02 جوان (يونيو) 2026 – يدين مرصد الحرية لتونس بشدة الأحكام الابتدائية الصادرة عن الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ“الجهاز السري لحركة النهضة”، والتي تراوحت بين السجن مدى الحياة والسجن لمدة 10 سنوات، وشملت قيادات سياسية بارزة، وإطارات أمنية سابقة، وعددًا من المحالين في حالة فرار أو إيقاف أو سراح.
ويعتبر المرصد أن هذه الأحكام، بما تضمنته من عقوبات قاسية وغير مسبوقة، تمثل مجزرة قضائية وسياسية جديدة في تونس، خاصة أنها صدرت في ملف تحيط به منذ بدايته شبهات جدية تتعلق بالتسييس، وضعف البناء الإثباتي، والاعتماد على شهادات سجناء ومتهمين في قضايا أخرى، ودمج ملفات مستقلة، وتوسيع الاتهامات تحت عناوين فضفاضة من قبيل الإرهاب وأمن الدولة والتخابر.
وبحسب المعطيات القضائية، فقد قضت المحكمة بثبوت إدانة المتهمين من أجل جرائم تكوين وفاق إرهابي، والانضمام عمدًا، بأي عنوان كان، داخل تراب الجمهورية، إلى وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية، ووضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاق إرهابي وعلى ذمة أشخاص لهم علاقة بالجرائم الإرهابية، إلى جانب جرائم إرهابية أخرى منصوص عليها بقانون مكافحة الإرهاب.
ويرى المرصد أن استعمال هذه التكييفات الخطيرة في ملف سياسي المنشأ، دون نشر حيثيات الحكم كاملة ودون تقديم أدلة مادية واضحة للرأي العام حول الأفعال الفردية المنسوبة إلى كل متهم، يعمّق المخاوف من توظيف قانون مكافحة الإرهاب لتصفية الخصوم السياسيين وإعادة تشكيل المشهد العام عبر القضاء.
تفاصيل الأحكام الصادرة:
تراوحت الأحكام بين السجن مدى الحياة مع 96 سنة سجنًا في حق مصطفى خذر، والسجن مدى الحياة مع 76 سنة سجنًا في حق رضا الباروني والطاهر بوبحري وكمال العيفي وسبعة متهمين آخرين.
كما قضت المحكمة بالسجن مدى الحياة مع 50 سنة سجنًا في حق فتحي البلدي، وبالسجن مدى الحياة مع 37 سنة سجنًا في حق عبد العزيز الدغسني، وبالسجن مدى الحياة مع 32 سنة سجنًا في حق كمال البدوي، وبالسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجنًا في حق سمير الحناشي، وبالسجن مدى الحياة مع 30 سنة سجنًا في حق رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.
وشملت بقية الأحكام السجن 48 سنة في حق قيس بكار، والسجن 46 سنة في حق بلحسن النقاش، والسجن 42 سنة في حق وزير الداخلية الأسبق علي العريض، والسجن 34 سنة في حق علي الفرشيشي، إضافة إلى أحكام بالسجن لمدة 18 سنة في حق ثلاثة متهمين، وأحكام بالسجن لمدة 12 سنة في حق أربعة متهمين، وأحكام بالسجن لمدة 10 سنوات في حق متهمين اثنين.
كما قضت المحكمة بوضع كل واحد من المتهمين تحت المراقبة الإدارية لمدة خمسة أعوام، وهو ما يضيف إلى العقوبات السجنية الثقيلة قيودًا لاحقة على الحرية والتنقل والحياة المدنية، حتى بعد انقضاء العقوبات الأصلية أو ما يمكن أن يترتب عنها في مراحل التقاضي اللاحقة.
35 متهمًا في ملف ذي صبغة إرهابية:
مثل في هذه القضية ذات الصبغة الإرهابية 35 متهمًا، من بينهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الموقوف في قضايا أخرى، ونائبه ووزير الداخلية الأسبق علي العريض، إضافة إلى عدد من الإطارات الأمنية السابقة، ومصطفى خذر، المتهم في ما يُعرف أيضًا بقضية “الغرفة السوداء”.
