26 ديسمبر (كانون الأول) 2025 – قرّرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، تأجيل النظر في قضية شركة “أنستالينغو” إلى جلسة يوم 9 جانفي 2026، وذلك استجابة لطلب تقدّمت به هيئة الدفاع.
وقد جرى خلال الجلسة جلب جميع المتهمين المحالين بحالة إيقاف، ومن بينهم إطارات أمنية سابقة ومدوّنون، في حين لم يمثل راشد الغنوشي أمام المحكمة، بسبب رفضه المثول ومقاطعته الجلسات، كما تخلّف متهمان محالان بحالة سراح عن الحضور.
وتشمل القضية 41 متهمًا، من بينهم 17 موقوفًا، في ثاني جلسة تنظر فيها الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف في هذا الملف، بعد صدور أحكام ابتدائية ثقيلة في حق المتهمين.
خلفية القضية:
تعود بداية الملف إلى 10 سبتمبر 2021 حين تمّت مداهمة مقر شركة «إنستالينغو» المنتصبة بالقلعة الكبرى بسوسة، وهي شركة تعمل في مجال صناعة المحتوى والترجمة والاتصال الرقمي. وتم حينها حجز تجهيزات إعلامية وفتح بحث جزائي على خلفية شبهات تعلقت بـ«الاعتداء على أمن الدولة» و«تبييض الأموال» و«الإساءة إلى الغير عبر شبكات التواصل الاجتماعي». انطلقت الأبحاث لدى المحكمة الابتدائية بسوسة قبل أن يتخلى قاضي التحقيق عن الملف لفائدة القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، ثم يُحال لاحقًا إلى المحكمة الابتدائية بتونس.
وتطوّر الملف ليشمل عشرات المتهمين من خلفيات مختلفة، من بينهم شخصيات سياسية بارزة (على غرار راشد الغنوشي ورفيق عبد السلام وهشام المشيشي والسيد الفرجاني)، ومسؤولين أمنيين سابقين (مثل لزهر لونغو ومحمد علي العروي)، وأصحاب الشركة وأفرادًا من عائلتهم، إلى جانب صحفيين ومدونين من بينهم شذى الحاج مبارك، شهرزاد عكاشة، سليم الجبالي وأشرف بربوش. وقد قُسّم الملف عمليًا إلى مسارات متوازية، أبرزها «إنستالينغو 1» موضوع الأحكام الصادرة في فيفري 2025 والمتصلة أساسًا بتهم التآمر على أمن الدولة وتغيير هيئة الدولة ونسبة أمر موحش لرئيس الجمهورية استنادًا إلى فصول من المجلة الجزائية وقانون مكافحة الإرهاب، في حين ظلّت ملفات أخرى ذات بعد مالي أو متعلق بغسل الأموال قيد التحقيق أمام الأقطاب المختصة.
أحكام ابتدائية قاسية:
أدان القرار الابتدائي الصادر في 05 فيفري 2025 حوالي41 متهمًا بعقوبات غير مسبوقة (761 سنة سجنا)، شملت 54 سنة سجنًا لأحد مالكي الشركة، وعقوبات بين 22 و35 سنة لعدد من السياسيين، وأحكامًا بين 5 و27 سنة ضد صحفيين ومدونين، من بينهم حكم بخمس سنوات سجن ضد الصحفية شذى الحاج مبارك. ويعتبر المرصد أن هذه الأحكام «جائرة ومسيّسة»، وأن التكييف القانوني اعتمد فصولًا ثقيلة من قانون العقوبات وقانون الإرهاب على خلفية نشاط إعلامي ورقمي لا يرقى إلى مستوى أعمال عنف أو تخطيط فعلي للمساس بأمن الدولة.
وتؤكد مرافعات الدفاع أنّ العديد من المتهمين لم يُواجهوا بأفعال مادية محددة، وأنّ الأسئلة الموجهة لبعضهم —وخاصة الصحفيين— ظلّت عامة وذات طابع سياسي، مع غياب أدلة تقنية واضحة تربط المحتوى الرقمي بأفعال إجرامية واقعية، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول احترام معايير المحاكمة العادلة ومبدأ التناسب بين الأفعال المزعومة والعقوبات المسلطة.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يجدّد مرصد الحرية لتونس تأكيده أن قضية “أنستالينغو” تمثل أحد أبرز الأمثلة على توسّع استعمال تهم الأمن القومي والتآمر لتجريم التعبير الرقمي والعمل الإعلامي والسياسي، في سياق عام يتّسم بتضييق متزايد على حرية الرأي والتعبير في تونس.
ويلاحظ المرصد أن الأحكام الابتدائية الصادرة في هذا الملف، والتي بلغ مجموعها مئات السنين سجنًا، تعكس منطقًا عقابيًا جماعيًا لا يراعي مبدأ التناسب بين الأفعال المنسوبة والعقوبات المسلطة، فضلًا عن اعتماد توصيفات وتهم وتأويلات فضفاضة.
كما يؤكد مرصد الحرية لتونس دعمه لقرار المعتقلين مقاطعة الجلسات أو الامتناع عن المثول، باعتباره فعلًا احتجاجيًا مشروعًا في مواجهة مسار قضائي يثير شبهات جدّية حول تسييس العدالة واستعمال القضاء كأداة تصفية سياسية.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
احترام حق جميع المتهمين في محاكمة عادلة تقوم على أدلة مادية واضحة لا على تهم سياسية أو أمنية موسّعة.
وضع حدّ لتوظيف القضاء الجزائي في ملاحقة الصحفيين والمدوّنين والفاعلين السياسيين بسبب آرائهم أو نشاطهم الرقمي.
الإفراج عن الموقوفين الذين لا تتوفر في شأنهم مبررات قانونية جدّية للإيقاف التحفظي، أو محاكمتهم في حالة سراح.
مراجعة التكييف القانوني للقضية بما ينسجم مع المعايير الدستورية والدولية لحرية التعبير.




