Skip links

أحكام قاسية تصل إلى 28 سنة في الطور الاستئنافي بقضية “التسفير” وإدانة علي العريض بـ24 سنة سجنًا

27 فيفري (فبراير) 2026 – أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب لدى محكمة الاستئناف بتونس، فجر اليوم الجمعة، أحكامًا استئنافية في ما يُعرف بقضية “شبكات التسفير إلى بؤر التوتر”، شملت عددًا من المسؤولين السياسيين والأمنيين السابقين.

وقضت المحكمة بالسجن مدة 24 عامًا في حق علي العريض، وزير الداخلية ورئيس الحكومة الأسبق، بعد أن كان قد حُكم ابتدائيًا بـ34 سنة سجنًا. كما حكمت بالسجن 22 عامًا في حق الإطارين الأمنيين السابقين فتحي البلدي وعبد الكريم العبيدي، مقابل 26 سنة لكل منهما ابتدائيًا.

وشملت الأحكام كذلك نور الدين قندوز (28 سنة مقابل 36 ابتدائيًا)، ولطفي الهمامي (24 سنة مقابل 28)، وهشام السعدي (24 سنة مقابل 36)، وسامي الشعار (6 سنوات مقابل 18)، وسيف الدين الرايس (3 سنوات مقابل 24). كما تقرر إخضاع المحكوم عليهم إلى المراقبة الإدارية لمدة خمس سنوات بعد انقضاء العقوبة، باستثناء الشعار والرايس لمدة عامين.

وتتعلق التهم الموجهة إليهم بتكوين وفاق إرهابي، ووضع كفاءات على ذمة وفاق إرهابي، والمساعدة على مغادرة التراب التونسي بقصد ارتكاب جرائم إرهابية خارج البلاد، والتحريض على السفر، وتمويل عمليات التسفير.

خلفية القضية:

تعود الوقائع موضوع الملف إلى الفترة الممتدة بين 2011 و2014، التي شهدت تنامي ظاهرة سفر شبان تونسيين إلى مناطق نزاع خارج البلاد، في سياق أمني وسياسي انتقالي معقّد أعقب الثورة.

وكانت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس قد أصدرت في 2 ماي 2025 أحكامًا ابتدائية ثقيلة تراوحت بين 18 و36 سنة سجنًا، مع إخضاع جميع المحكوم عليهم للمراقبة الإدارية.

وقد أُعيد إحياء هذا الملف بعد 25 جويلية 2021، مع توسيع دائرة الاتهام لتشمل مسؤولين سياسيين وأمنيين سابقين، استنادًا إلى ما اعتُبر تقصيرًا أو تسهيلًا غير مباشر لعمليات السفر، دون نسبة أفعال مادية مباشرة من قبيل إصدار أوامر مكتوبة أو توفير وسائل لوجستية للمتهمين.

وخلال الطور الاستئنافي، تمسكت هيئة الدفاع بمطالب الإفراج، استنادًا إلى طول مدة الإيقاف، وطبيعة الوقائع، وغياب أدلة مادية مباشرة تثبت مسؤولية جزائية شخصية فردية، غير أن المحكمة قررت مواصلة الإيقاف إلى حين صدور الأحكام الاستئنافية.

مرافعات هيئة الدفاع:

تمسكت هيئة الدفاع، في مرافعاتها، بجملة من الحجج القانونية الأساسية:

أولًا، أكدت أن الملف يفتقر إلى أدلة مادية مباشرة تثبت مسؤولية جزائية فردية، وأن المحكمة لم تستجب لطلبات اعتبرتها جوهرية، من بينها طلب إدراج إحصائيات رسمية دقيقة حول عدد المغادرين موزعة حسب التواريخ، وطلب سماع مسؤولين سياسيين وأمنيين وعسكريين كشهود، إضافة إلى المطالبة بمحاكمة حضورية كاملة تستجيب لمعايير المحاكمة العادلة.

وثانيًا، دفعت بأن ظاهرة “التسفير” لم تبلغ ذروتها خلال فترة تولي علي العريض وزارة الداخلية، مشيرة إلى أنه من بين مئات المتهمين في القضية “لم يسافر سوى 14 شابًا” وهذا العدد يعتبر محدودًا مقارنة بالفترة اللاحقة، وهو ما تعتبره قرينة تنفي تحميله مسؤولية مباشرة عن الظاهرة.

كما شددت هيئة الدفاع على أن العريض لم يتساهل مع تنظيم “أنصار الشريعة”، بل قام بتصنيفه تنظيمًا إرهابيًا واتخاذ إجراءات إدارية وأمنية للحد من السفر إلى بؤر التوتر، وهو ما يتناقض مع سردية التورط أو التسهيل.

وأكد الدفاع كذلك وجود خروقات إجرائية، من بينها الاعتماد على تقارير استخباراتية غير مدعومة بأدلة مادية، وشهادات مجهولة، ومواد إعلامية أُدرجت ضمن عناصر الاتهام، إضافة إلى تقديم شكايات تتعلق بشبهة تدليس وثائق أو حذف معطيات يُفترض أنها ذات طابع تبريري.

