شهدت مدينة قابس يوم الجمعة 23 ماي 2025 تحرّكًا احتجاجيًّا سلميًّا شارك فيه نشطاء بيئيون وعدد من الأهالي أمام مقر الولاية، للتنديد باستمرار التلوّث الصناعي في المنطقة والمطالبة بالعدالة البيئية. رفع المتظاهرون شعارات تُطالب بتفكيك وحدات المجمع الكيميائي الملوّثة وتنفيذ قرار حكومي صدر عام 2017 يقضي بإزالة هذه المنشآت، إضافةً إلى إيقاف مشروع “الهيدروجين الأخضر” الجديد الذي أثار مخاوف السكان. تعبّر هذه المطالب عن استياء عام إزاء تدهور الوضع البيئي في قابس التي عانت طويلًا من آثار التلوث على صحة الأهالي وموارد رزقهم.
في أعقاب احتجاج 23 ماي، تدخلت قوات الأمن لتفريق المتظاهرين، وتعرض بعض النشطاء للعنف والاعتقال. من بين المعتقلين الناشط المدني دالي الرتيمي وشابان آخران من المشاركين في الاحتجاج. تفيد شهادات موثوقة بأن إيقاف دالي الرتيمي جاء بعد محاولته حماية أحد المواطنين الذي كان عرضةً لعنف مفرط من قبل عناصر أمنية أثناء المظاهرة. حسب روايات شهود العيان، انهال أعوان الأمن بالضرب العنيف على الرتيمي عند اعتقاله واقتادوه إلى منطقة الأمن الوطني في قابس، حيث تعرّض لشتى صنوف التنكيل وسوء المعاملة وحتى التعذيب خلال احتجازه، فيما اعتبره محاموه عملًا انتقاميًّا منه بسبب دفاعه عن أحد المحتجين. كما أفاد محامو الدفاع بأن ناشطًا آخر معتقل إلى جانب الرتيمي قد تعرّض أيضًا للعنف الشديد أثناء الإيقاف. تشكّل هذه الاتهامات انتهاكًا جسيمًا لحظر التعذيب وسوء المعاملة المنصوص عليه في القانون التونسي والقانون الدولي لحقوق الإنسان – بما في ذلك الفصل 25 من الدستور التونسي الذي يضمن كرامة الفرد وسلامته الجسدية ويمنع التعذيب، والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التي صادقت عليها تونس.
برّرت الجهات الرسمية ما حدث برواية مغايرة تتحدث عن وجود عناصر مندسّة وأعمال شغب. فبحسب الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية بقابس، عبد الرؤوف العدوني فإنه “حوالي الساعة الخامسة والربع مساء ذلك اليوم وبعد انتهاء الوقفة الاحتجاجية السلمية، حاول قرابة 50 شخصًا ملثّمًا الاندساس بين المحتجين لإحداث الفوضى واستغلال التحرك لممارسة العنف”. ويدعي المصدر الرسمي أنّ “مجموعة أخرى من الملثمين اشتبكت مع القوات الأمنية ورشقتها بالحجارة عقب انتهاء التحرك، مما دفع الأمن إلى تفريقها وإلقاء القبض على 3 أشخاص”. كما تزعم السلطات العثور على قوارير مولوتوف حارقة بحوزة بعض الموقوفين. وجرى وفق هذه الرواية استنطاق المعتقلين الثلاثة وإحالتهم على القضاء بحالة إيقاف.
وبحلول يوم 26 ماي أصدرت المحكمة بطاقات إيداع بالسجن في حق دالي الرتيمي ومعز راجحي وأنيس شتونة على ذمّة التحقيق.
ووجّهت إليهم تهم جنائية خطيرة تضمنت “المشاركة في تجمهر من شأنه الإخلال بالراحة العامة قصد ارتكاب جريمة ” و “الاعتداء بالعنف الشديد على موظف عمومي حال مباشرته لوظيفه” بحسب الفصول 79 و127 من المجلة الجزائية. هذه الاتهامات الرسمية تُصوِّر النشطاء كمجرمين خطرين، وتبرز أن السلطات تتعامل مع احتجاج بيئي سلمي كأنه تهديد أمني خطير، وهو ما يتنافى مع حق التظاهر السلمي المكفول دستوريا ودوليا. تجدر الإشارة إلى أنّ حرية التجمع والتعبير مضمونة في الدستور التونسي وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الفصول 22 و26 و37 و19 على التوالي)، ولا يجوز تقييدها أو تجريم ممارستها المشروعة بهذه الصورة التعسفية. ويعتبر المرصد أن تكييف احتجاج سلمي على أنه “وفاق إجرامي” وإحالة المشاركين فيه على فصول جنائية خطيرة هو تصعيد مقلق يعكس تضييقًا ممنهجًا على الحريات العامة.
