Skip links

استهداف ممنهج لحراك قابس البيئي: ملاحقة وسجن النشطاء بدل تفكيك المصانع السامة

شهدت مدينة قابس يوم الجمعة 23 ماي 2025 تحرّكًا احتجاجيًّا سلميًّا شارك فيه نشطاء بيئيون وعدد من الأهالي أمام مقر الولاية، للتنديد باستمرار التلوّث الصناعي في المنطقة والمطالبة بالعدالة البيئية. رفع المتظاهرون شعارات تُطالب بتفكيك وحدات المجمع الكيميائي الملوّثة وتنفيذ قرار حكومي صدر عام 2017 يقضي بإزالة هذه المنشآت، إضافةً إلى إيقاف مشروع “الهيدروجين الأخضر” الجديد الذي أثار مخاوف السكان. تعبّر هذه المطالب عن استياء عام إزاء تدهور الوضع البيئي في قابس التي عانت طويلًا من آثار التلوث على صحة الأهالي وموارد رزقهم.

شهدت مدينة قابس يوم الجمعة 23 ماي 2025 تحرّكًا احتجاجيًّا سلميًّا شارك فيه نشطاء بيئيون وعدد من الأهالي أمام مقر الولاية، للتنديد باستمرار التلوّث الصناعي في المنطقة والمطالبة بالعدالة البيئية. رفع المتظاهرون شعارات تُطالب بتفكيك وحدات المجمع الكيميائي الملوّثة وتنفيذ قرار حكومي صدر عام 2017 يقضي بإزالة هذه المنشآت، إضافةً إلى إيقاف مشروع “الهيدروجين الأخضر” الجديد الذي أثار مخاوف السكان. تعبّر هذه المطالب عن استياء عام إزاء تدهور الوضع البيئي في قابس التي عانت طويلًا من آثار التلوث على صحة الأهالي وموارد رزقهم.

في أعقاب احتجاج 23 ماي، تدخلت قوات الأمن لتفريق المتظاهرين، وتعرض بعض النشطاء للعنف والاعتقال. من بين المعتقلين الناشط المدني دالي الرتيمي وشابان آخران من المشاركين في الاحتجاج. تفيد شهادات موثوقة بأن إيقاف دالي الرتيمي جاء بعد محاولته حماية أحد المواطنين الذي كان عرضةً لعنف مفرط من قبل عناصر أمنية أثناء المظاهرة. حسب روايات شهود العيان، انهال أعوان الأمن بالضرب العنيف على الرتيمي عند اعتقاله واقتادوه إلى منطقة الأمن الوطني في قابس، حيث تعرّض لشتى صنوف التنكيل وسوء المعاملة وحتى التعذيب خلال احتجازه، فيما اعتبره محاموه عملًا انتقاميًّا منه بسبب دفاعه عن أحد المحتجين. كما أفاد محامو الدفاع بأن ناشطًا آخر معتقل إلى جانب الرتيمي قد تعرّض أيضًا للعنف الشديد أثناء الإيقاف. تشكّل هذه الاتهامات انتهاكًا جسيمًا لحظر التعذيب وسوء المعاملة المنصوص عليه في القانون التونسي والقانون الدولي لحقوق الإنسان – بما في ذلك الفصل 25 من الدستور التونسي الذي يضمن كرامة الفرد وسلامته الجسدية ويمنع التعذيب، والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التي صادقت عليها تونس.

برّرت الجهات الرسمية ما حدث برواية مغايرة تتحدث عن وجود عناصر مندسّة وأعمال شغب. فبحسب الناطق الرسمي باسم المحكمة الابتدائية بقابس، عبد الرؤوف العدوني فإنه “حوالي الساعة الخامسة والربع مساء ذلك اليوم وبعد انتهاء الوقفة الاحتجاجية السلمية، حاول قرابة 50 شخصًا ملثّمًا الاندساس بين المحتجين لإحداث الفوضى واستغلال التحرك لممارسة العنف”. ويدعي المصدر الرسمي أنّ “مجموعة أخرى من الملثمين اشتبكت مع القوات الأمنية ورشقتها بالحجارة عقب انتهاء التحرك، مما دفع الأمن إلى تفريقها وإلقاء القبض على 3 أشخاص”. كما تزعم السلطات العثور على قوارير مولوتوف حارقة بحوزة بعض الموقوفين. وجرى وفق هذه الرواية استنطاق المعتقلين الثلاثة وإحالتهم على القضاء بحالة إيقاف.

وبحلول يوم 26 ماي أصدرت المحكمة بطاقات إيداع بالسجن في حق دالي الرتيمي ومعز راجحي وأنيس شتونة على ذمّة التحقيق.

