01 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 – يعتبر مرصد الحرية لتونس أن تنقيح الفصل 24 من المرسوم عدد 54 لسنة 2022، رغم إلغائه العقوبة السجنية في حالة التتبع لأول مرة وتعويضها بخطية مالية، لا يمثل إصلاحا تشريعيا كافيا للمنظومة التي استُخدمت منذ سنة 2022 لتقييد حرية التعبير والنشر، وإنما يقتصر أساسا على تخفيف جزء من العقوبة مع الإبقاء على جوهر الإشكال القانوني والحقوقي قائما.
وينص الفصل 24 في صيغته الجديدة على خطية تتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألف دينار، مع إعادة العقوبة السجنية في حالة العود لمدة ستة أشهر وخطية بخمسين ألف دينار، ومضاعفة العقوبات عندما يكون الشخص المستهدف موظفا عموميا أو شبهه، فضلا عن استبعاد تطبيق الفصل 53 من المجلة الجزائية في حالة العود.
ويرى المرصد أن إلغاء السجن في الصورة الأولى للجريمة يمثل تراجعا عن أحد أكثر الجوانب العقابية خطورة في النص السابق، لكنه لا ينهي إمكانية سلب الحرية بسبب التعبير، طالما أن العقوبة السجنية تعود بمجرد توفر حالة العود. كما أن استبعاد الفصل 53 من المجلة الجزائية في هذه الحالة يضيّق هامش القضاء في تفريد العقوبة والأخذ بظروف التخفيف.
ويؤكد المرصد أن المعضلة الأساسية في الفصل 24 لا تتعلق بالعقوبة وحدها، بل تمتد إلى صياغة التجريم ذاته. فقد أبقى النص الجديد على عبارات واسعة وقابلة لتأويلات متعددة من قبيل «أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة»، و«الإضرار بالأمن العام»، و«تشويه السمعة» و«الإضرار ماديا أو معنويا».
ومن شأن هذه الصياغة الفضفاضة أن تُبقي مجالا واسعا لاستخدام القانون الجزائي في مواجهة مضامين تدخل في نطاق التعبير أو النقد أو العمل الصحفي، في حين تشترط المعايير الدولية المنظمة لحرية التعبير أن تكون القيود محددة بدقة، وأن توجد علاقة مباشرة ومحددة بين التعبير المقيد والضرر المراد منعه.
وقد شددت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة على أن القيود على التعبير يجب ألا تكون واسعة أكثر من اللازم، وأن النقاش العام المتعلق بالشخصيات العامة والسياسية يتمتع بحماية خاصة.
كما يسجل المرصد أن التنقيح أبقى على مضاعفة العقوبة عندما يكون الشخص المستهدف موظفا عموميا أو شبهه، وهو خيار يثير إشكالا من منظور حرية النقد والمساءلة العامة. فالمعايير الدولية لحرية التعبير تؤكد أن مجرد توجيه تعبير حاد أو حتى مسيء إلى شخصية عامة لا يكفي في ذاته لتبرير فرض عقوبات، وأن القوانين التي تمنح المسؤولين العموميين حماية جزائية موسعة من النقد تثير مخاوف خاصة بشأن حرية النقاش العام.
ويعتبر المرصد كذلك أن الاقتصار على تعديل الفصل 24 لا يعالج الإشكال الأوسع المتعلق بتعدد النصوص الجزائية التي يمكن استخدامها في قضايا التعبير عبر وسائل الاتصال.
كما أن مراجعة الفصل 24 لا ينبغي أن تحجب بقية الإشكالات الحقوقية التي يثيرها المرسوم 54، وخاصة الأحكام المرتبطة بحفظ بيانات المستخدمين واعتراض الاتصالات وما تطرحه من أسئلة تتعلق بحماية الحياة الخاصة وسرية المراسلات وضرورة وجود ضمانات كافية للرقابة والضرورة والتناسب.
ويشير المرصد إلى أن النص الجديد صدر في شكل مرسوم بتاريخ 30 سبتمبر 2026 بعد مداولة مجلس الوزراء وإعلام لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب. ويرى أن مراجعة تشريع يمس بصورة مباشرة حرية التعبير والعقوبات الجزائية كانت تستوجب نقاشا تشريعيا أوسع وشفافا، تشارك فيه الهياكل المهنية والحقوقية والصحفية والخبراء في القانون والحريات العامة.
موقف المرصد ومطالبه:
يعتبر مرصد الحرية لتونس أن تنقيح الفصل 24 يمثل تخفيفا جزئيا للعقوبة، وليس معالجة شاملة للخلل التشريعي الذي أحاط بالمرسوم 54 منذ صدوره.
ويدعو المرصد إلى مراجعة شاملة للمرسوم 54 وللنصوص الجزائية الأخرى المستعملة في قضايا التعبير، بما يضمن دقة التكييف واحترام مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية المرتبطة بالتعبير السلمي، وتعزيز حماية الصحفيين والمدونين والمواطنين من التتبعات التي يكون سببها ممارسة حقهم في النقد والنشر وتداول المعلومات.
كما يشدد المرصد على أن المعيار الحقيقي لنجاح أي إصلاح لا يقاس فقط بتخفيف العقوبة، وإنما بمدى إنهاء إمكانية توظيف القانون الجزائي لتقييد حرية التعبير، وضمان تطبيق القانون من قبل قضاء مستقل تتوفر فيه ضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات.