وبحلول يوم الأربعاء 28 ماي أصدرت المحكمة في ساعة متأخرة من الليل أحكامًا بالسجن مع النفاذ العاجل ضد دالي الرتيمي لمدة 4 أشهر، وهو شاب يبلغ من العمر 31 عامًا (من أصحاب الشهائد العليا ومعطّل عن العمل) كما تم الحكم على كل من الشاب معز الراجحي (19 عاما وهو تلميذ) والشاب أنس شتونة (17 عاما وهو تلميذ) بالسجن لمدة شهرين لكل منهما.

أثارت هذه الأحداث موجة تنديد من قبل منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان في تونس. فقد أصدرت 14 جمعية ومنظمة حقوقية بيانًا مشتركًا بتاريخ 26 ماي 2025 دعت فيه إلى الإطلاق الفوري لسراح دالي الرتيمي وبقية شباب قابس الموقوفين على خلفية الاحتجاج البيئي. وأكدت المنظمات أن الاحتجاج محل النزاع كان سلميًا وجاء تعبيرًا عن غضب شعبي مشروع ضد استمرار التلوث الصناعي وتلكؤ السلطات في تفكيك منشآت المجمع الكيميائي الملوّثة. كما شدّدت على أن إيقاف النشطاء تم على خلفية مشاركتهم في هذا التحرّك السلمي، منددةً بما وصفته “تلفيق تهم كيدية” لهم من قبيل الإعتصاء (المقاومة عند الإيقاف) وهضم جانب موظف عمومي وتكوين وفاق إجرامي. واعتبرت المنظمات أن هذه التهم المفبركة تهدف إلى ترهيب النشطاء ومعاقبتهم على ممارسة حقهم في الاحتجاج، مطالبةً بسقوطها فورًا. كما دعت منظمة العفو الدولية بتونس والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وبقية الموقعين السلطاتِ القضائية إلى فتح تحقيق عاجل في شبهات التعذيب وسوء المعاملة التي تعرض لها الرتيمي ورفاقه أثناء الاحتجاز، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تلك الانتهاكات. وشددوا على ضرورة التزام النيابة العمومية بدورها الدستوري في حماية الحقوق والحريات بدلًا من التستّر على التجاوزات. كذلك طالبت المنظماتُ وزارة الداخليّة بإجراء بحث إداري مستقل في تجاوزات أعوانها ومحاسبة المسؤولين عنها. وفي السياق ذاته، نفذ أهالي قابس ونشطاء وقفة تضامنية أمام المحكمة الابتدائية بقابس يوم 26 ماي (بالتزامن مع عرض الموقوفين على القضاء) للمطالبة بإطلاق سراحهم فورًا. ورفع المشاركون شعارات تندد بعنف الشرطة واستهداف المدافعين عن البيئة، مؤكدين أن التلوث في قابس بات معضلةً خطيرة تتطلب حلاً جذريًا بدل ملاحقة من يدافع عن حق الأهالي في بيئة سليمة. وقد صرّح الناشط البيئي سيف الدين العيّادي أثناء الوقفة بأن الموقوفين ومن ضمنهم دالي الرتيمي لم يقترفوا جرمًا بل حاولوا منع الأمن من مواصلة الاعتداء على أحد المواطنين خلال الاحتجاج، مشددًا على الطبيعة السلمية لتحركهم. هذا التضامن الشعبي يعكس وعيًا متزايدًا بخطورة المساس بالحريات الأساسية، ويرسل رسالة بأن القمع لن يثني نشطاء قابس عن المطالبة بحقهم في بيئة نظيفة وآمنة.
