06 أفريل (أبريل) 2026 – قررت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس حجز ملف القضية المرفوعة ضد العميد السابق للمحامين والرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد شوقي الطبيب، وذلك إثر الجلسة تمهيدًا لتحديد موعد لاحق لاستكمال النظر في القضية.
ومثل شوقي الطبيب بحالة سراح أمام هيئة الدائرة، حيث يواجه تهمًا تتعلق بالتدليس ومسك واستعمال مدلس من قبل موظف عمومي، وذلك على خلفية أفعال منسوبة إليه خلال فترة إشرافه على الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
وخلال الجلسة، تقدم عدد من المحامين بإعلامات نيابة جديدة في حق المتهم، مطالبين بتأخير النظر في القضية لتمكينهم من الاطلاع على الملف وإعداد وسائل الدفاع، وهو ما تم الاستجابة له، حيث قررت المحكمة حجز الملف لتحديد موعد الجلسة القادمة.
خلفية القضية:
يعود هذا الملف إلى شكاية تقدّم بها وكيل شركة ساهم فيها رئيس الحكومة الأسبق إلياس الفخفاخ سنة 2020، وذلك على خلفية تعهد الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، خلال رئاسة الطبيب لها، بالتقصي في شبهات استغلال نفوذ وتضارب مصالح تتعلق بذلك الملف.
وتؤكد هيئة الدفاع أن هذه القضية تعتبر الملف الرابع الذي يُحال فيه شوقي الطبيب على القضاء في وقائع مرتبطة جميعها بفترة توليه رئاسة الهيئة، في سياق مسار استهدافه منذ إقالته من رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بتاريخ 20 أوت 2020 بقرار من رئيس الحكومة الياس الفخفاخ، بعد فتحه لملف تضارب المصالح المتعلق به.
كما تشير هيئة الدفاع إلى أن الطبيب خضع خلال شهري أوت وسبتمبر 2021 للإقامة الجبرية، وتعرض لاحقًا، إلى أضرار مادية ومعنوية جسيمة نتيجة حملات تشويه ووصم، تلاها صدور قرارين بتحجير السفر في حقه.
وتضيف الهيئة أن الملف محل التتبع الحالي يتعارض مع المرسوم الإطاري عدد 120 لسنة 2011 المنظم للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وخاصة الفصل 26 منه، الذي ينص على أن رئيس الهيئة وأعضاء جهاز الوقاية والتقصي يتمتعون بالحصانة ضد التتبعات فيما يتعلق بممارسة المهام الموكولة إليهم. كما تؤكد أن الوقائع التي أُحيل بسببها الطبيب سبق أن تعهدت بها لجان تحقيق برلمانية وحكومية، وأن ما سيتكشف عنه البحث لا يخرج عن نفس الوقائع التي كانت محل نظر سابق.
وتربط هيئة الدفاع هذه الإحالة بسلسلة من المضايقات والهرسلة الجبائية والجزائية التي استهدفته خلال السنوات الأخيرة، مشيرة كذلك إلى تعرضه لاعتداءات مادية أثناء رئاسته للهيئة، من بينها تهشيم سيارته ثلاث مرات وخلع أبواب منزله وتلقيه تهديدات علنية بالقتل، مع عدم البت في عدد كبير من الشكاوى التي تقدم بها إلى اليوم.
حجج هيئة الدفاع:
تتمسك هيئة الدفاع عن شوقي الطبيب بأن الشكاية التي انبنى عليها الملف ذات طابع كيدي، وأن إحالة منوبها على أنظار القطب القضائي المالي تمثل خرقًا قانونيًا جسيمًا، سواء من حيث فتح باب التتبع أمام مئات الملفات التي تعهدت بها الهيئة وأحالتها على القضاء، أو من حيث تعارضها مع الحصانة الوظيفية التي يمنحها القانون لرئيس الهيئة وأعضائها فيما يتصل بأداء مهامهم.
كما تؤكد أن الوقائع موضوع التتبع سبق أن كانت محل أعمال بحث وتحقيق من قبل جهات برلمانية وحكومية، وأن إعادة توجيهها اليوم في شكل قضية جزائية ضد رئيس الهيئة السابق لا يمكن فصلها عن دوره السابق في كشف شبهات فساد وتضارب مصالح داخل أجهزة الدولة. وترى الهيئة أيضًا أن هذا المسار يندرج ضمن سياسة استنزاف قضائي ومالي ومعنوي استهدفت الطبيب منذ أكثر من خمس سنوات، عبر شكايات وقضايا متفرقة مرتبطة كلها تقريبًا بفترة إشرافه على الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يسجل مرصد الحرية لتونس أن ملاحقة مسؤول سابق على رأس هيئة رقابية مستقلة، في ملفات مرتبطة مباشرة بفترة ممارسته لمهامه، تفرض درجة عالية من التدقيق في سلامة التكييف القانوني وفي مدى احترام الضمانات المقررة قانونًا للهيئات الرقابية وأعضائها.
ويعبر المرصد عن قلقه من أن تتحول التتبعات القضائية ضد مسؤولين سابقين في مؤسسات رقابية إلى أداة لإعادة تأويل الأعمال الرقابية بأثر رجعي، بما قد يفرغ وظيفة مكافحة الفساد من محتواها ويبعث رسائل ترهيب إلى كل من يتولى لاحقًا مسؤوليات مماثلة.
كما يسجل المرصد أن المعطيات التي قدمتها هيئة الدفاع، وخاصة ما تعلق بطابع الشكاية، والحصانة الوظيفية، وتعدد الإحالات المرتبطة بنفس الفترة، تستوجب تدقيقا قضائيًا صارمًا، وتطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ الأمن القانوني وعدم توظيف القضاء في تصفية حسابات مؤسساتية أو سياسية.
ويؤكد المرصد أن تمكين الدفاع من الوقت الكافي للاطلاع على الملف وإعداد وسائل الدفاع ليس مسألة إجرائية ثانوية، بل يمثل أحد الشروط الأساسية للمحاكمة العادلة، خاصة في القضايا المعقدة ذات الخلفيات المؤسسية والسياسية.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -احترام جميع ضمانات المحاكمة العادلة، وخاصة حق الدفاع في الاطلاع الكامل على الملف وإعداد وسائل الدفاع في آجال معقولة.
- -التدقيق القضائي الجدي في مدى انطباق الحصانة الوظيفية المقررة لرئيس وأعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد على الوقائع موضوع التتبع.
- -وضع حدّ لتعدد الإحالات والتتبعات المرتبطة بنفس الفترة والوقائع، تفاديًا لاستعمال القضاء كأداة استنزاف أو هرسلة.
- -الكفّ عن توظيف التتبعات القضائية في استهداف المسؤولين السابقين في الهيئات الرقابية بسبب الأعمال التي باشروا بها في إطار مهامهم.
- -احترام قرينة البراءة وعدم تقديم المتهمين كمدانين قبل صدور أحكام قضائية باتة.




