18 جوان (يونيو) 2026 – أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب لدى محكمة الاستئناف بتونس أحكامها في ما يُعرف إعلاميًا بـ”ملف المكتب الجهوي لحركة النهضة بباجة”، وهو الملف الذي انطلق سنة 2023 إثر إخبار تقدم به شخص محجوب الهوية ادعى وجود شبكة من الصفحات والحسابات الإلكترونية يديرها أعضاء وقيادات من الحركة بهدف التحريض وإثارة الاضطرابات والإساءة إلى مؤسسات الدولة.
ووفق المعطيات القضائية، قضت المحكمة الاستئنافية بسجن القيادي عبد الفتاح التاغوتي لمدة عشر سنوات مع النفاذ العاجل، كما خفّضت العقوبة المسلطة على محمد المزوغي من عشر سنوات إلى أربع سنوات سجنا. وشملت الأحكام كذلك ثلاثة متهمين آخرين بالسجن لمدة عشر سنوات لكل واحد منهم، ومتهمة بالسجن لمدة عامين، في حين قضت المحكمة بعدم سماع الدعوى في حق ثلاثة متهمين آخرين.
وتعود القضية إلى شهر مارس 2023 عندما تم إيقاف عدد من أعضاء المكتب الجهوي لحركة النهضة بباجة، من بينهم محمد المزوغي ومحمد صالح بوعلاقي، قبل أن تشمل الأبحاث لاحقًا عبد الفتاح التاغوتي، المسؤول السابق عن المكتب الإعلامي للحركة.
وقد أحيل الملف على القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، ووجهت للمتهمين تهم تتعلق بالتآمر على أمن الدولة الداخلي، وتكوين أو الانضمام إلى وفاق ذي صبغة إرهابية، والتحريض عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والإساءة إلى رئيس الجمهورية، ونسبة أمور غير صحيحة إلى موظف عمومي، استنادًا إلى قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2015 وعدد من فصول المجلة الجزائية والفصل 86 من مجلة الاتصالات.
الأحكام الابتدائية:
كانت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب قد أصدرت في نوفمبر 2025 أحكامًا ابتدائية ثقيلة شملت تسعة متهمين، حيث حكم على محمد صالح بوعلاقي بالسجن 12 سنة، وعلى جمال الباروني بالسجن 12 سنة، وعلى محمد المزوغي بالسجن 10 سنوات، وعلى عبد الفتاح التاغوتي بالسجن 10 سنوات، وعلى فريد المديني بالسجن 10 سنوات، وعلى عدنان القسنطيني بالسجن 10 سنوات، وعلى محمد علي عزيز بالسجن 10 سنوات مع النفاذ العاجل، وعلى رضا الباروني بالسجن 10 سنوات مع النفاذ العاجل، وعلى رجاء الطبوبي بالسجن عامين مع خمس سنوات مراقبة إدارية.
كما قضت المحكمة آنذاك بعدم سماع الدعوى في حق صديق الماكني وعماد الطهراني وعادل الشابي.
خلفية القضية:
أثارت هذه القضية منذ انطلاقها جدلاً واسعاً بسبب طبيعة الوقائع المنسوبة إلى المتهمين، والتي ترتبط أساسًا بإدارة صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي وبنشاط سياسي وإعلامي منسوب إلى أعضاء بحركة النهضة، دون الإعلان عن أفعال مادية عنيفة أو عمليات إرهابية مباشرة ارتكبها المتهمون.
كما أن الملف انطلق أساسًا من وشاية تقدم به شخص مجهول الهوية، وهو ما أثار منذ البداية تساؤلات قانونية وحقوقية حول مدى كفاية المعطيات التي بُنيت عليها التتبعات وحول طبيعة الأدلة المعتمدة لإسناد اتهامات خطيرة تصل عقوباتها إلى عشر سنوات وأكثر من السجن.
وخلال أطوار القضية، أثارت هيئة الدفاع جملة من الدفوع القانونية، من بينها الطعن في الاختصاص الترابي للفرقة التي تولت الأبحاث، والاعتراض على اعتماد إجراءات استثنائية مرتبطة بقانون مكافحة الإرهاب، إضافة إلى إثارة مسائل تتعلق بحقوق الدفاع وسلامة الإجراءات.
كما انتقد المحامون خلال الطور الاستئنافي رفض المحكمة تأخير الجلسة رغم تقديم إعلامات نيابة لعدد من أعضاء هيئة الدفاع، واعترضوا على مواصلة محاكمة الموقوفين عن بعد دون إحضارهم إلى قاعة الجلسة، معتبرين أن ذلك يمسّ بحقوق الدفاع وبمقتضيات المحاكمة العادلة.
ويأتي هذا الملف ضمن سياق أوسع من الملاحقات القضائية التي استهدفت خلال السنوات الأخيرة قيادات وأعضاء حركة النهضة وعددًا من المعارضين السياسيين، سواء في قضايا “التآمر على أمن الدولة” أو في ما يعرف بملف “الجهاز السري” أو غيرها من القضايا التي انتهت إلى أحكام ثقيلة أثارت انتقادات واسعة من منظمات حقوقية تونسية ودولية.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعتبر مرصد الحرية لتونس أن الأحكام الصادرة في هذا الملف تندرج ضمن سياق متواصل من توظيف تهم الإرهاب والأمن القومي في مواجهة المعارضين السياسيين وأعضاء الأحزاب المعارضة، بما يهدد الحق في العمل السياسي السلمي والتعددية الحزبية.
ويرى المرصد أن خطورة العقوبات الصادرة، والتي تصل إلى عشر سنوات سجناً، لا تتناسب مع الوقائع المعلنة للرأي العام، خاصة في ظل غياب معطيات تثبت ارتكاب أعمال عنف أو أفعال إرهابية مادية بالمعنى المتعارف عليه دوليًا.
كما يعبر المرصد عن بالغ القلق إزاء تكرار اللجوء إلى المحاكمات ذات الصبغة السياسية ضد قيادات حركة النهضة وأعضائها، في سياق يتزامن مع صدور أحكام ثقيلة في ملفات أخرى استهدفت شخصيات معارضة وقيادات سياسية بارزة، وهو ما يعزز المخاوف من استعمال القضاء لإعادة هندسة المشهد السياسي وإقصاء الخصوم السياسيين.
ويؤكد المرصد أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تتحول إلى أداة لتجريم الانتماء الحزبي أو النشاط السياسي أو التعبير السلمي عن الرأي، وأن حماية الأمن القومي لا تكون على حساب الحقوق الأساسية وضمانات المحاكمة العادلة.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -إلغاء الأحكام الصادرة وإعادة محاكمة المتهمين أمام هيئة قضائية تتوفر فيها جميع ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع.
- -فتح تحقيق مستقل في جميع التجاوزات والإخلالات الإجرائية التي أثيرت أثناء مرحلة البحث والتحقيق والمحاكمة.
- -وقف توظيف قوانين الإرهاب والأمن القومي في ملاحقة المعارضين السياسيين والنشطاء الحزبيين.
- -احترام الحق في التظيم والعمل السياسي والتعددية الحزبية باعتبارها حقوقًا أساسية يكفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان.
- -مراجعة الأحكام الصادرة في القضايا ذات الخلفية السياسية، وخاصة ملفات “التآمر على أمن الدولة” و”ملف باجة” وغيرها من القضايا التي شابتها انتقادات حقوقية وقانونية واسعة.
- -ضمان استقلال القضاء وعدم توظيفه لتصفية الخصوم السياسيين أو إعادة تشكيل المشهد السياسي خارج الآليات الديمقراطية.




