22 جانفي (يناير) 2026 – أصدرت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس حكمًا بالسجن بالسجن مدة ثلاثة أعوام ونصف في حقّ الإعلاميين برهان بسيس ومراد الزغيدي، بعد مسار قضائي تخلّلته فترات إيقاف تحفظي مطوّلة، وقرارات متتالية برفض الإفراج، وسط انتقادات حقوقية تتعلّق بغياب الشفافية في عرض الأدلة المالية وتناسب العقوبات.
ونقلًا عن مصدر قضائي، أقرت المحكمة أيضًا تسليط خطايا مالية على الصحفيين، إلى جانب مصادرة ممتلكاتهما وحجز الحصص الاجتماعية للشركات التي يملكان أسهمًا فيها، لفائدة الخزينة العامة للدولة.
وكان الزغيدي وبسيس قد مثلا في حالة إيقاف، لمواجهة تهم تتعلّق بالتحيّل والتهرّب الجبائي، على خلفية شبهات بوجود إخلالات مالية وفق مزاعم السلطات. وبعد المرافعات قررت المحكمة حجز القضية للمفاوضة قبل أن تُصدر، في فترة ما بعد الظهر، حكمًا بالسجن لمدة ثلاث سنوات ونصف إجمالًا.
وفي انتظار ما سيؤول إليه الأمر في الاستئناف، فإن الزغيدي وبسيس سيقضيان ما لا يقل عن سنتين وخمسة أشهر سجنًا بعد طرح المدة المقضاة في القضية الثانية، وهي 13 شهرًا.
مسار قضائي متواصل منذ 2024:
يأتي هذا الحكم في سياق تتبّعات انطلقت منذ سنة 2024، حيث كانت دائرة الاتهام قد قرّرت إحالة الإعلاميَين على أنظار الدائرة الجنائية بحالة إيقاف، دون نشر تقارير تدقيق مالي مفصّلة أو معطيات فنية واضحة للرأي العام تبرّر استمرار سلب الحرية طوال هذه المدّة.
وسبق للمحكمة أن رفضت الإفراج عنهما في ديسمبر 2025، مع تأجيل المحاكمة إلى جانفي 2026، في وقت أكّد فيه محامو مراد الزغيدي مباشرة إجراءات الصلح مع المصالح الجبائية التابعة لوزارة المالية، وطلبوا التأخير لاستكمالها، دون أن يُستجاب لمطالب الإفراج.
خلفية القضية: مساران قضائيان متداخلان
يواجه الإعلاميّان قضيتين منفصلتين:
أولًا – قضية المرسوم عدد 54:
تم إيقاف بسيس والزغيدي في ماي 2024 على خلفية تدوينات وتصريحات إعلامية، وصدر في حقّهما حكم ابتدائي بالسجن سنة واحدة، قبل تخفيض العقوبة استئنافيًا إلى ثمانية أشهر، في إطار توظيف واسع للمرسوم عدد 54 المتعلّق بجرائم أنظمة المعلومات والاتصال. ورغم انقضاء هذه العقوبة، لم يتم الإفراج عنهما.
ثانيًا – القضية المالية الحالية:
منذ ديسمبر 2024، وُجّهت إلى الإعلاميَين تهم تتعلّق بتبييض الأموال والتهرّب الجبائي، دون عرض تقارير جبائية مكتملة أو نشر تفاصيل دقيقة حول المعاملات موضوع التتبّع. وقد أكّدت هيئة الدفاع عن مراد الزغيدي، في مناسبات سابقة، أنّ وضعيته الجبائية سُوّيت بالكامل، وأنّ ملفه “خالٍ من التجاوزات”، في حين واصل القضاء إبقاءه رهن الإيقاف.
ويُضاف إلى ذلك أنّ متهمًا آخر في نفس الملف يُحاكم بحالة سراح، ما يطرح إشكالًا حول مبدأ المساواة وتناسب التدابير القضائية.
امتداد الضغط القضائي إلى المحيط العائلي:
سبق لمرصد الحرية لتونس أن وثّق تتبّعات طالت أفرادًا من عائلة مراد الزغيدي، من بينها حكم غيابي بالسجن ستة أشهر ضدّ عمّته فارحة الزغيدي بسبب استعمال الهاتف داخل قاعة المحكمة، في سابقة تعكس اتساع دائرة الضغط القضائي لتشمل المحيط العائلي للصحفيين والمعارضين.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يرى مرصد الحرية لتونس أنّ الحكم بالسجن ثلاث سنوات ونصف، بعد فترة طويلة من الإيقاف التحفّظي، ودون عرض أدلّة مالية وجبائية مفصّلة للرأي العام، يعزّز الانطباع بأن المسار القضائي اتّخذ طابعًا عقابيًا يتجاوز مقتضيات التتبّع القضائي العادي.
ويؤكّد المرصد أنّ:
طول الإيقاف التحفّظي في غياب أحكام باتّة يمسّ من قرينة البراءة ويخرق مبدأ الآجال المعقولة للمحاكمة.
الجمع بين المرسوم 54 والتتبّعات المالية ضد إعلاميَين ناقدَين يثير مخاوف جدّية من تسييس القضاء واستعماله للضغط على الأصوات المهنية المستقلّة وخاصة المنتقدة للسلطات.
غياب الشفافية في عرض الأدلة المالية، وتباين القرارات بخصوص الإفراج، يكشف اختلالًا في تقييم موجبات السجن.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
الإفراج الفوري عن برهان بسيس ومراد الزغيدي، وتمكينهما من متابعة قضاياهما في حالة سراح إلى حين صدور أحكام باتّة.
نشر التقارير والمعطيات الجبائية والفنية المعتمدة في الملف، ضمانًا لحقوق الدفاع والشفافية.
الكفّ عن استعمال الإيقاف التحفّظي كأداة عقابية ضدّ الصحفيين والإعلاميين.
مراجعة منهجية توظيف المرسوم عدد 54، التي تحوّلت إلى أداة لتجريم التعبير والعمل الإعلامي.
ضمان محاكمة عادلة في آجال معقولة، واحترام مبدأ المساواة في تطبيق تدابير السراح بين جميع المتهمين في نفس الملف.




