08 ماي (مايو) 2026 – قضت الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بتونس بالسجن لمدة سنة في حق الصحفي والإعلامي زياد الهاني، وذلك في القضية المرفوعة ضده بموجب الفصل 86 من مجلة الاتصالات، على خلفية تدوينة ومواقف إعلامية تناولت معطيات قضائية وقضايا مرتبطة بحرية الصحافة.
وكانت النيابة العمومية قد أذنت سابقًا بإصدار بطاقة إيداع بالسجن في حق زياد الهاني مع إحالته على أنظار المجلس الجناحي، قبل أن تقرر المحكمة إثر جلسة 30 أفريل 2026 حجز الملف للمفاوضة والتصريح بالحكم اليوم.
عرض الوقائع:
تتعلق القضية بتتبعات جزائية استندت إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات، على خلفية تدوينة (مقال) نشرها زياد الهاني على موقع “فايسبوك”، إلى جانب تصريحات ومداخلة تناولت قضايا حرية الصحافة، من بينها ملف الصحفي خليفة القاسمي.
وبحسب المعطيات القضائية، فإن التدوينة جاءت في سياق دفاع الهاني عن زميله الصحفي خليفة القاسمي، الذي كان قد تعرّض بدوره إلى تتبعات بموجب قانون مكافحة الإرهاب على خلفية نشر مادة صحفية تتعلق بتفكيك خلية إرهابية، قبل أن تنتهي القضية لاحقًا بإلغاء الأحكام الصادرة في حقه وعدم وجود وجه للمتابعة.
وكانت تلك القضية قد استمرت قرابة عامين، وقضى خلالها خليفة القاسمي عدة أشهر بالسجن، ما جعل تصريحات زياد الهاني جزءًا من نقاش أوسع حول حرية الصحافة وحدود التتبعات الجزائية ضد الصحفيين.
وقد مثل زياد الهاني أمام المحكمة بحالة إيقاف، في سياق أثار جدلًا واسعًا داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية بالنظر إلى ارتباط الوقائع بمضامين تعبيرية وآراء منشورة في إطار النقاش العام حول القضاء وحرية الصحافة.
خلفية القضية:
لا يأتي هذا الحكم بمعزل عن مسار سابق عايشه زياد الهاني بموجب الفصل 86 نفسه، حيث سبق إيقافه وسجنه بسبب تصريحات وآراء إعلامية، قبل الإفراج عنه لاحقًا، وهو ما يعكس تكرار اللجوء إلى نفس النص القانوني في ملاحقة الصحفيين وأصحاب الرأي.
ويثير هذا التواتر مخاوف جدية من تحوّل الفصل 86 من مجلة الإتصالات، الموروث من فترة ما قبل الثورة (زمن نظام زين العابدين بن علي)، إلى أداة زجرية متكررة لإعادة تتبع الصحفيين بسبب أعمال مرتبطة بالتعبير والنشر، خاصة في القضايا التي تمس الشأن العام أو أداء مؤسسات الدولة.
كما يتزامن هذا الحكم مع انتقادات متصاعدة لتوسّع استعمال نصوص زجرية أخرى، على غرار المرسوم عدد 54، في ملاحقة الصحفيين والنشطاء وأصحاب الرأي، وسط تحذيرات حقوقية من تراجع مناخ حرية الصحافة في تونس.
ويكتسي هذا الملف خطورة إضافية بالنظر إلى أن التتبع لا يرتبط بأفعال مادية عنيفة أو جرائم تقليدية، بل بمحتوى تعبيري صادر في إطار العمل الصحفي والنقاش العام، بما يوسّع دائرة التجريم لتشمل الفضاء الإعلامي والرقمي وحتى النقاشات ذات الطابع العلمي والحقوقي.
وكان زياد الهاني قد أعلن دخوله في إضراب عن الطعام بتاريخ 27 أفريل 2026، مطالبًا بتطبيق المرسومين 115 و116 المنظمين لقطاع الصحافة والاتصال السمعي البصري بدل إخضاع الصحفيين للتتبعات الجزائية السالبة للحرية.
كما سبق أن أثارت هيئة الدفاع وعائلته مخاوف تتعلق بوضعه الصحي خلال فترات احتجازه، محذّرة من تداعيات استمرار الإيقاف على سلامته الجسدية والنفسية.
ويأتي هذا التطور في وقت تراجعت فيه تونس إلى المرتبة 137 عالميًا من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لسنة 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، وسط انتقادات متزايدة لتدهور أوضاع حرية الإعلام والتعبير.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يدين مرصد الحرية لتونس الحكم الصادر بالسجن في حق الصحفي زياد الهاني، ويعتبره انتكاسة خطيرة لحرية التعبير والصحافة في تونس، خاصة وأن القضية تتعلق بآراء ومضامين تعبيرية تدخل في إطار النقاش العام المحمي دستوريًا ودوليًا.
ويرى المرصد أن مواصلة توظيف الفصل 86 من مجلة الاتصالات ضد الصحفيين تمثل امتدادًا لترسانة قانونية زجرية لم يتم التخلي عنها فعليًا منذ ما قبل الثورة، بما يحول النصوص القانونية إلى أدوات لتجريم العمل الإعلامي والأصوات الناقدة.
كما يعتبر المرصد أن الإبقاء على الصحفيين بحالة إيقاف في قضايا تعبير، ثم إصدار أحكام سالبة للحرية ضدهم، يحوّل القضاء الجزائي إلى أداة ردع وعقاب للمواقف والآراء، في تعارض واضح مع المعايير الدولية لحرية التعبير وحرية الصحافة.
ويحذر المرصد من أن توسيع دائرة الملاحقات لتشمل التدوينات والمداخلات الإعلامية والنقاشات العامة وحتى التعبير داخل الفضاء العلمي والأكاديمي، يمثل مسارًا خطيرًا نحو خنق المجال العام وتقويض الحق في النقد والمساءلة.
كما يعبر المرصد عن قلقه المتواصل بشأن الوضع الصحي لزياد الهاني، ويحمّل السلطات مسؤولية ضمان سلامته الجسدية والنفسية وتوفير الرعاية الصحية اللازمة له أثناء الاحتجاز.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -الإفراج الفوري عن زياد الهاني وإيقاف تنفيذ العقوبات السالبة للحرية في قضايا التعبير والنشر.
- -مراجعة الحكم الصادر وإسقاط التتبعات المرتبطة بالتعبير السلمي والعمل الصحفي.
- -وقف توظيف الفصل 86 من مجلة الاتصالات والمرسوم 54 في ملاحقة الصحفيين وأصحاب الرأي.
- -اعتماد المرسومين 115 و116 كإطار قانوني وحيد لمعالجة قضايا النشر والصحافة والاتصال السمعي البصري.
- -احترام حرية الصحافة والتعبير والكفّ عن استخدام القضاء الجزائي كأداة لتقييد الأصوات الناقدة.
- -ضمان سلامة زياد الهاني الصحية والجسدية وتمكينه من الرعاية الطبية اللازمة.




