17 جوان (يونيو) 2026 -أفرجت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس عن وزير الثقافة الأسبق والرئيس السابق للنيابة الخصوصية لبلدية قرطاج عزّ الدين باش شاوش، وذلك في القضية المتعلقة بشبهات استغلال الصفة الوظيفية والإضرار بالإدارة على خلفية التفويت في عقار بلدي بقرطاج.
وتشمل القضية عددًا من المتهمين الآخرين، من بينهم الصحفي زياد الهاني ومحمد علي الحمامي وعبد اللطيف الوزيري، في ملف يرتبط بعملية تفويت في عقار بلدي خلال فترة إشراف النيابة الخصوصية على تسيير شؤون بلدية قرطاج.
ووفق المعطيات القضائية، تتعلق التهم المنسوبة إلى المتهمين بشبهة تعمد موظف عمومي أو شبهه استغلال صفته لاستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره والإضرار بالإدارة والمشاركة في ذلك، وهي أفعال تندرج ضمن الجرائم المنصوص عليها بالفصل 96 من المجلة الجزائية.
وتستند الأبحاث إلى شكاية تقدمت بها جمعية تُعنى بحماية التراث الأثري والثقافي بمدينة قرطاج، اعتبرت أن عملية التفويت في قطعة أرض بلدية تمت بثمن لا يتناسب مع القيمة الحقيقية للعقار ودون الاستئناس بأهل الخبرة التابعين لمصالح أملاك الدولة، بما ألحق – وفق رواية الاتهام – ضررًا ماليًا بالبلدية.
خلفية القضية:
يُعدّ عزّ الدين باش شاوش من أبرز المؤرخين وعلماء الآثار في تونس، وهو مختص في تاريخ إفريقيا الرومانية وشغل مناصب أكاديمية وثقافية بارزة، من بينها وزارة الثقافة سنة 2011، كما تولى رئاسة النيابة الخصوصية لبلدية قرطاج بين سنتي 2011 و2016.
ويعود الملف إلى سنة 1967، عندما نفذت الدولة مشروعًا لإجلاء عدد من متساكني منطقة المعلقة بقرطاج ونقلهم إلى حي محمد علي. وفي إطار ذلك المشروع تم الاتفاق مع إحدى العائلات على تعويضها بعقار تابع لبلدية قرطاج مقابل أملاك آلت إلى البلدية، غير أن إجراءات التسوية النهائية بقيت معلقة لعقود.
وفي سنة 2008 أعاد المجلس البلدي لقرطاج فتح الملف وصادق على مبدأ التسوية والمعاوضة، قبل استكمال الأبحاث الإدارية والفنية المتعلقة بتقييم العقار ومراسلة الجهات المختصة واللجوء إلى المعهد الوطني للإحصاء لتحيين قيمته المالية. كما تشير المعطيات المتداولة إلى أن سلطة الإشراف صادقت على التسوية سنة 2011 قبل استكمال بقية الإجراءات الإدارية المتعلقة بالملف.
وانطلقت التتبعات القضائية الحالية إثر شكاية قُدمت سنة 2022 من قبل جمعية محلية تُعنى بحماية التراث بقرطاج، اعتبرت أن عملية التفويت تمت بثمن أقل من القيمة الحقيقية للعقار.
ظروف الإيقاف والوضع الصحي:
كان قرار إيداع عزّ الدين باش شاوش السجن قد أثار موجة واسعة من الاستياء داخل الأوساط الأكاديمية والثقافية والحقوقية، بالنظر إلى سنه المتقدمة ووضعه الصحي الحرج.
وبحسب المعطيات التي قدمتها عائلته وهيئة الدفاع، فقد تم تنفيذ بطاقة الإيداع في ساعة متأخرة من الليل، حيث نُقل من منزله وهو في وضع صحي متدهور، ويعاني من مشاكل صحية خطيرة تحد من قدرته على الحركة.
كما أفادت العائلة بأنه يعتمد على قارورة أوكسجين للمساعدة على التنفس، وأنه في حالة اعتماد شبه كامل على الرعاية اليومية والمرافقة المستمرة، بما في ذلك قضاء احتياجاته الأساسية.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يرحب مرصد الحرية لتونس بقرار الإفراج عن عزّ الدين باش شاوش، لكنه يعتبر أن الإفراج لا يمحو الإشكالات الحقوقية التي أثارها أصلًا قرار إيداعه السجن والطريقة التي تم بها تنفيذ ذلك الإجراء.
ويرى المرصد أن إيداع رجل يبلغ من العمر 88 عامًا السجن، وهو في وضع صحي حرج ويحتاج إلى الرعاية اليومية والمرافقة المستمرة، يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ التناسب، خاصة في غياب ما يفيد بأنه يمثل خطرًا على الأمن العام أو أن هناك خشية حقيقية من فراره أو تعطيله لسير العدالة.
كما يعبر المرصد عن بالغ انشغاله إزاء المعطيات التي تحدثت عنها العائلة وهيئة الدفاع بشأن ظروف تنفيذ الإيقاف وحرمانه من بعض متطلبات الرعاية الضرورية، لما قد يشكله ذلك من معاملة تمس بالكرامة الإنسانية ومن إخلال بواجب حماية الأشخاص ذوي هشاشة صحية.
ويؤكد المرصد أن عزّ الدين باش شاوش لا يمثل مجرد مسؤول سابق محل تتبع قضائي، بل يعد أحد أبرز علماء الآثار والمؤرخين التونسيين الذين ساهموا لعقود في التعريف بالتراث التونسي وإشعاعه دوليًا. ويرى أن الصور المتداولة والمعطيات المتعلقة بظروف إيقافه ألحقت ضررًا بصورة تونس لدى جزء من النخب الأكاديمية والثقافية، وأعطت انطباعًا مقلقًا حول طريقة تعامل السلطات مع كبار السن والمرضى.
كما يسجل المرصد أن هذه القضية تشمل أيضًا الصحفي زياد الهاني، الذي يواجه منذ سنوات سلسلة من التتبعات القضائية والإيقافات المتتالية على خلفية نشاطه الإعلامي ومواقفه الناقدة للسلطة. وفي هذا السياق، يرى المرصد أن من حق الرأي العام التساؤل حول ما إذا كانت بعض الملفات ذات الصبغة الإدارية أو المالية تُستعمل لإضفاء طابع جنائي ثقيل على شخصيات معروفة، بما يؤثر مسبقًا على صورتها لدى الرأي العام قبل صدور أحكام قضائية نهائية.
ويشدد المرصد على أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للتفريط في الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة أو في احترام الكرامة الإنسانية، وأن قوة العدالة تقاس بقدرتها على احترام الحقوق حتى في مواجهة الأشخاص محل الاتهام.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -فتح تحقيق مستقل في ظروف إيقاف وإيداع عزّ الدين باش شاوش ومدى احترام حقوقه الصحية والإنسانية أثناء تنفيذ القرار.
- -ضمان عدم اللجوء إلى الإيقاف السجني في حق الأشخاص كبار السن وذوي الأوضاع الصحية الحرجة إلا في حالات الضرورة القصوى وبعد استنفاد البدائل القانونية الممكنة.
- -تمكين جميع المتهمين في القضية من كامل حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة واحترام قرينة البراءة.
- -احترام الحق في الصحة والكرامة الإنسانية لجميع الأشخاص المحرومين من حريتهم، دون تمييز بسبب السن أو الوضع الصحي.