ووجّهت إليهم تهم جنائية خطيرة تضمنت المشاركة في تجمهر من شأنه الإخلال بالراحة العامة قصد ارتكاب جريمة و “الاعتداء بالعنف الشديد على موظف عمومي حال مباشرته لوظيفه” بحسب الفصول 79 و127 من المجلة الجزائية. هذه الاتهامات الرسمية تُصوِّر النشطاء كمجرمين خطرين، وتبرز أن السلطات تتعامل مع احتجاج بيئي سلمي كأنه تهديد أمني خطير، وهو ما يتنافى مع حق التظاهر السلمي المكفول دستوريا ودوليا. تجدر الإشارة إلى أنّ حرية التجمع والتعبير مضمونة في الدستور التونسي وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الفصول 22 و26 و37 و19 على التوالي)، ولا يجوز تقييدها أو تجريم ممارستها المشروعة بهذه الصورة التعسفية. ويعتبر المرصد أن تكييف احتجاج سلمي على أنه “وفاق إجرامي” وإحالة المشاركين فيه على فصول جنائية خطيرة هو تصعيد مقلق يعكس تضييقًا ممنهجًا على الحريات العامة.

وبحلول يوم الأربعاء 28 ماي أصدرت المحكمة في ساعة متأخرة من الليل أحكامًا بالسجن مع النفاذ العاجل ضد دالي الرتيمي لمدة 4  أشهر، وهو شاب يبلغ من العمر 31 عامًا (من أصحاب الشهائد العليا ومعطّل عن العمل) كما تم الحكم على كل من الشاب معز الراجحي (19 عاما وهو تلميذ) والشاب أنس شتونة (17 عاما وهو تلميذ) بالسجن لمدة شهرين لكل منهما.

من اليمين دالي رتيمي وأنس شتونة (وسط) ومعز الراجحي
من اليمين دالي رتيمي وأنس شتونة (وسط) ومعز الراجحي

أثارت هذه الأحداث موجة تنديد من قبل منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان في تونس. فقد أصدرت 14 جمعية ومنظمة حقوقية بيانًا مشتركًا بتاريخ 26 ماي 2025 دعت فيه إلى الإطلاق الفوري لسراح دالي الرتيمي وبقية شباب قابس الموقوفين على خلفية الاحتجاج البيئي. وأكدت المنظمات أن الاحتجاج محل النزاع كان سلميًا وجاء تعبيرًا عن غضب شعبي مشروع ضد استمرار التلوث الصناعي وتلكؤ السلطات في تفكيك منشآت المجمع الكيميائي الملوّثة. كما شدّدت على أن إيقاف النشطاء تم على خلفية مشاركتهم في هذا التحرّك السلمي، منددةً بما وصفته تلفيق تهم كيدية لهم من قبيل الإعتصاء (المقاومة عند الإيقاف) وهضم جانب موظف عمومي وتكوين وفاق إجرامي. واعتبرت المنظمات أن هذه التهم المفبركة تهدف إلى ترهيب النشطاء ومعاقبتهم على ممارسة حقهم في الاحتجاج، مطالبةً بسقوطها فورًا. كما دعت منظمة العفو الدولية بتونس والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وبقية الموقعين السلطاتِ القضائية إلى فتح تحقيق عاجل في شبهات التعذيب وسوء المعاملة التي تعرض لها الرتيمي ورفاقه أثناء الاحتجاز، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تلك الانتهاكات. وشددوا على ضرورة التزام النيابة العمومية بدورها الدستوري في حماية الحقوق والحريات بدلًا من التستّر على التجاوزات. كذلك طالبت المنظماتُ وزارة الداخليّة بإجراء بحث إداري مستقل في تجاوزات أعوانها ومحاسبة المسؤولين عنها. وفي السياق ذاته، نفذ أهالي قابس ونشطاء وقفة تضامنية أمام المحكمة الابتدائية بقابس يوم 26 ماي (بالتزامن مع عرض الموقوفين على القضاء) للمطالبة بإطلاق سراحهم فورًا. ورفع المشاركون شعارات تندد بعنف الشرطة واستهداف المدافعين عن البيئة، مؤكدين أن التلوث في قابس بات معضلةً خطيرة تتطلب حلاً جذريًا بدل ملاحقة من يدافع عن حق الأهالي في بيئة سليمة. وقد صرّح الناشط البيئي سيف الدين العيّادي أثناء الوقفة بأن الموقوفين ومن ضمنهم دالي الرتيمي لم يقترفوا جرمًا بل حاولوا منع الأمن من مواصلة الاعتداء على أحد المواطنين خلال الاحتجاج، مشددًا على الطبيعة السلمية لتحركهم. هذا التضامن الشعبي يعكس وعيًا متزايدًا بخطورة المساس بالحريات الأساسية، ويرسل رسالة بأن القمع لن يثني نشطاء قابس عن المطالبة بحقهم في بيئة نظيفة وآمنة.

