08 مارس (مارس) 2026 – قضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس، بسجن الخطيب الإدريسي٬ وهو خطيب وداعية ديني مدة 8 سنوات، وذلك في القضية المتعلقة بشبهات التحريض على الانضمام إلى تنظيمات إرهابية والسفر إلى بؤر التوتر.
ويأتي هذا الحكم في الطور الاستئنافي بعد أن كانت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس قد قضت بتاريخ 14 جويلية 2025 بسجنه 22 سنة في نفس الملف، قبل أن تقرر محكمة الاستئناف إقرار الإدانة مع التخفيض في العقوبة.
عرض الوقائع:
تعود وقائع القضية إلى سنة 2023 عندما أذنت السلطات القضائية بإيقاف الخطيب الإدريسي رفقة متهمين آخرين في جهة سيدي علي بن عون من ولاية سيدي بوزيد، على خلفية تحقيقات تتعلق بشبهات التحريض على الانضمام إلى تنظيمات إرهابية والسفر إلى بؤر التوتر في سوريا.
وشملت القضية في مجملها ستة متهمين، حيث أُحيل بعضهم بحالة إيقاف في حين تمت إحالة ثلاثة متهمين آخرين بحالة فرار في نفس الملف.
خلفية القضية:
يُذكر أن الخطيب الإدريسي سبق أن تم إيقافه سنة 2015 بموجب بطاقة جلب صادرة عن قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس، قبل أن يتم الإفراج عنه لاحقًا بعد التحقيق معه.
وتندرج هذه القضية ضمن الملفات المرتبطة بظاهرة السفر إلى بؤر التوتر التي عرفت توسعًا خلال السنوات التي تلت الثورة التونسية، والتي تولت المحاكم المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب التعهد بها.
معطيات قدمتها هيئة الدفاع:
تمسكت هيئة الدفاع عن الخطيب الإدريسي بعدد من النقاط الأساسية خلال أطوار المحاكمة، من بينها التشكيك في ثبوت الأفعال المنسوبة إليه والطعن في نسبة بعض التصريحات التي اعتبرتها النيابة العمومية أساسًا للاتهام.
وقدّمت الهيئة جملة من التوضيحات خلال أطوار التحقيق والمحاكمة، من بينها ما تعلق بمقطع فيديو تم عرضه خلال التحقيقات يتضمن مقولة نُسبت إلى المتهم وقد استعملت في سياق مراسم تنصيب ما يسمى “خليفة داعش”.
وبحسب ما أكده الدفاع، فقد سُئل الإدريسي أثناء التحقيق عمّا إذا كان الصوت الوارد في الفيديو يعود إليه، إلا أنه نفى أن يكون الصوت صوته، مع إقراره بأن العبارة الواردة في المقطع هي من الأقوال التي سبق أن ذكرها في إحدى الخطب الدينية داخل تونس.
وأضاف الدفاع أن مثل هذه العبارات يمكن إعادة توظيفها أو تركيبها في سياقات مختلفة في العصر الرقمي، مؤكدًا أن استعمال مقاطع صوتية أو خطب دينية خارج سياقها الأصلي أمر ممكن تقنيًا.
كما أفادت هيئة الدفاع أنها قامت بعرض النص المذكور على مختصين في الخطاب الديني، الذين اعتبروا أن العبارة في حد ذاتها لا تتضمن دعوة صريحة إلى العنف أو التحريض على الإرهاب.
كما أثارت هيئة الدفاع إشكالًا قانونيًا يتعلق بالأساس التشريعي الذي استند إليه الحكم الصادر في حق موكلها. فقد اعتبر المحامون أن إدانة الخطيب الإدريسي بالسجن استندت إلى تطبيق الفصل 13 من القانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرخ في 10 ديسمبر 2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، رغم أن هذا النص تم إلغاؤه بموجب القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 7 أوت 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال.
وأضاف الدفاع أن القانون الجديد نصّ صراحة في فصله 142 على إلغاء الأحكام المخالفة له، بما في ذلك القانون المذكور، معتبرًا أن تطبيق نص قانوني ملغى يبطل هذا الحكم ويستوجب التدقيق من قبل محكمة التعقيب.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يتابع مرصد الحرية لتونس هذا الملف بقلق، خاصة بالنظر إلى الوضعية الصحية والإنسانية للخطيب الإدريسي البالغ من العمر 73 سنة والذي يعاني من إعاقة بصرية كاملة، وهو ما يستوجب مراعاة خاصة لظروف إيقافه ووضعه داخل السجن.
ويلاحظ المرصد أن التخفيض الكبير للعقوبة من 22 سنة إلى 8 سنوات في الطور الاستئنافي يعكس وجود اختلاف جوهري في تقدير الوقائع والعقوبة بين درجتي التقاضي، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى تناسب الأحكام الابتدائية مع طبيعة الأفعال المنسوبة للمتهمين.
كما يشدد المرصد على أن القضايا المرتبطة بمكافحة الإرهاب تظل من أكثر القضايا حساسية، وهو ما يفرض التقيد الصارم بمعايير المحاكمة العادلة وضمان أن تكون الإدانة مبنية على أدلة مادية واضحة ومباشرة، بعيدًا عن التأويلات أو الاستنتاجات غير المدعومة بقرائن قانونية ثابتة.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -مراجعة الحكم الصادر في القضية والتثبت من سلامة الأساس القانوني المعتمد فيه.
- -مراعاة الوضعية الإنسانية والصحية للخطيب الادريسي خاصة وأنه من ذوي الإعاقة عند تنفيذ العقوبات السجنية.
- -احترام جميع ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع في القضايا ذات الصبغة الإرهابية.
- -التأكد من أن الأحكام القضائية تستند إلى أدلة مادية واضحة ومباشرة تثبت الأفعال المنسوبة للمتهمين.
- -تجنب التوسع في التجريم على أساس الآراء أو الخطاب الفكري أو الدعوي في غياب أفعال مادية مثبتة قانونًا.




