايا ترتبط في أصلها بممارسة سياسية ومعارضة للسلطة وتصريحات ومضامين إعلامية، ويطالب بضمان أن تكون جميع الأحكام الصادرة ضدها قائمة على أفعال جزائية محددة وأدلة تتناسب مع خطورة العقوبات المحكوم بها.
ويرى المرصد أن الحكم بعشرة أعوام في قضية بدأت بمحاولة إيداع طعون ووثائق لدى مكتب ضبط رئاسة الجمهورية، وما صاحب ذلك لاحقًا من تكييفات جنائية شديدة الخطورة من بينها الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة وحمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضًا بالسلاح، يستوجب تعليلًا قضائيًا بالغ الدقة يبين الأفعال المادية التي قامت عليها كل تهمة ومدى تناسب العقوبة معها.
كما يجدد المرصد رفضه استخدام المرسوم عدد 54 في ملاحقة السياسيين والمعارضين بسبب تصريحاتهم ومواقفهم العامة، ويعتبر أن حماية الموظفين العموميين والمؤسسات من الادعاءات الكاذبة لا ينبغي أن تؤدي إلى فرض عقوبات سالبة للحرية على الخطاب السياسي بصورة تقيد النقد والمعارضة.
ويعرب المرصد عن استنكاره للتجاوزات الاجرائية بخصوص ما أثارته هيئة الدفاع بشأن تحديد جلسة التعقيب قبل انتهاء أجل الثلاثين يومًا المنصوص عليه بالفصل 263 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية، ويعتبر أن خطورة الأحكام ومدة العقوبات تفرضان إتاحة كامل الآجال القانونية للدفاع، مع بيان موقف المحكمة من هذا الدفع بصورة واضحة في تعليل قراراتها.
ويؤكد المرصد أن محاكمة شخصية سياسية معارضة بعقوبات تصل إلى عشر سنوات تستوجب أعلى درجات الاستقلال والشفافية وضمان حقوق الدفاع، خصوصًا في ظل مناخ سياسي تشهد فيه تونس تعدد التتبعات والأحكام ضد قيادات وأصوات معارضة.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -الإفراج عن عبير موسي وإنهاء استمرار سلب حريتها على خلفية القضايا المرتبطة بنشاطها السياسي وتصريحاتها، مع ضمان حقها في استعمال جميع طرق المراجعة القضائية المتاحة قانونًا.
- -نشر التعليل الكامل لقراري محكمة التعقيب وبيان كيفية معالجة الدفع الذي أثارته هيئة الدفاع بشأن أجل الثلاثين يومًا المقرر بالفصل 263 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية.
- -ضمان حق الدفاع في كامل الآجال والإجراءات المقررة قانونًا وعدم الانتقاص منها في القضايا التي تترتب عنها عقوبات سجنية ثقيلة.
- -مراجعة استعمال التكييفات الجنائية الأشد خطورة في قضية «مكتب الضبط» والتثبت من قيام كل تهمة على فعل مادي محدد وأدلة مستقلة ومتناسبة معها.
- -وقف توظيف المرسوم عدد 54 في ملاحقة المعارضين والسياسيين بسبب التعبير والنقد السياسي، وضمان ألا تتحول حماية المؤسسات والموظفين العموميين إلى قيد على حرية النقاش العام.
- -احترام استقلال القضاء وعدم توظيف القضايا إعلاميًا أو سياسيًا بما يمس قرينة البراءة أو يضغط على المحاكم والمتقاضين.