تخللت أحداث قابس (23 ماي 2025) انتهاكات جسيمة٬ أولها الاعتداء البدني العنيف على المتظاهرين السلميين، وهو استخدام مفرط للقوة محظور قانونًا. كما أن الاعتقال التعسّفي لنشطاء فقط بسبب مشاركتهم في احتجاج سلمي يمثل خرقًا للفصل 35 من الدستور التونسي (الذي يحظر الاحتجاز دون مبرر قانوني ويكفل قرينة البراءة والإجراءات القانونية السليمة) وكذلك لانتهاك المادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تحظر الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي. أما فيما يتعلق بشبهات التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز فهي في حالة ثبوتها تشكّل انتهاكًا صارخًا للفصل 25 من الدستور (الذي يضمن حرمة الجسد) والمادة 7 من العهد الدولي المذكور (التي تحظر التعذيب مطلقًا)، فضلًا عن مخالفة التزامات تونس بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب. كما أن توجيه تهم جنائية مبالغ فيها مثل تكوين وفاق إجرامي والاعتداء بالعنف الشديد على موظفين، استنادًا إلى وقائع مشكوك في صحتها (كحيازة قوارير مولوتوف) دون أدلة قاطعة – يقوّض حق المحاكمة العادلة ويثير مخاوف جدية حول تسيس القضاء واستخدامه لقمع حريات التعبير والتجمع.  وعليه، يمكن اعتبار ما حصل انتهاكًا لحق المواطنين في الاحتجاج السلمي وفي حماية القانون لهم أثناء ممارستهم لهذا الحق. وطالما لم تُقدَّم أدلة ملموسة تُثبت تورّط الموقوفين في أعمال عنف حقيقية، يبقى اعتقالهم وسَوقهم للمحاكمة بهذا الشكل التعسفي خرقًا لمبدأي الضرورة والتناسب في استعمال القوة وإنفاذ القانون. إن المبدأ الدولي هو أنه “لا يجوز معاقبة أحد على ممارسة حقه في التعبير والتجمع، والمفروض أن تحمي الدولة المتظاهرين السلميين لا أن تعتدي عليهم ” ومن واجب السلطات التونسية أيضًا ضمان التحقيق النزيه في شبهات التعذيب ومعاقبة المسؤولين عنها، التزامًا بتعهداتها الدولية والوطنية، وإلا فإن ثقافة الإفلات من العقاب ستتكرس وتتعمق.

  •  إيقاف النشطاء شاكر بكوش وعلي كنيس وسيف العيّادي وهرسلتهم في مركز حرس بمساكن (26 ماي 2025)

في حادثة منفصلة لكن ذات صلة بأجواء التضييق على حراك قابس البيئي، تعرض ثلاثة نشطاء مدنيين يوم 26 ماي 2025 للإيقاف والتفتيش التعسّفي أثناء تنقلهم بين المدن. فقد أوقفت وحدة من الحرس الوطني التونسي النشطاء شاكر البكّوش وعلي كنيس وسيف الدين العيّادي عند محطة الاستخلاص بالطريق السيّارة في منطقة مساكن (على الطريق السريعة الرابطة بين صفاقس وتونس). جاء هذا الإيقاف أثناء سفرهم وبحوزتهم لافتات وشعارات مكتوبة تتعلق بالتحرك الاحتجاجي في قابس وتضامنًا مع موقوفي احتجاج 23 ماي. وبمجرد عثور أعوان الحرس على تلك الشعارات السلمية داخل السيارة، قاموا بالتعامل مع ركّابها بنوع من الاستفزاز والترهيب. أُخضع النشطاء لتفتيش دقيق واستجواب ميداني حول سبب حيازتهم للافتات ومنشورات تتعلق بقابس، في تجاوز واضح لصلاحيات التفتيش المعتادة وحقوق المواطنين. وذكر النشطاء أن أفراد الدورية تعمّدوا توجيه كلام مهين واستفزازي لهم، فيما يبدو محاولةً لثنيهم عن المشاركة في أي تحركات احتجاجية أو إيصال رسائل مفادها أن النشاط المدني مراقَب ومُعرَّض للعقاب حتى خارج نطاق المظاهرات.

من اليمين سيف عيادي وشاكر بكوش وعلي كنيس (يسار)

استمر احتجاز الناشطين مؤقتًا لبضع ساعات (ثلاث ساعات) في مركز الحرس بمحطة الاستخلاص، قبل أن يُطلق سراحهم دون توجيه تهم رسمية. لم تقدّم السلطات أي سند قانوني مقنع لإيقافهم؛ إذ أن حيازة لافتات احتجاجية لا تشكل جريمة في حد ذاتها. فلا يوجد في القانون التونسي ما يمنع المواطنين من حمل شعارات معبّرة عن مطالب اجتماعية أو بيئية، كما أن حرية التنقل داخل البلاد مكفولة للجميع ولا يجوز تقييدها إلا بأمر قضائي أو في حالات التلبس بجرم. بالتالي، يعد هذا الإيقاف التعسفي انتهاكًا لحرية التعبير والتنقل والتجمع السلمي.  فهو يخرق الفصل 37 من الدستور التونسي الذي يضمن حق الاجتماع والتظاهر السلمي، وكذلك الفصل 24 (حرية التنقل)، فضلًا عن انتهاك المادة 12 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (التي تكفل حرية التنقل) والمادة 19 منه (حرية التعبير عن الرأي). إن مجرد وجود لافتات احتجاجية في سيارة خاصة لا يمكن اعتباره مسوغًا قانونيًا لتفتيش أصحابها أو احتجازهم؛ ويفتقر هذا التصرف من قبل أعوان الأمن إلى أساس قانوني ويرقى إلى معاملة تعسفية. وقد شعر النشطاء أن احتجازهم المؤقت كان رسالة تحذير من السلطات بأن نشاطهم محل رصد وتتبع، مما يخلق مناخ تخويف يهدف إلى كبح حرية التعبير وثني المواطنين الآخرين عن ممارسة حقهم في التظاهر السلمي.

