30 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 – قضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس ابتدائيًا، بسجن المنسق العام لحزب القطب رياض بن فضل مدة 20 عامًا، في القضية المتعلقة بشبهات غسل الأموال والفساد المالي والإداري في اقتناء الأملاك المصادرة والتصرف فيها.
كما قضت المحكمة بسجن 28 متهمًا آخر مدة تسعة أعوام لكل واحد منهم، فيما صدر حكم بعدم سماع الدعوى في حق متهمين اثنين، بحسب المعطيات القضائية.
وتعود القضية إلى عمليات اقتناء أملاك صادرتها الدولة بعد سنة 2011، فيما يتمسك دفاع رياض بن فضل بأن عمليات الشراء تمت عن طريق بتات وطلبات عروض رسمية وتحت إشراف الهياكل العمومية المكلفة بالتصرف في تلك الأملاك.
نحو ثلاثة أعوام من الإيقاف قبل صدور الحكم:
أوقف رياض بن فضل يوم 14 نوفمبر 2023 لدى عودته إلى تونس عبر مطار تونس قرطاج، قبل أن يصدر قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي بطاقة إيداع بالسجن في حقه بتاريخ 24 نوفمبر من العام نفسه.
ومنذ ذلك التاريخ، ظل بن فضل موقوفًا على ذمة قضية الأملاك المصادرة، وشهد الملف سلسلة من جلسات المحاكمة ومطالب الإفراج والتأجيلات، قبل صدور الحكم الابتدائي الأخير بعد قرابة ثلاثة أعوام من الإيقاف.
وكانت المحكمة قد رفضت، في 12 أكتوبر 2026، مطالب الإفراج المقدمة في حقه وفي حق عدد من المتهمين، قبل أن تؤجل المحاكمة إلى جلسة 29 أكتوبر التي شهدت المرافعات وصدور الأحكام.
عمليات اقتناء عبر بتات وطلبات عروض:
يتعلق الملف بعمليات اقتناء أملاك مصادرة كانت قد عرضتها الدولة للبيع بعد الثورة. وسبق لهيئة الدفاع أن أكدت أن رياض بن فضل تقدم بعروض لاقتناء هذه الممتلكات في إطار إجراءات رسمية وطلبات عروض وبتات عمومية، وأن العقود والوثائق المتعلقة بعمليات الشراء قدمت إلى الجهات القضائية منذ مراحل سابقة من البحث.
وتتمسك هيئة الدفاع بأن مسؤولية المشترين لا يمكن استخلاصها من مجرد اقتناء عقارات أو ممتلكات مصادرة عبر آليات رسمية أشرفت عليها أجهزة الدولة، وإنما يتعين إثبات وجود تلاعب أو اتفاق غير مشروع أو منفعة غير قانونية بصورة فردية ومحددة.
وقد أحيل بن فضل وبقية المتهمين على القضاء بتهم تتعلق بغسل الأموال والفساد المالي والإداري، إلى جانب مخالفات مالية ومصرفية أخرى مرتبطة بالمعاملات موضوع التحقيق.
حزب القطب يطعن في الحكم:
أصدر حزب القطب بتاريخ 30 أكتوبر بيانًا استنكر فيه الحكم الصادر في حق منسقه العام رياض بن فضل، واعتبره ذا خلفية سياسية.
وقال الحزب إن مرافعات هيئة الدفاع خلال الجلسة أثارت عددًا من التناقضات والإخلالات في أعمال البحث والتحقيق، وتمسك بأن الملف لا يتضمن أدلة كافية تبرر الإدانة والعقوبة الصادرة.
كما اعتبر الحزب أن الحكم يندرج ضمن ملاحقات تستهدف معارضين سياسيين، وطالب بالإفراج عن رياض بن فضل.
قضية ديوانية سابقة انتهت بالتسوية:
وكان رياض بن فضل قد واجه قضية أخرى مستقلة ذات صبغة ديوانية ومصرفية، صدر فيها حكم ابتدائي في ماي 2024 بالسجن أربعة أعوام وستة أشهر مع خطايا مالية.
غير أن محكمة الاستئناف أوقفت المحاكمة في تلك القضية في أفريل 2025 بعد تسوية الوضعية المالية وتقديم ما يثبت خلاص المبالغ والنزاعات المتعلقة بها.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يستنكر مرصد الحرية لتونس الحكم بالسجن 20 عامًا في حق رياض بن فضل، والعقوبات التي بلغت تسعة أعوام في حق 28 متهمًا آخرين، في ملف يتعلق بمعاملات لاقتناء أملاك كانت الدولة نفسها قد عرضتها للبيع عبر آليات وإجراءات رسمية.
ويرى المرصد أن جسامة العقوبات تفرض على المحكمة بيانًا دقيقًا ومفصلًا للأفعال التي ثبتت في حق كل متهم، وكيفية تحول عمليات اقتناء تمت في إطار بتات وطلبات عروض إلى جرائم فساد وغسل أموال، مع تحديد المسؤولية الفردية لكل طرف وعدم الاكتفاء بتوصيفات عامة أو جماعية.
كما يشدد المرصد على ضرورة تحديد مسؤولية الجهات العمومية التي تولت التقييم والتفويت والمصادقة على عمليات البيع، وعدم تحميل المشترين وحدهم مسؤولية معاملات تمت بمشاركة وموافقة مؤسسات الدولة، إذا لم يثبت وجود تواطؤ أو تدليس أو اتفاق غير مشروع.
ويعتبر المرصد أن ما أثارته هيئة الدفاع من اعتراضات بشأن إجراءات البحث والتحقيق، إضافة إلى تمسكها بقانونية عمليات الشراء، يستوجب مراجعة جدية ومستقلة في الطور الاستئنافي وعدم الاكتفاء بتأييد الحكم دون مناقشة هذه الدفوع بالتفصيل.
كما يعبر المرصد عن تخوفه من تداخل الوضع القضائي لرياض بن فضل مع صفته السياسية كقيادي في حزب معارض، ويؤكد ضرورة ضمان ألا تستخدم القضايا المالية والاقتصادية وسيلة للضغط على المعارضين أو التأثير في نشاطهم السياسي.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -مراجعة الأحكام القاسية في الطور الاستئنافي، مع تمكين هيئة الدفاع من مناقشة جميع الوثائق والمعطيات المتعلقة بعمليات البيع وطلبات العروض والبتات العمومية.
- -تحديد المسؤولية الفردية لكل متهم على أساس أفعال وأدلة واضحة، وعدم الاكتفاء بربطه بالصفقات أو عمليات الاقتناء محل القضية.
- -التحقيق في دور ومسؤولية الجهات العمومية التي أشرفت على تقييم الأملاك المصادرة وبيعها والمصادقة على عمليات التفويت.
- -الكف عن اعتبار مجرد شراء أملاك مصادرة عبر إجراءات رسمية دليلًا كافيًا على الفساد أو غسل الأموال دون إثبات تحقيق المنفعة غير المشروعة أو المصدر غير القانوني للأموال.
- -ضمان مراجعة مستقلة للادعاءات المتعلقة بالإخلالات التي أثارتها هيئة الدفاع خلال البحث والتحقيق والمحاكمة.
- -ضمان عدم توظيف القضية للضغط على رياض بن فضل بسبب صفته السياسية أو نشاطه داخل حزب معارض، والفصل الكامل بين التتبع الجزائي والمواقف السياسية.
- -تمكين جميع المحكوم عليهم من حق فعلي في الاستئناف ومحاكمة عادلة تحترم قرينة البراءة وحقوق الدفاع والحق في مناقشة الأدلة والخبرات بصورة كاملة.