وتؤكد هذه التركيبة أن الملف لم يعد مجرد قضية جزائية محدودة، بل تحول إلى محاكمة سياسية وأمنية واسعة، شملت قيادات حزبية وإطارات أمنية وأشخاصًا سبق إدراج أسمائهم في ملفات أخرى. وهذا التداخل بين الملفات والأسماء والوضعيات القضائية يطرح إشكالًا جوهريًا حول سلامة الإسناد الفردي للتهم، وحول مدى احترام مبدأ شخصية المسؤولية الجزائية.
فالعدالة الجنائية لا تقوم على الانتماء السياسي، ولا على الموقع السابق داخل الدولة، ولا على الربط العام بين أشخاص وملفات، بل على تحديد دقيق للفعل المنسوب إلى كل متهم، والدليل الذي يثبت ذلك الفعل، والرابطة السببية بينه وبين الجريمة موضوع المحاكمة.
خلفية القضية ومسارها القضائي:
أُثير ملف هذه القضية مطلع سنة 2022 إثر شكوى قدمتها النيابة العمومية وفريق الدفاع عن السياسيين الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا تباعًا في فيفري وجويلية من سنة 2013.
وقد اتهم فريق الدفاع عن بلعيد والبراهمي ما يسميه “الجهاز السري للنهضة” بالتورط في اغتيالهما، وبممارسة التجسس واختراق مؤسسات الدولة. كما اتهم بعض قيادات الحركة، وعلى رأسهم راشد الغنوشي، بتسيير هذا الجهاز السري والإشراف عليه.
وكانت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بأريانة قد تعهدت، في بداية الأمر بالملف، قبل أن تقرر في سبتمبر 2023 التخلي عنه لفائدة القطب القضائي لمكافحة الإرهاب. ويعتبر مرصد الحرية لتونس أن هذا النقل القضائي، في سياق سياسي اتسم منذ 25 جويلية 2021 بتصاعد ملاحقة المعارضين السياسيين، يطرح أسئلة مشروعة حول دوافع إعادة تكييف الملف وتوسيعه وإضفاء الصبغة الإرهابية عليه.
ولا يعترض المرصد على حق القضاء في التحقيق في الاغتيالات السياسية أو في أي شبهات جدية تتعلق باختراق مؤسسات الدولة، لكنه يؤكد أن هذا الحق يجب أن يمارس في إطار قضاء مستقل ومحايد وشفاف، لا في إطار مسارات تبدو وكأنها تعيد تدوير ملفات سياسية قديمة وتحولها إلى قضايا إرهاب وأمن دولة.
أحكام قاسية تتجاوز منطق العقوبة إلى منطق التصفية السياسية:
إن الحكم بالسجن مدى الحياة مرفقًا بعقوبات إضافية تبلغ 96 سنة أو 76 سنة أو 50 سنة أو 30 سنة لا يمكن قراءته فقط بوصفه حكمًا جزائيًا عاديًا. فهذه الأحكام، من حيث حجمها ورمزيتها وسياقها، تحمل طابعًا سياسيًا واضحًا، وتبدو أقرب إلى منطق الإقصاء النهائي من الحياة العامة والسياسية منه إلى منطق العدالة الجنائية المتناسبة.
ويحذر مرصد الحرية لتونس من أن العقوبات غير المتناسبة، خصوصًا في القضايا ذات الخلفية السياسية، تتحول إلى رسائل ترهيب واسعة تتجاوز الأشخاص المحكوم عليهم لتطال كل الفاعلين السياسيين والمدنيين. فالرسالة التي تنتجها هذه الأحكام هي أن الخصومة السياسية قد تنتهي بعقوبات مدى الحياة، وأن الانتماء أو القرب من تيار سياسي معين قد يتحول إلى قرينة إدانة ضمن ملفات ذات طابع أمني.