وفي جوهر دفوعها، اعتبرت هيئة الدفاع أن ما نُسب إلى علي العريض لا يرقى إلى مستوى الفعل الجرمي المحدد، بل يندرج ضمن تقييم سياسي لأدائه خلال توليه وزارة الداخلية، خاصة ما تعلق بادعاء “عدم بذل الجهد الكافي”، وهو ما لا يشكل ركنًا جزائيًا قائمًا بذاته.

موقف مرصد الحرية لتونس:

يعبر مرصد الحرية لتونس عن قلقه البالغ من الأحكام القاسية الصادرة في هذا الملف، والتي يرى أنها تحمل طابعًا زجريًا يتجاوز حدود المساءلة القضائية العادية.

ويرى المرصد أن القضية تثير إشكالًا جوهريًا يتعلق بحدود المسؤولية الجزائية الفردية، خاصة عندما يتم تحميل مسؤولين سياسيين مسؤولية جزائية على أساس مناصبهم أو صفاتهم الوظيفية، بدل الاستناد إلى أفعال مادية محددة وثابتة قانونًا تُنسب إلى كل متهم على حدة.

كما يسجل المرصد أن تداول مضامين بعض الأحكام قبل إعلانها رسميًا، إضافة إلى الخطاب السياسي والإعلامي المحيط بالملف، أسهما في إضعاف الثقة في حياد المسار القضائي.

ويؤكد المرصد أن مكافحة الإرهاب تظل التزامًا مشروعًا للدولة، غير أنها لا يمكن أن تتحول إلى أداة لتوسيع التأويل في التجريم أو إلى وسيلة لتصفية حسابات سياسية بأثر رجعي.

ويشدد المرصد على أن العدالة لا تستقيم إلا باحترام صارم لمبدأ المسؤولية الجزائية الفردية، وضمان كامل لحقوق الدفاع، وتحييد القضاء عن أي تأثير سياسي أو إعلامي.

يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:

  • مراجعة الأحكام الصادرة في قضية “التسفير” بما يضمن احترام مبدأ المسؤولية الجزائية الفردية وعدم تحميل المسؤوليات على أساس المناصب أو الانتماءات السياسية.
  • إيقاف المسار الزجري الذي حوّل القضية إلى محاكمة سياسية بأثر رجعي، تحت غطاء مكافحة الإرهاب.
  • نقض الأحكام القاسية التي تفتقر في أغلبها إلى أدلة مادية مباشرة تثبت أفعالًا جرمية محددة.
  • ضمان حق المحكوم عليهم في محاكمة عادلة تتوفر فيها شروط العلنية والشفافية والمساواة الكاملة بين طرفي الدعوى.
  • تحييد القضاء عن أي تأثير سياسي أو إعلامي، ووقف كل أشكال توظيف ملفات الإرهاب في تصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين.

شارك

المزيد من المقالات

تأجيل جديد في قضية تشمل يوسف الشاهد ومهدي بن غربية أمام دائرة الإرهاب وسط غموض التهم

15 أفريل (أبريل) 2026 – قررت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس تأجيل النظر في القضية التي تشمل رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد ورجل الأعمال والوزير السابق مهدي بن غربية، إلى جانب سفيان بوهاشم، وذلك إلى جلسة يوم 26 ماي 2026، لمواصلة النظر في الملف…

محكمة الإستئناف بتونس ترفض الإفراج عن مراد الزغيدي وبرهان بسيّس

15 أفريل (أبريل) 2026 – قررت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس رفض مطالب الإفراج عن الإعلاميين مراد الزغيدي وبرهان بسيس، وذلك في القضية المتعلقة بتهم ذات صبغة مالية، مع تحديد جلسة يوم 28 أفريل الجاري للنظر في الملف…

20 سنة سجنًا للغنوشي وقيادات من النهضة في “قضية المسامرة”: تجريم للتعبير السياسي دون أفعال مادية

15 أفريل (أبريل) 2026 – قضت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس بالسجن مدة 20 سنة في حق رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، إلى جانب القياديين أحمد المشرقي ويوسف النوري، وذلك في ما يُعرف إعلاميًا بـ“قضية المسامرة الرمضانية”، وهي قضية تشمل في مجملها 12 متهمًا موزعين بين موقوفين ومحالين بحالة سراح وآخرين بحالة فرار…

6 سنوات سجنًا لوزير البيئة الأسبق المهدي مليكة في قضية تمكينه من عقارات سياحية دون احترام الإجراءات

14 أفريل (أبريل) 2026 – قضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس بسجن وزير البيئة الأسبق محمد المهدي مليكة لمدة 6 سنوات، مع خطية مالية، وذلك في قضية تتعلق بشبهات فساد مالي وإداري في تمكينه من عقارات تابعة للوكالة العقارية السياحية…

نداء إلى العمل من أجل حقوق الإنسان في تونس

عريضة الموقع: الحرية لمعتقلي الرأي والنشطاء في تونس !