تنطوي هذه الواقعة على جملة من الخروقات٬ يتمثل أولها في الإيقاف دون إذن قضائي أو حالة تلبس بجريمة، مما يجعل الاحتجاز اعتقالًا تعسفيًا مخالفًا للأصول القانونية (الإجراءات الجزائية توجب وجود شبهة جدية أو حالة تلبس لإيقاف الأشخاص).

ثانيها التفتيش غير المبرر لمقتنيات خاصة دون مسوغ قانوني، في انتهاك لحرمة الحياة الخاصة المنصوص عليها دستوريًا. أما سوء المعاملة اللفظية والاستفزاز الذي تعرّض له النشطاء خلال الإيقاف فيمثل انتهاكًا لكرامة الشخص المصونة قانونًا، وقد يرقى إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية إذا ما تجاوز الكلام مستوى معينًا من الإهانة أو التهديد. وبالتالي فإن استهدافهم بهذا الشكل يعد انتقامًا من نشاطهم المدني وتضييقًا على عملهم المشروع في الدفاع عن بيئة قابس وحقوق أهلها.

أحد الموقوفين، هو علي كنيس، وهو ناشط معروف في قضايا العدالة البيئية وحق أهالي جرجيس في معرفة مصير أبنائهم المفقودين في حادثة غرق مركب الهجرة (وقد تعرض سابقًا أيضًا لمضايقات أمنية بسبب ذلك). الى جانب النشطاء شاكر البكّوش وسيف العيادي المعروفين بدفاعهما عن حقوق الأقليات والقضايا الاجتماعية).

إن إيقاف أشخاص كهؤلاء على خلفية حيازتهم شعارات احتجاجية يبعث برسالة سلبية بأن العمل المدني السلمي بات مستهدفًا. وهذا يخالف التزامات تونس الدولية في حماية المدافعين عن حقوق الإنسان بموجب إعلان الأمم المتحدة الخاص بحماية المدافعين (1998) والذي ينص على وجوب توفير الحماية للنشطاء وعدم تعرضهم لأي تقييد أو مضايقة تعسفية بسبب نشاطهم المشروع.

في المحصلة، تُظهر حالتا اعتقال وسجن نشطاء احتجاج قابس (23 ماي) وإيقاف نشطاء مركز مساكن (26 ماي) نمطًا مقلقًا من تصعيد القمع ضد الأصوات المنتقدة والمطالِبة بالحقوق البيئية في تونس. ففي كلا الواقعتين، استخدمت السلطات الأمنية أساليب ترهيب وتهم جنائية مبالغ فيها لكبح حراك اجتماعي سلمي مشروع. هذا التضييق على حرية التجمع والتعبير لا يهدد فقط المكتسبات الديمقراطية وحقوق الإنسان في البلاد، بل يضرب أيضًا حق المجتمع المحلي في قابس في المطالبة ببيئة نظيفة وصحية. ومن وجهة نظر القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا يمكن تبرير هذه الانتهاكات تحت أي ذريعة أمنية أو غيرها، فالتزامات الدولة واضحة في ضرورة حماية حق الاحتجاج السلمي ومعاقبة أي تجاوزات تقع من طرف أعوانها.

نداء عاجل

يدعو مرصد “الحرية لتونس” السلطاتِ التونسية إلى الإفراج الفوري عن جميع الموقوفين على خلفية احتجاجات قابس السلمية وإسقاط التهم المجحفة بحقهم، وفتح تحقيقات مستقلة في شبهات التعذيب والاستفزاز الأمني ومحاسبة الضالعين فيها، بالإضافة إلى ضمان حق نشطاء البيئة في التحرك والتعبير دون خوف أو تضييق.  إن احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان هو الضامن الوحيد لاستقرار المجتمع ولحل المشاكل البيئية العالقة بطريقة عادلة ومستدامة، بما يلبي تطلعات أهالي قابس في العدالة البيئية ويحفظ كرامة جميع المواطنين دون استثناء.

مقدمة: السياق السياسي والعام

شهدت تونس تحوّلًا سياسيًا جذريًا بعد إعلان الرئيس قيس سعيّد عن الإجراءات الاستثنائية في 25 جويلية 2021. فقد قام سعيّد بتجميد عمل البرلمان وحل الحكومة وتولّي السلطات التنفيذية والتشريعية، مما أثار مخاوف بشأن تركيز جميع الصلاحيات بيده وتقويض المكتسبات الديمقراطية. في ظل هذا الوضع السياسي الجديد، تصاعدت حملات قمع استهدفت المعارضين السياسيين والنشطاء والصحفيين، وأصبحت مناخًا عامًا يتسم بالتضييق على المجتمع المدني والحقوق والحريات. هذه الأجواء مهدت الطريق أمام استهداف فئة جديدة من النشطاء خلال 2023 وما بعدها: نشطاء ومنظمات الدفاع عن المهاجرين واللاجئين.