تخللت أحداث قابس (23 ماي 2025) انتهاكات جسيمة٬ أولها الاعتداء البدني العنيف على المتظاهرين السلميين، وهو استخدام مفرط للقوة محظور قانونًا. كما أن الاعتقال التعسّفي لنشطاء فقط بسبب مشاركتهم في احتجاج سلمي يمثل خرقًا للفصل 35 من الدستور التونسي (الذي يحظر الاحتجاز دون مبرر قانوني ويكفل قرينة البراءة والإجراءات القانونية السليمة) وكذلك لانتهاك المادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تحظر الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي. أما فيما يتعلق بشبهات التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز فهي في حالة ثبوتها تشكّل انتهاكًا صارخًا للفصل 25 من الدستور (الذي يضمن حرمة الجسد) والمادة 7 من العهد الدولي المذكور (التي تحظر التعذيب مطلقًا)، فضلًا عن مخالفة التزامات تونس بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. كما أن توجيه تهم جنائية مبالغ فيها مثل تكوين وفاق إجرامي والاعتداء بالعنف الشديد على موظفين، استنادًا إلى وقائع مشكوك في صحتها (كحيازة قوارير مولوتوف) دون أدلة قاطعة – يقوّض حق المحاكمة العادلة ويثير مخاوف جدية حول تسيس القضاء واستخدامه لقمع حريات التعبير والتجمع. وعليه، يمكن اعتبار ما حصل انتهاكًا لحق المواطنين في الاحتجاج السلمي وفي حماية القانون لهم أثناء ممارستهم لهذا الحق. وطالما لم تُقدَّم أدلة ملموسة تُثبت تورّط الموقوفين في أعمال عنف حقيقية، يبقى اعتقالهم وسَوقهم للمحاكمة بهذا الشكل التعسفي خرقًا لمبدأي الضرورة والتناسب في استعمال القوة وإنفاذ القانون. إن المبدأ الدولي هو أنه “لا يجوز معاقبة أحد على ممارسة حقه في التعبير والتجمع، والمفروض أن تحمي الدولة المتظاهرين السلميين لا أن تعتدي عليهم ” ومن واجب السلطات التونسية أيضًا ضمان التحقيق النزيه في شبهات التعذيب ومعاقبة المسؤولين عنها، التزامًا بتعهداتها الدولية والوطنية، وإلا فإن ثقافة الإفلات من العقاب ستتكرس وتتعمق.
إيقاف النشطاء شاكر بكوش وعلي كنيس وسيف العيّادي وهرسلتهم في مركز حرس بمساكن (26 ماي 2025)
في حادثة منفصلة لكن ذات صلة بأجواء التضييق على حراك قابس البيئي، تعرض ثلاثة نشطاء مدنيين يوم 26 ماي 2025 للإيقاف والتفتيش التعسّفي أثناء تنقلهم بين المدن. فقد أوقفت وحدة من الحرس الوطني التونسي النشطاء شاكر البكّوش وعلي كنيس وسيف الدين العيّادي عند محطة الاستخلاص بالطريق السيّارة في منطقة مساكن (على الطريق السريعة الرابطة بين صفاقس وتونس). جاء هذا الإيقاف أثناء سفرهم وبحوزتهم لافتات وشعارات مكتوبة تتعلق بالتحرك الاحتجاجي في قابس وتضامنًا مع موقوفي احتجاج 23 ماي. وبمجرد عثور أعوان الحرس على تلك الشعارات السلمية داخل السيارة، قاموا بالتعامل مع ركّابها بنوع من الاستفزاز والترهيب. أُخضع النشطاء لتفتيش دقيق واستجواب ميداني حول سبب حيازتهم للافتات ومنشورات تتعلق بقابس، في تجاوز واضح لصلاحيات التفتيش المعتادة وحقوق المواطنين. وذكر النشطاء أن أفراد الدورية تعمّدوا توجيه كلام مهين واستفزازي لهم، فيما يبدو محاولةً لثنيهم عن المشاركة في أي تحركات احتجاجية أو إيصال رسائل مفادها أن النشاط المدني مراقَب ومُعرَّض للعقاب حتى خارج نطاق المظاهرات.

استمر احتجاز الناشطين مؤقتًا لبضع ساعات (ثلاث ساعات) في مركز الحرس بمحطة الاستخلاص، قبل أن يُطلق سراحهم دون توجيه تهم رسمية. لم تقدّم السلطات أي سند قانوني مقنع لإيقافهم؛ إذ أن حيازة لافتات احتجاجية لا تشكل جريمة في حد ذاتها. فلا يوجد في القانون التونسي ما يمنع المواطنين من حمل شعارات معبّرة عن مطالب اجتماعية أو بيئية، كما أن حرية التنقل داخل البلاد مكفولة للجميع ولا يجوز تقييدها إلا بأمر قضائي أو في حالات التلبس بجرم. بالتالي، يعد هذا الإيقاف التعسفي انتهاكًا لحرية التعبير والتنقل والتجمع السلمي. فهو يخرق الفصل 37 من الدستور التونسي الذي يضمن حق الاجتماع والتظاهر السلمي، وكذلك الفصل 24 (حرية التنقل)، فضلًا عن انتهاك المادة 12 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (التي تكفل حرية التنقل) والمادة 19 منه (حرية التعبير عن الرأي). إن مجرد وجود لافتات احتجاجية في سيارة خاصة لا يمكن اعتباره مسوغًا قانونيًا لتفتيش أصحابها أو احتجازهم؛ ويفتقر هذا التصرف من قبل أعوان الأمن إلى أساس قانوني ويرقى إلى معاملة تعسفية. وقد شعر النشطاء أن احتجازهم المؤقت كان رسالة تحذير من السلطات بأن نشاطهم محل رصد وتتبع، مما يخلق مناخ تخويف يهدف إلى كبح حرية التعبير وثني المواطنين الآخرين عن ممارسة حقهم في التظاهر السلمي.
