29 ديسمبر (كانون الأول) 2025 – أذنت نيابة المحكمة الابتدائية بتونس بفتح تحقيق قضائي جديد ضد القاضي أنس حمادي، رئيس جمعية القضاة التونسيين، على خلفية شكاوى تقدّم بها عدد من القضاة تعلّقت بتصريحات إعلامية نُسبت إليه واعتُبرت، وفق ما راج إعلاميًا، “ماسّة بسمعة السلك القضائي”.
ويأتي هذا التطور في ظلّ غياب أي إعلام رسمي موجّه للمعني بالأمر، وهو ما يثير تساؤلات جدّية حول احترام أبسط ضمانات الإجراءات وشفافية الإعلام القضائي.
ملاحقات قضائية متواصلة منذ 2023:
يمثّل هذا التحقيق امتدادًا لمسار قضائي مفتوح منذ أوت 2023 أمام قاضي التحقيق بمحكمة الكاف، حيث يلاحق أنس حمادي من أجل تهمة “المحاولة المتعمدة لعرقلة حرية العمل”، وهي جنحة تصل عقوبتها إلى ثلاث سنوات سجنًا.
وترتبط هذه التتبّعات مباشرة بحركة الاحتجاج الواسعة التي قادتها جمعية القضاة التونسيين والهياكل القضائية عقب قرار عزل 57 قاضيًا في 1 جوان 2022، وهو القرار الذي مثّل نقطة تحوّل خطيرة في علاقة السلطة التنفيذية بالقضاء.
ويُذكّر المرصد بأن المجلس الأعلى المؤقت للقضاء كان قد رفع الحصانة عن أنس حمادي في سبتمبر 2022، في خطوة فتحت الباب أمام تتبّعات ذات طابع انتقامي، بسبب دوره النقابي في الدفاع عن استقلال القضاء.
قرارات قضائية لم تُنفَّذ:
في أوت 2022، قضت المحكمة الإدارية بإيقاف تنفيذ قرارات العزل، وأمرت بإعادة إدماج 49 قاضيًا، معتبرة أن القرارات الصادرة في حقهم تفتقر إلى الأساس الواقعي والقانوني.
غير أنّ وزارة العدل امتنعت إلى اليوم عن تنفيذ هذه الأحكام، ولا تزال مكاتب القضاة المعنيين مغلقة، في خرق صريح لمبدأ سيادة القانون وحجية الأحكام القضائية.
كما وثّقت جمعية القضاة التونسيين، منذ أوت 2023، ما لا يقل عن 105 قرارات نقل أو تعليق أو تعيين لقضاة ووكلاء جمهورية بموجب مناشير إدارية، دون احترام المسارات القانونية المعتادة، بما يعمّق أزمة الثقة داخل المنظومة القضائية.
بيان جمعية القضاة: تشهير وتسريب مريب وغياب الحياد الإعلامي
في بيان صادر بتاريخ 29 ديسمبر 2025، عبّر المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين عن استغرابه الشديد من تداول خبر فتح أبحاث تحقيقية ضد رئيس الجمعية عبر وسائل الإعلام، مرفقًا بصورته الشخصية، دون تمكينه من أي إعلام رسمي.
واعتبرت الجمعية أن تسريب الخبر للإعلام قبل تبليغ المعني بالأمر يشكّل خرقًا لواجب حياد الإدارة القضائية وتشهيرًا متعمّدًا برئيس الجمعية ومحاولة لفصل التتبّعات عن صفته النقابية للإيهام بأنها لا علاقة لها بدوره في الدفاع عن استقلال القضاء.
وحذّرت الجمعية من أن هذه الممارسات تندرج ضمن سياسة ضغط ممنهجة تهدف إلى إسكات صوت القضاء المستقل ومعاقبة القضاة الذين يرفضون الصمت عن الانتهاكات.
مواقف دولية داعمة واستنفار حقوقي:
رحّب مرصد الحرية لتونس بالتفاعل السريع للمقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، وكذلك هيئة رئاسة الاتحاد الدولي للقضاة، اللتين عبّرتا عن تضامنهما المطلق مع أنس حمادي، ودعتا السلطات التونسية إلى وضع حدّ للممارسات التعسفية واحترام المعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير والتنظم المهني للقضاة.
كما سبق لمنظمات دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أن نبّهت إلى خطورة الملاحقات القضائية والتشهير الإعلامي الموجّه ضد جمعية القضاة ورئيسها، واعتبرتها جزءًا من مسار أوسع لتقويض استقلال السلطة القضائية.
سياق سياسي مُقلق:
يربط مرصد الحرية لتونس هذه التتبّعات بالسياق السياسي العام الذي أعقب 25 جويلية 2021، حيث تمّ:
حلّ المجلس الأعلى للقضاء،
تركيز السلطات الثلاثة بيد رئيس الجمهورية،
اعتماد تشريعات زجرية، من بينها المرسوم 54، لملاحقة منتقدي السلطة من قضاة ومحامين وصحفيين وناشطين.
ويرى المرصد أن استهداف رئيس جمعية القضاة لا يمكن فصله عن هذا المسار، بل يندرج ضمن محاولة ممنهجة لإخضاع القضاء وإسكات الأصوات المهنية التي ما تزال تدافع عن مبادئ المحاكمة العادلة.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعتبر مرصد الحرية لتونس أن فتح تحقيقات متتالية ضد أنس حمادي يمثّل استهدافًا مباشرًا للعمل النقابي القضائي، وانتهاكًا خطيرًا لحرية التعبير والتنظم المكفولة للقضاة بموجب المعايير الدولية.
كما يرى المرصد أن توظيف القضاء لتصفية حسابات مع القضاة المستقلين يهدّد ما تبقّى من استقلال السلطة القضائية، ويقوّض أسس دولة القانون، ويُحوّل العدالة إلى أداة ردع بدل أن تكون ضمانة للحقوق والحريات.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
وضع حدّ فوري لجميع التتبّعات ذات الخلفية السياسية ضد أنس حمادي ورموز القضاء المستقل.
احترام حق القضاة في التعبير والتنظم والدفاع عن استقلال مهنتهم دون خوف من الانتقام.
وقف التسريبات الإعلامية الموجّهة والتشهير بالقضاة خارج الأطر القانونية.
تنفيذ أحكام المحكمة الإدارية وإعادة إدماج القضاة المعزولين دون قيد أو شرط.
احترام التزامات تونس الدولية، خاصة ما يتعلّق باستقلال القضاء والفصل بين السلط.