بالتوازي مع ذلك، تبنّى الخطاب الرسمي نبرة عدائية وغير مسبوقة تُجاه المهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء. ففي خطاب شهير ألقاه الرئيس قيس سعيّد في فيفري/فبراير 2023 خلال اجتماع لمجلس الأمن القومي، تحدث عن “مؤامرة لتغيير التركيبة الديمغرافية لتونس” عبر موجات من المهاجرين غير النظاميين من أفريقيا، ملمّحًا إلى ما يُعرف بـنظرية “الاستبدال الديمغرافي” العنصرية. ووصف سعيّد تدفق المهاجرين بأنه تهديد يجعل تونس “بلدًا أفريقيًا فقط دون انتماء عربي وإسلامي”، وأمر قوات الأمن باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف تدفق «جحافل المهاجرين غير الشرعيين». وقد أدان الاتحاد الأفريقي هذه التصريحات واعتبرها صادمة وتنطوي على عنصرية واضحة. رغم محاولة سعيّد نفي الصبغة العنصرية عن خطابه لاحقًا، فإنه واصل الإيحاء بوجود مؤامرة خارجية تستهدف الهوية التونسية من خلال المهاجرين.

أسهم هذا الخطاب الرسمي الحاد في تأجيج المشاعر المعادية للأجانب داخل المجتمع. فخلال الأشهر اللاحقة لخطاب سعيّد، أبلغ العديد من المهاجرين والأفارقة المقيمين في تونس – بمن فيهم طلبة وعائلات ولاجئون وحتى تونسيون من أصول أفريقية – عن تعرضهم لاعتداءات لفظية وجسدية. كثيرون فقدوا مساكنهم ووظائفهم بين ليلة وضحاها تحت ضغط خطاب الكراهية. وأصبحت حملات التشويه على شبكات التواصل الاجتماعي تستهدف هذه الفئات بوصفها مصدرًا للجريمة والأمراض، كما طالت الحملة الجمعيات التونسية التي تساعدهم باتهامها بـ“تشجيع التوطين السري” أو العمالة للخارج.

على صعيد متصل، تفاقمت الانتهاكات الرسمية ضد المهاجرين واللاجئين. وثّقت منظمات حقوقية حالات عديدة قامت فيها قوات الأمن التونسية بمداهمة أماكن سكن المهاجرين واعتقال المئات منهم تعسفيًا. كما سُجّل قيام السلطات بترحيل جماعي لمهاجرين غير نظاميين عبر دفعهم قسرًا إلى الحدود الصحراوية مع ليبيا أو الجزائر وتركهم في ظروف خطرة دون ماء أو غذاء. في جويلية /يوليو 2023، مثلًا، وبعد أحداث عنف بين سكان محليين ومهاجرين في مدينة صفاقس، قامت السلطات بترحيل مئات المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء إلى مناطق نائية عند الحدود الليبية. وقد أعلن الهلال الأحمر الليبي في حينها إنقاذ عشرات الأشخاص تُركوا في الصحراء التونسية، في حين وردت تقارير عن وفاة عدد من المهاجرين عطشًا أثناء محاولتهم النجاة من تلك المنطقة الملتهبة. هذه الممارسات وصفتها المنظمات الدولية بأنها ترتقي إلى المعاملة القاسية واللاإنسانية، واعتبرتها دليلًا إضافيًا على أن تونس لم تعد مكانًا آمنًا لطالبي اللجوء والمهاجرين.

ورغم هذا الواقع المتأزم، سعى الاتحاد الأوروبي وشريكه الأساسي إيطاليا إلى عقد اتفاقيات مع السلطات التونسية لكبح الهجرة عبر البحر المتوسط. فقد تمّ توقيع مذكرة تفاهم بين تونس والاتحاد الأوروبي في جويلية/يوليو 2023 بحضور الرئيس سعيّد ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين. وُعدت تونس في إطار هذه الصفقة بحزمة مساعدات مالية كبيرة (تصل إلى نحو مليار يورو) لدعم اقتصادها المتعثر ومراقبة حدودها. عُرفت هذه المبادرة إعلاميًا باسم “خطة ماتّي” نسبةً إلى نهج إيطاليا الجديد في التعاون مع دول شمال أفريقيا. وقد اعتبرتها السلطات التونسية انتصارًا دبلوماسيًا وأكدت التزامها بالتعاون في منع الإبحار غير النظامي من سواحلها. بالمقابل، انتقدت منظمات حقوقية هذه الاتفاقية بشدة، معتبرةً أنها تركز على البعد الأمني للهجرة وتغضّ الطرف عن الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المهاجرون في تونس. ولاحظ مراقبون تناقضًا واضحًا: فمن جهة تفاخر الخطاب الرسمي في المحافل الدولية بالتعاون مع المجتمع المدني في رعاية المهاجرين، ومن جهة أخرى كانت السلطات تشيطن نفس المنظمات المحلية وتتهمها زورًا بتلفيق معلومات عن أوضاع المهاجرين لتشويه صورة تونس.