كما يؤكد المرصد أن خطورة التهم لا تعفي المحكمة من واجب التسبيب الدقيق. بل على العكس، كلما كانت التهم أخطر والعقوبات أثقل، كان واجب المحكمة في بيان الأدلة الفردية أوضح وأشد. أما الاكتفاء بسردية عامة حول “جهاز سري” أو “وفاق إرهابي” دون بيان علني مفصل لدور كل متهم، فإنه يمسّ جوهر المحاكمة العادلة ومبدأ شخصية العقوبة.
ملف سياسي المنشأ وشهادات محل جدل:
يذكّر مرصد الحرية لتونس بأن هذا الملف ظل، منذ بداياته، محاطًا بمؤشرات جدية على الطابع السياسي. فقد انطلق في سياق اتهامات متبادلة بين أطراف سياسية، ثم أُعيد إحياؤه وتوسيعه بعد سنة 2021، قبل أن يُنقل إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، وتضاف إليه تكييفات شديدة الخطورة.
كما أن جزءًا مهمًا من البناء الاتهامي، وفق ما عرضته هيئة الدفاع ومعطيات الجلسات، قام على شهادات سجناء أو متهمين في قضايا أخرى، من بينهم فتحي دمق، وشفيق الجراية، وعامر البلعزي، وشاهد سري يُشار إليه باسم “طارق 1”، إضافة إلى روايات أخرى من داخل السجون.
ويرى المرصد أن الشهادة الصادرة عن سجين أو متهم في قضية أخرى لا تكون باطلة آليًا، لكنها تحتاج إلى أعلى درجات التدقيق، بسبب احتمال وجود مصلحة شخصية للشاهد، أو إمكانية تعرضه لضغوط، أو استعماله لتحسين وضعيته القضائية أو السجنية. ولا يجوز، في دولة قانون، أن تُبنى أحكام بالسجن مدى الحياة وعشرات السنين على شهادات من هذا النوع دون أدلة مادية مستقلة، واضحة، وقابلة للمناقشة.
دمج ملفات مستقلة وتوسيع الاتهامات:
من أبرز الإشكالات التي يطرحها الملف أيضًا دمج قضايا ومسارات مختلفة ضمن سردية واحدة. فقد جرى ربط قضية “الجهاز السري” بملف مصطفى خذر، وبقضية فتحي دمق، وبمعطيات أخرى ذات صلة بملفات سياسية وأمنية متفرقة.
ويؤكد المرصد أن دمج الملفات لا يكون مشروعًا إلا إذا وجدت رابطة قانونية وواقعية واضحة ومثبتة. أما تحويل ملفات مستقلة، بعضها سابق زمنيًا وبعضها ذو طبيعة مختلفة، إلى بناء اتهامي واحد ضد طرف سياسي بعينه، فيهدد مبدأ المحاكمة العادلة ويجعل المتهمين في مواجهة سردية سياسية واسعة بدل مواجهة أفعال محددة.
وتزداد خطورة هذا الدمج عندما تُضاف إلى الملف تهم من قبيل التخابر أو وضع الكفاءات والخبرات على ذمة وفاق إرهابي، دون أن تكون للرأي العام أو الدفاع إمكانية كافية للاطلاع على الأدلة المادية التفصيلية التي تثبت هذه الأفعال لكل متهم على حدة.
حق الدفاع وضرورة نشر حيثيات الحكم:
يشدد مرصد الحرية لتونس على أن المرحلة المقبلة، وخاصة مرحلة الطعن، يجب أن تكون مناسبة لإعادة فحص الملف بجدية، ونشر حيثيات الحكم كاملة، وتمكين الدفاع من مناقشة الأدلة والشهود والتكييفات القانونية دون تضييق أو ترهيب.