تنطوي هذه الواقعة على جملة من الخروقات٬ يتمثل أولها في الإيقاف دون إذن قضائي أو حالة تلبس بجريمة، مما يجعل الاحتجاز اعتقالًا تعسفيًا مخالفًا للأصول القانونية (الإجراءات الجزائية توجب وجود شبهة جدية أو حالة تلبس لإيقاف الأشخاص).
ثانيها التفتيش غير المبرر لمقتنيات خاصة دون مسوغ قانوني، في انتهاك لحرمة الحياة الخاصة المنصوص عليها دستوريًا. أما سوء المعاملة اللفظية والاستفزاز الذي تعرّض له النشطاء خلال الإيقاف فيمثل انتهاكًا لكرامة الشخص المصونة قانونًا، وقد يرقى إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية إذا ما تجاوز الكلام مستوى معينًا من الإهانة أو التهديد. وبالتالي فإن استهدافهم بهذا الشكل يعد انتقامًا من نشاطهم المدني وتضييقًا على عملهم المشروع في الدفاع عن بيئة قابس وحقوق أهلها.
أحد الموقوفين، هو علي كنيس، وهو ناشط معروف في قضايا العدالة البيئية وحق أهالي جرجيس في معرفة مصير أبنائهم المفقودين في حادثة غرق مركب الهجرة (وقد تعرض سابقًا أيضًا لمضايقات أمنية بسبب ذلك). الى جانب النشطاء شاكر البكّوش وسيف العيادي المعروفين بدفاعهما عن حقوق الأقليات والقضايا الاجتماعية).
إن إيقاف أشخاص كهؤلاء على خلفية حيازتهم شعارات احتجاجية يبعث برسالة سلبية بأن العمل المدني السلمي بات مستهدفًا. وهذا يخالف التزامات تونس الدولية في حماية المدافعين عن حقوق الإنسان بموجب إعلان الأمم المتحدة الخاص بحماية المدافعين (1998) والذي ينص على وجوب توفير الحماية للنشطاء وعدم تعرضهم لأي تقييد أو مضايقة تعسفية بسبب نشاطهم المشروع.
في المحصلة، تُظهر حالتا اعتقال وسجن نشطاء احتجاج قابس (23 ماي) وإيقاف نشطاء مركز مساكن (26 ماي) نمطًا مقلقًا من تصعيد القمع ضد الأصوات المنتقدة والمطالِبة بالحقوق البيئية في تونس. ففي كلا الواقعتين، استخدمت السلطات الأمنية أساليب ترهيب وتهم جنائية مبالغ فيها لكبح حراك اجتماعي سلمي مشروع. هذا التضييق على حرية التجمع والتعبير لا يهدد فقط المكتسبات الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد، بل يضرب أيضًا حق المجتمع المحلي في قابس في المطالبة ببيئة نظيفة وصحية. ومن وجهة نظر القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا يمكن تبرير هذه الانتهاكات تحت أي ذريعة أمنية أو غيرها، فالتزامات الدولة واضحة في ضرورة حماية حق الاحتجاج السلمي ومعاقبة أي تجاوزات تقع من طرف أعوانها.
نداء عاجل
يدعو مرصد “الحرية لتونس” السلطاتِ التونسية إلى الإفراج الفوري عن جميع الموقوفين على خلفية احتجاجات قابس السلمية وإسقاط التهم المجحفة بحقهم، وفتح تحقيقات مستقلة في شبهات التعذيب والاستفزاز الأمني ومحاسبة الضالعين فيها، بالإضافة إلى ضمان حق نشطاء البيئة في التحرك والتعبير دون خوف أو تضييق. إن احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان هو الضامن الوحيد لاستقرار المجتمع ولحل المشاكل البيئية العالقة بطريقة عادلة ومستدامة، بما يلبي تطلعات أهالي قابس في العدالة البيئية ويحفظ كرامة جميع المواطنين دون استثناء.