استغلّت السلطة هذا الخطاب التخويفي لـتأليب الرأي العام ضد الفئات المهاجرة وضد الجمعيات التونسية والدولية التي تقدم لهم العون. ففي كلمته خلال الإعلان عن مذكرة التفاهم مع الأوروبيين، هاجم الرئيس سعيّد صراحةً المنظمات الإنسانية واتهمها بنشر “معطيات كاذبة” حول معاملة تونس للمهاجرين بدلًا من تركيز جهودها على التصدي لشبكات الإتجار بالبشر. كما دأبت صفحات إعلامية قريبة من السلطة على وصم الناشطين في ملف الهجرة بأنهم عملاء يتلقون تمويلات خارجية لخدمة “أجندات مشبوهة”. هذا التصوير ساهم في خلق مناخ عام يقبل أو يغض النظر عن قمع النشطاء، بحجة حماية السيادة الوطنية أو الأمن القومي. وبذلك، أصبح العمل في مجال دعم المهاجرين واللاجئين في تونس محفوفًا بالمخاطر في ظل اتهامات التخوين والشيطنة.

ظاهرة الهجرة وتحول تونس إلى "بلد احتجاز"

لفهم السياق الكامل، من الضروري التطرق بإيجاز إلى ظاهرة الهجرة في المنطقة ودور تونس المتغير فيها. تُعتبر تونس تقليديًا بلد عبور للمهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء أو من مناطق الأزمات كسوريا والسودان، والذين يهدف معظمهم إلى الوصول لأوروبا عبر البحر. تعود أسباب مغادرة هؤلاء لأوطانهم إلى عوامل متعددة تشمل النزاعات المسلحة (مثل الحرب الأهلية في السودان)، أو الاضطهاد وانتهاك الحقوق، أو انهيار الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في دولهم. يجد هؤلاء الأفراد في تونس محطة مؤقتة للبحث عن عمل وتأمين تكاليف رحلة العبور الخطرة بالبحر إلى السواحل الأوروبية، وخاصة نحو إيطاليا التي تبعد أقل من 150 كم عن السواحل التونسية عند أقرب نقطة.

خلال السنوات الأخيرة، وخصوصًا منذ تصاعد الاضطرابات في ليبيا المجاورة، تزايد عدد المهاجرين واللاجئين الوافدين إلى تونس. وبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، يوجد في تونس حاليًا ما يزيد عن 10 آلاف شخص بين لاجئ وطالب لجوء مسجّلين رسميًا (حتى نهاية مارس 2025)، معظمهم ينحدرون من دول تشهد نزاعات كسوريا والسودان والصومال وغيرها. هذا الرقم لا يشمل بالطبع جميع المهاجرين غير النظاميين الذين قد لا يسعون لتقديم طلب لجوء أو غير مسجّلين لدى الجهات الأممية. وقد قدّرت منظمات محلية أن إجمالي المهاجرين من جنسيات أفريقية في تونس – سواء كانوا في وضعية نظامية أو غير نظامية – بلغ عشرات الآلاف في السنوات الأخيرة. هؤلاء ينتشرون خصوصًا في المدن الكبرى مثل تونس العاصمة وصفاقس، وبعضهم انخرط في سوق العمل غير الرسمي أو الأعمال الموسمية.

لكن الصورة تغيّرت بشكل دراماتيكي منذ بداية 2023. فمع حملة الخطاب العنصري والتحريض الرسمي ضد مهاجري جنوب الصحراء، تحولت تونس من بلد عبور إلى مكان احتجاز وطرد بالنسبة للكثير منهم. لم يعد المهاجرون يشعرون بالأمان حتى للإقامة المؤقتة؛ إذ باتوا عرضة للملاحقة الأمنية والاعتقالات التعسفية من جهة، وللاعتداءات العنصرية من بعض الأفراد من جهة أخرى. نتيجة لذلك، اضطر عدد كبير منهم لمغادرة تونس بشكل عاجل خوفًا على سلامتهم. وتذكر المنظمة الدولية للهجرة (IOM) أن تونس شهدت موجة من برامج “العودة الطوعية” للمهاجرين خلال عامي 2023 و2024، حيث تم تسجيل آلاف طلبات العودة إلى البلدان الأصلية بترتيب ودعم من المنظمة. وقد أعلنت السلطات التونسية نفسها أن حوالي 7250 مهاجرًا من جنسيات أفريقية عادوا طوعًا إلى بلدانهم خلال سنة 2024 وحدها، في مؤشر واضح على نزوح جماعي تحت ضغط الظروف القاسية.

أما المهاجرون واللاجئون الذين بقوا في تونس، فقد باتوا يواجهون وضعًا إنسانيًا صعبًا. فبعد حملة الاعتقالات ضد كوادر الجمعيات المعنية بالهجرة (التي سنفصلها في القسم اللاحق)، تعطلت إلى حد كبير شبكات الدعم والرعاية التي كانت توفرها هذه المنظمات لهؤلاء المهاجرين. على سبيل المثال، كان المجلس التونسي للاجئين الجهة المحلية الشريكة للمفوضية الأممية في تسجيل طالبي اللجوء وإصدار بطاقات قانونية مؤقتة لهم. لكن إيقاف مسؤولي المجلس وإغلاق مقره أدى إلى تعطيل عملية التسجيل وتجديد البطاقات. وبحسب تقارير ميدانية، أصبح كثير من اللاجئين عالقين في وضعية غير قانونية قسرًا لانتهاء صلاحية أوراقهم وعدم تمكنهم من تجديدها. هذا الوضع جعلهم في مرمى الاعتقال أو الترحيل، وحرمهم في الوقت نفسه من الخدمات الأساسية. وينسحب الأمر نفسه على الخدمات الاجتماعية والإغاثية (كالإيواء والطعام والرعاية الطبية) التي تقلّصت بشكل حاد مع شلل الجمعيات المدنية، مما فاقم الهشاشة التي يعانيها المهاجرون واللاجئون في تونس.

