02 فيفري (فبراير) 2026 – يُعبّر مرصد الحرية لتونس عن بالغ قلقه واستنكاره إزاء القرار الصادر أواخر شهر جانفي 2026 عن محكمة التعقيب، القاضي برفض جميع الطعون المقدّمة في قضية وفاة الشاب عمر العبيدي، وتثبيت الحكم الاستئنافي القاضي بسنة سجن مع تأجيل التنفيذ في حق اثني عشر عون أمن، بما يُنهي مسار التقاضي في هذه القضية التي هزّت الرأي العام التونسي منذ سنة 2018.
ويُذكّر المرصد بأن عمر العبيدي توفّي يوم 31 مارس 2018 إثر مطاردة أمنية انطلقت من محيط الملعب الأولمبي برادس وانتهت قرب وادي مليان، في واقعة تحوّلت فيها عبارة “تعلّم عوم” إلى رمز وطني للاحتجاج على العنف الأمني والإفلات من العقاب. وقد مثّلت هذه القضية، منذ بدايتها، اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الدولة التونسية بحق الحياة وبمبادئ المساءلة وعدم التمييز أمام القانون.
ويلاحظ مرصد الحرية لتونس أن مسار القضية، الذي امتدّ لأكثر من سبع سنوات، انتهى بعقوبة مخفّفة ومؤجّلة التنفيذ، بعد أن تمّ في الحكم الابتدائي الصادر في 3 نوفمبر 2022 إدانة الأعوان من أجل القتل غير العمد والحكم عليهم بعامين سجن، قبل أن تُخفَّض العقوبة في مرحلة الاستئناف إلى سنة واحدة مع تأجيل التنفيذ، وهو الحكم الذي تمّ تثبيته اليوم تعقيبيًا. ويعتبر المرصد أن هذا المآل القضائي لا يتناسب مع جسامة الوقائع ولا مع خطورتها، ولا يلبّي الحدّ الأدنى من تطلعات الضحية وعائلته والمجتمع إلى عدالة ناجزة ورادعة.
كما يُشدّد المرصد على أن الإشكال الجوهري في هذه القضية لا يقتصر على مقدار العقوبة، بل يشمل التكييف القانوني المعتمد منذ البداية، والذي حُصر في خانة “القتل على وجه الخطأ”، رغم ما أثير طيلة سنوات من شبهات حول طبيعة المطاردة الأمنية، وملابساتها، ومسؤولية الأعوان المباشرة وغير المباشرة في تعريض الضحية لخطر داهم أفضى إلى وفاته. ويرى المرصد أن الإصرار على هذا التكييف الضيّق ساهم في إفراغ المحاسبة من مضمونها الحقيقي.
ويُنبّه مرصد الحرية لتونس كذلك إلى أن عدم إيقاف المتهمين فعليًا ولو ليوم واحد طوال جميع أطوار القضية، وما انتهى إليه الحكم من عقوبة مؤجلة التنفيذ، يبعث برسالة خطيرة مفادها أن أعوان الأمن يتمتعون بحصانة غير معلنة، ويُقوّض ثقة المواطنين في القضاء، ويُعزّز الإحساس العام بالإفلات من العقاب، خاصة في القضايا التي يكون فيها الضحية شابًا أعزل في مواجهة أجهزة الدولة.
ويؤكد المرصد أن هذا القرار التعقيبي، وإن أنهى الملف قضائيًا من الناحية الشكلية، فإنه لا يُغلقه أخلاقيًا ولا حقوقيًا، بل يُبقيه مفتوحًا كجرح في الذاكرة الجماعية، ودليل إضافي على الحاجة الملحّة إلى إصلاح عميق لمنظومة المحاسبة في قضايا الانتهاكات الجسيمة، وضمان استقلال القضاء وحياده الفعلي عندما تكون أجهزة الأمن طرفًا في النزاع.