ويؤكد المرصد أن ملفا بهذه الخطورة، لا يكفي أن تُعلن المحكمة منطوق الأحكام فيه دون وضوح وتعليل الوقائع التي اعتبرتها ثابتة في حق كل متهم، والأدلة التي استندت إليها في تكوين قناعتها، والرابطة القانونية والواقعية بين كل متهم والجرائم المنسوبة إليه. كما يفترض أن يتضمن الحكم ردًا معللًا على الدفوع الجوهرية التي أثارها الدفاع، خاصة ما تعلق بتضارب الشهادات، ووضعية الشهود ومصالحهم المحتملة، ومسار نقل الملف، ودمج قضايا مستقلة ضمن قضية واحدة، وغياب الأدلة المادية المباشرة.
وأي حكم لا يناقش هذه المسائل بجدية وشفافية سيظل، مهما استوفى شكله الإجرائي، محل طعن حقوقي جوهري. فالمحاكمة العادلة لا تختزل في إصدار عقوبات، بل تقوم على مسار كامل من الضمانات، يبدأ من البحث والتحقيق، ويمرّ بتمكين الدفاع من مناقشة الأدلة والشهود، وينتهي بحكم معلّل يشرح للرأي العام ولأطراف القضية لماذا وكيف انتهت المحكمة إلى الإدانة.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعتبر مرصد الحرية لتونس أن الأحكام الصادرة في قضية “الجهاز السري” تمثل محطة خطيرة جديدة في مسار تسييس القضاء واستعمال الدوائر المختصة في قضايا الإرهاب لتصفية الخصومات السياسية. كما يرى المرصد أن قسوة الأحكام، وطبيعة التهم، ومصدر الشهادات، ومسار نقل الملف، ودمج القضايا، كلها عناصر تجعل هذه المحاكمة محل قلق حقوقي عميق.
ويؤكد المرصد أن كشف الحقيقة في قضيتي اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي واجب وطني وقضائي لا جدال فيه، غير أن هذا الواجب لا يمكن أن يُنجز عبر محاكمات سياسية، ولا عبر شهادات غير مدعومة بأدلة مثبتة، ولا عبر أحكام قاسية تبدو أقرب إلى الانتقام السياسي منها إلى العدالة.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
-إلغاء هذه الأحكام الابتدائية القاسية في مرحلة الطعن، وإعادة النظر في الملف أمام هيئة قضائية مستقلة ومحايدة، تضمن علنية المحاكمة وحقوق الدفاع وقرينة البراءة.
-نشر حيثيات الحكم كاملة، وبيان الأفعال المنسوبة إلى كل متهم على حدة، والأدلة المادية التي اعتمدتها المحكمة، وعدم الاكتفاء بصيغ عامة من قبيل “الجهاز السري” أو “الوفاق الإرهابي” أو “أمن الدولة”.
-فتح مراجعة جدية لكل الشهادات الصادرة عن سجناء أو شهود سريين أو متهمين في قضايا أخرى، وعدم اعتماد أي شهادة غير مدعومة بأدلة مادية مستقلة وقابلة للمناقشة.
كما يدعو المرصد إلى الفصل بين الملفات المستقلة، وعدم استعمال قضية فتحي دمق أو مصطفى خذر أو غيرها من الملفات لإنتاج رواية اتهامية جماعية دون رابطة قانونية وواقعية واضحة.
ويطالب المرصد بضمان حق الدفاع كاملًا في مرحلة الطعن، وتمكين المحامين من مناقشة أصل الملف ومساره وشهاداته وتكييفاته دون تضييق، والتحقيق في كل ادعاء يتعلق بالتضييق على الدفاع داخل الجلسات.
ويؤكد المرصد أن استعمال تهم الإرهاب وأمن الدولة ضد الخصوم السياسيين يمثل خطرًا مباشرًا على دولة القانون، ويدعو إلى وقف هذا المسار فورًا، والإفراج عن كل من لم تثبت ضده أدلة مادية مباشرة، وضمان حق جميع المتهمين في محاكمة عادلة ومستقلة.



