04 جوان (يونيو) 2026 – تولت الوحدات الأمنية، يوم الأربعاء 04 جوان 2026، تنفيذ بطاقة إيداع بالسجن في حق المحامي والعضو السابق بهيئة الحقيقة والكرامة خالد الكريشي، وذلك على خلفية قضية تتعلق بملف التحكيم والمصالحة الذي أبرمته الهيئة مع رجل الأعمال سليم شيبوب في إطار مسار العدالة الانتقالية.
وجاء تنفيذ بطاقة الإيداع بعد أن كانت دائرة الاتهام المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بمحكمة الاستئناف بتونس قد قررت نقض قرار سابق صادر عن قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي أبقى الكريشي بحالة سراح، وذلك إثر استئناف تقدمت به النيابة العمومية.
عرض الوقائع:
تتمحور القضية حول اتفاق تحكيم ومصالحة أبرمته هيئة الحقيقة والكرامة مع رجل الأعمال سليم شيبوب، أحد أصهار الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، عندما كان خالد الكريشي يشغل خطة رئيس لجنة التحكيم والمصالحة داخل الهيئة.
وبحسب المعطيات القضائية، فإن التتبعات الموجهة للكريشي تتعلق بشبهات مرتبطة بإجراءات المصالحة والتحكيم التي أُنجزت في إطار هذا الملف، وتشمل اتهامات من قبيل استغلال الصفة الوظيفية لتحقيق منفعة للغير، والإضرار بالإدارة، ومخالفة التراتيب القانونية، إلى جانب تهم تتعلق بالتدليس ومسك واستعمال مدلس.
وكان قاضي التحقيق قد قرر في مرحلة أولى إبقاء الكريشي بحالة سراح، قبل أن تستأنف النيابة العمومية القرار، لتصدر دائرة الاتهام بطاقة إيداع بالسجن في حقه، تم تنفيذها يوم الأربعاء.
ويأتي هذا التطور في سياق قضائي أوسع يشمل عددًا من المسؤولين السابقين بهيئة الحقيقة والكرامة، ويتصل بملفات التحكيم والمصالحة التي أشرفت عليها الهيئة خلال فترة عملها.
خلفية القضية:
يُعد خالد الكريشي من أبرز أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة، وقد تولى رئاسة لجنة التحكيم والمصالحة المكلفة بمعالجة ملفات الفساد المالي والاقتصادي عبر آليات الصلح واسترجاع الأموال لفائدة الدولة.
وقد أثار اتفاق المصالحة مع سليم شيبوب جدلًا واسعًا منذ الإعلان عنه سنة 2016، حيث اعتبره مؤيدوه تطبيقًا للآليات التي نص عليها قانون العدالة الانتقالية، في حين انتقده معارضوه واعتبروا أن شروطه لا تحقق المصلحة الفضلى للدولة.
ومن بين النقاط التي أثيرت آنذاك الجدل المتعلق بقيمة المبالغ موضوع الصلح، إذ اعتبر منتقدو الاتفاق أن الدولة كانت تطالب بمبالغ تفوق المليار دينار، قبل أن ينتهي مسار التفاوض إلى اتفاق تضمن استرجاع نحو 307 ملايين دينار، إضافة إلى ترتيبات أخرى شملت الأملاك المصادرة، وهو ما ظل محل خلاف قانوني وسياسي متواصل.
كما أثيرت خلال السنوات الماضية مسائل أخرى تتعلق بتضارب المصالح داخل لجنة التحكيم والمصالحة، وبكيفية إدارة بعض ملفات رجال الأعمال المشمولين بمسار العدالة الانتقالية، وهي ملفات استندت إليها شكايات وتحقيقات لاحقة.
ولا تقتصر التتبعات القضائية الحالية على ملف سليم شيبوب فحسب، إذ شملت الأبحاث أيضًا ملفات أخرى مرتبطة بأعمال هيئة الحقيقة والكرامة، من بينها الملف المتعلق بالبنك الفرنسي التونسي ورجل الأعمال عبد المجيد بودن، والذي شمل مسؤولين سابقين بالهيئة من بينهم سهام بن سدرين ومبروك كورشيد وآخرون.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يسجل مرصد الحرية لتونس أن قضية خالد الكريشي تتجاوز شخص المتهم لتلامس أحد أكثر ملفات العدالة الانتقالية حساسية وتعقيدًا في تونس، وهو ملف التحكيم والمصالحة مع رجال الأعمال والمسؤولين المرتبطين بمنظومة الحكم السابقة.
ويرى المرصد أن مكافحة الفساد ومساءلة كل من يشتبه في ارتكابه تجاوزات تبقى ضرورة قانونية ومجتمعية، غير أن ذلك يجب أن يتم في إطار احترام كامل لضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع وقرينة البراءة.
كما يؤكد المرصد أن غياب نشر الحيثيات القضائية التفصيلية للقرارات الصادرة في مثل هذه الملفات الحساسة يجعل من الصعب تقييم مدى سلامة الأفعال المنسوبة للمتهمين وحدود مسؤوليتهم الفردية.
ويحذر المرصد من أن تتحول الملاحقات القضائية المرتبطة بأعمال هيئة الحقيقة والكرامة إلى مراجعة شاملة لمسار العدالة الانتقالية بأثر رجعي، بما قد يبعث رسائل سلبية لكل من يشارك مستقبلاً في آليات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر.
كما يعتبر المرصد أن أي تقييم لأعمال هيئة الحقيقة والكرامة يجب أن يميز بين الأخطاء أو التجاوزات الفردية المحتملة، إن ثبتت قضائيًا، وبين المسار العام للعدالة الانتقالية الذي أُقر بقانون وصادقت عليه مؤسسات الدولة.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- – احترام المعايير الدولية للمحاكمة العادلة في القضايا المرتبطة بالعدالة الانتقالية والفساد المالي.
- – التمييز بين المسؤوليات الجزائية الفردية وبين تقييم أعمال ومخرجات مؤسسات العدالة الانتقالية.
- – ضمان عدم توظيف القضاء في تصفية الحسابات السياسية أو إعادة تقويض مسار العدالة الانتقالية خارج الأطر القانونية السليمة.
- – ضمان احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع خلال جميع مراحل التقاضي.