‎لم تعد تونس الاستثناء العربي الوحيد الذي أشعل فتيل الثورات في العالم سنة 2011 بثورة بطولية أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، الذي ظل مستمرا لمدة تناهز 23 سنة بعد استيلاءه على السلطة في 7 نوفمبر 1987 خلفا للحبيب بورقيبة.

في خطوة مماثلة وربما أكثر خطورة، أقدم الرئيس التونسي قيس سعيد ليلة 25 يوليو 2021 على القيام “بانقلاب دستوري” وفقا لتأويله الشخصي للفصل 80 من دستور الثورة 2014 مُعلنا اتخاذه مجموعة من الإجراءات الاستثنائية بسبب “خطر داهم” يهدد البلاد التونسية دون تقديم أي تفاصيل وأسباب الى حدّ كتابة هذه الأسطر.

وبموجب تلك الإجراءات قرر سعيّد عزل الحكومة ورئيسها “هشام المشيشي” الذي كان حاضرا في اجتماع مجلس الأمن القومي تلك الليلة بقصر قرطاج، وزعم أنه اتصل برئيس البرلمان راشد الغنوشي (زعيم حزب حركة النهضة) للتشاور معه وفق ما يمليه الدستور، الأمر الذي نفاه الغنوشي مؤكدا انه اتصال عادي لم يتضمن أي مشاورات أو حديث حول فحوى الإجراءات الاستثنائية، وقام الرئيس بتجميد أعمال البرلمان ثم حله في مارس/ آذار 2022.

ولم يكتف الرئيس سعيّد بتجاوز صلاحياته وفصول الدستور التي أقسم على الحفاظ عليه أمام مجلس نواب الشعب بل وقام بتغيير تركيبة المجلس الأعلى للقضاء واعتبره “وظيفة” وليس سلطة مستقلة بذاتها وقام أيضا بتغيير تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تحضيرا لمراحل انتخابية عقدها لفائدة تغيير دستور كتبه بنفسه وألغى آراء اللجان الاستشارية التي عينها بنفسه أيضا. ثم نظم انتخابات تشريعية على دورتين لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 8% من مجموع الناخيبن وتداركت هيئة الانتخابات الاحصائيات فيما بعد لتعلن أنها وصلت لـ11 %وهو الرقم الأدنى عالميا ومحليا.

بتاريخ 11 فبراير/شباط شن نظام الرئيس سعيد حملة اعتقالات لم تتوقف، شملت نشطاء سياسيين ورجال أعمال واعلاميين وصحفيين وقضاة وموظفين سامين في الدولة تحت عنوان “التآمر على أمن الدولة وارتكاب فعل موحش ضد رئيس الجمهورية” إضافة لتهم أخرى تم إحالتها على النيابة العسكرية ما يطرح أسئلة حول مدى تدخل الجيش التونسي في الإجراءات التي قام بها الرئيس سعيد.

وقد شابت عمليات الاعتقال التعسفي عدة خروقات وإخلالات إجرائية وسط تحذيرات من المنظمات والمراصد الدولية الناشطة بمجال حقوق الانسان ولم يتم احترام معايير التقاضي والإقامة السجنية وطالت الملاحقات في بعض الأحيان عائلات الضحايا وأسرهم ووظائفهم ولم يتم إثبات أي تهم أو وقائع منسوبة للمتهمين.

كما تتعرض النقابات والأحزاب السياسية لمضايقات مستمرة ولم يتوقف الرئيس سعيد عن اتهام كافة الأجسام الوسيطة بمختلف أنواعها “بالعمالة” أو “الخيانة” ولم تسلم المنظمات والجمعيات من الملاحقات والاعتقالات التعسفية والحرمان من التمثيل القانوني وسط ارتفاع وتيرة العنف في المجتمع بسبب تبني السلطات خطابات وشعارات عنصرية وتمييزية محرضة على الاقتتال وانتهاك الكرامة الإنسانية.

على ضوء كل ما تقدمنا به من أسباب نحن الموقعون أسفله نطالب:

أولا: بالدعوة لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين فوراً ودون قيد أو شرط كما نحثَ السلطات التونسية على احترام التزاماتها الدولية والمعاهدات الدولية لحقوق الانسان التي صادقت عليها.

ثانيا: ندعو من السلطات التونسية أن توقف نزيف نسف الديمقراطية الناشئة والمحاكمات الجائرة والملاحقات المستمرة ضد خصوم النظام السياسيين وكل من ينتقده بالرأي او الكلمة او التعبير.

ثالثا: ندعو كل النشطاء والمتابعين للانخراط في المسار الوطني والدولي لإعادة الديمقراطية وإنهاء الحكم الفردي الذي عاد بتونس لسنوات الاستبداد والظلم وانتهاك الحقوق والحريات.