باختصار، تحوّلت تونس خلال فترة وجيزة من بلد يُعبره المهاجرون بحثًا عن الأمان إلى فخ ومأزق إنساني لكثير منهم. هذا التحول جاء نتيجة تضافر الخطاب الرسمي العدائي مع الإجراءات القمعية على الأرض. وفي ظل إصرار السلطات على تبني المقاربة الأمنية البحتة إرضاءً لضغوط الشركاء الأوروبيين، يُخشى أن يستمر تدهور أوضاع هذه الفئة المهمشة التي وجدت نفسها ضحّية التجاذبات السياسية بين تونس وأوروبا.

توثيق الانتهاكات بحق الجمعيات والنشطاء (2023 – 2025)

في خضم هذا المناخ المشحون، شنت السلطات التونسية منذ مطلع 2023 حملة منظمة لاستهداف الجمعيات والمنظمات والأفراد الذين يعملون في دعم المهاجرين واللاجئين أو الدفاع عن حقوقهم. وتركزت هذه الحملة خصوصًا خلال الفترة بين ماي/أيار وديسمبر 2024، حيث تم إيقاف عدد كبير من الناشطين واقتيادهم إلى السجون بتهم جنائية خطيرة مثل تبييض الأموال والتآمر، وغيرها من التهم الملفّقة التي تهدف إلى تجريم عملهم الإنساني. فيما يلي أبرز المنظمات المدنية والشخصيات التي تعرضت للملاحقة أو المضايقات، مع توضيح طبيعة عملها والتهم الموجهة إليها:

  • جمعية منامتي (Mnemty): هي جمعية تونسية بارزة أسستها الناشطة سعدية مصباح منذ 2013، وكرست نشاطها لمناهضة العنصرية وتعزيز التعايش وحقوق الأقليات في تونس. لعبت سعدية مصباح دورًا محوريًا في التحسيس بمخاطر التمييز العنصري، وساهمت في سنّ القانون التونسي لمكافحة العنصرية عام 2018. مع تصاعد خطاب الكراهية ضد الأفارقة في 2023، برز صوت سعدية مصباح في انتقاد تلك الموجة والتحذير من تداعياتها. ولكن بدلاً من الاستماع إلى تحذيراتها، أصبحت هي نفسها هدفًا للسلطات. ففي 6 ماي 2024 داهمت قوات الأمن منزل سعدية ومقر جمعية منامتي، وصادرت الحواسيب والملفات، ثم أوقفت سعدية مصباح ومدير المشاريع بالجمعية. وُجّهت إليها تهم جنائية بالفساد المالي وتبييض الأموال بدعوى وجود تجاوزات في تمويل الجمعية، وتم إيداعها السجن الإحتياطي منذ ذلك التاريخ. تزامن ذلك مع حملة تشهير واسعة ضدها على شبكات التواصل، حيث تلقت تهديدات ورسائل كراهية بسبب مزاعم أن جمعيتها “تدعم المهاجرين غير الشرعيين”. ورغم عدم ثبوت أي اختلاس أو تجاوز مالي (وأحالت الجهات القضائية ملفها من القطب المالي إلى المحكمة العادية لعدم الاختصاص)، لا تزال سعدية مصباح رهن الحبس الاحتياطي. وقد مُدد توقيفها عدة مرات (آخرها في مارس 2025 لمدة أربعة أشهر إضافية)، مما يعني أنها أمضت ما يزيد عن السنة خلف القضبان دون محاكمة. وتواجه سعدية نظريًا عقوبات بالسجن لسنوات طويلة وغرامات باهظة إذا ما أدينت بتهمة تبييض الأموال، رغم تأكيد كل من يعرفها أن نشاطها كان دومًا في إطار القانون والشفافية.
  • جمعية تونس أرض اللجوء (Tunisie Terre d’Asile ): هي منظمة غير حكومية تأسست عام 2012 بدعم من منظمة فرنسا أرض اللجوء، وتهدف إلى الدفاع عن حقوق اللاجئين والمهاجرين في تونس وتوفير المساعدة القانونية والإنسانية لهم. لعبت الجمعية أيضًا دورًا في التبليغ عن حالات الاتجار بالبشر والتنسيق مع الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار لحماية الضحايا. تعرضت هذه الجمعية لضربة قاصمة في ماي 2024، إذ تم اعتقال كامل فريق إدارتها تقريبًا على خلفية قضية واحدة. فقد أوقفت السلطات في 7 و8 ماي 2024 كلًا من شريفة الرياحي (المديرة التنفيذية السابقة للجمعية)، وعياض بوسالمي -المدير التنفيذي الحالي آنذاك- ومحمد جوعو المسؤول المالي للجمعية). جاءت حملة الإيقافات بعد أن أعلنت الجمعية عن مشروع إنساني لإيواء المهاجرين واللاجئين الأكثر هشاشة بالتعاون مع السلطات المحلية، في استجابة لموجة العنف ضد مهاجري جنوب الصحراء. إلا أن هذه المبادرة قُوبلت باتهامات رسمية للجمعية بـ“تكوين وفاق بقصد تبييض الأموال” و”توطين أشخاص أجانب بصفة غير قانونية”. وجرى التحقيق مع أعضائها بتهم تشمل تلقي تمويلات أجنبية مشبوهة والتدليس (التزوير). ورغم أن شريفة الرياحي كانت في فترة إجازة أمومة وترعى طفلين رضيعين، تم سجنها احتياطيًا منذ 7 ماي 2024. ولم تتمكن طوال فترة توقيفها من إرضاع ابنتها حديثة الولادة، مما أثار تعاطفًا وغضبًا كبيرين في الأوساط الحقوقية. وخلال الأشهر التالية، لم يُقدَّم أي دليل ملموس على تهم غسل الأموال الموجهة لشريفة وزملائها، واضطرت السلطات للإعلان عن سقوط تهمة تبييض الأموال عنها لعدم ثبوتها. لكن بدل الإفراج عنها، فُوجئت الرياحي باتهام جديد هو “إيواء مهاجر غير شرعي”، وهي جنحة بسيطة تتعلق باستضافتها شخصًا أجنبيا دون أوراق في مركز إيواء مؤقت. وبرغم أن هذه التهمة في حال ثبوتها لا تستوجب عادةً التوقيف المطوّل، أبقت السلطات شريفة في السجن لأشهر طويلة. وبحلول مارس 2025، كانت قد قضت ما يزيد عن 300 يوم في الحبس الاحتياطي دون محاكمة نهائية، مما دفع عائلتها إلى المطالبة دوليًا بإطلاق سراحها. الوضع نفسه ينطبق على زميليها عياض بوسالمي ومحمد جوعو، إذ لا يزالان موقوفَين لنفس القضية وبنفس التهم. وتجدر الإشارة أن بوسالمي هو دبلوماسي تونسي سابق وخبير أممي في قضايا اللجوء، وأن شريفة الرياحي معروفة بنشاطها الاجتماعي والتطوعي قبل هذه الأحداث – ما يؤكد أن استهدافهم جاء على خلفية عملهم الإنساني المشروع وليس لأي تجاوز حقيقي.
  • المجلس التونسي للاجئين: تأسس هذا المجلس عام 2016 بمبادرة من الأستاذ مصطفى الجمالي وهو مسؤول أممي سابق (شغل منصب مدير إقليمي للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين). يعمل المجلس بالشراكة مع مفوضية اللاجئين على استقبال طالبي اللجوء في تونس وتسهيل إجراءات دراستها، إضافة إلى مساعدة اللاجئين المسجلين عبر برامج الإغاثة وإيجاد الحلول الدائمة. في بداية ماي 2024، تعرض المجلس بدوره لهجمة أمنية: حيث تم إيقاف كل من رئيسه مصطفى الجمالي ومدير المشاريع بالمجلس عبد الرزاق الكريمي. حصل ذلك في 3 ماي 2024 بالنسبة للجمالي، و9ماي 2024 بالنسبة للكريمي. وتتلخص خلفية القضية في نفس الوقائع المذكورة آنفًا: مشاركة المجلس في إعلان طلب عروض بالتنسيق مع جهات رسمية لإيواء حالات من اللاجئين وطالبي اللجوء الأكثر ضعفًا. اعتبرت السلطات هذه التحركات تجاوزًا يقتضي العقاب، فوجهت لكل من الجمالي والكريمي تهمًا خطيرة من قبيل “تكوين وفاق بقصد غسل الأموال باستغلال التسهيلات التي يخوّلها النشاط الاجتماعي” والتدليس واستعمال مدلس. تم التحقيق معهما من قبل قضاة التحقيق في كل من المحكمة الابتدائية بتونس والقطب القضائي الاقتصادي والمالي، في تواتر إجراءات يبدو أنه يهدف إلى إبقائهما قيد التوقيف أطول فترة ممكنة. بالفعل، أُغلق مقر المجلس وتوقف نشاطه بالكامل بعد سجن رئيسه ومديره، مما شلّ عملية استقبال طالبي اللجوء الجدد في تونس. وقد انعكس ذلك مباشرةً على مئات الأشخاص (نصفهم من السودانيين الهاربين من الحرب) الذين وجدوا أبواب المجلس موصدة واضطروا لانتظار المجهول دون وثائق أو دعم. إن التهم الموجهة للجمالي والكريمي – كتبييض الأموال – تصل عقوباتها إلى عشرات السنوات من السجن طبقًا للقانون التونسي لمكافحة غسل الأموال، بالإضافة إلى غرامات مالية كبيرة. ومع ذلك، لم يُعلن حتى مطلع 2025 عن أية أدلة تدينهما، وسط مطالبات حقوقية بالإفراج عنهما باعتبار أن نشاط المجلس كان قانونيًا وشفافًا بشهادة المفوضية الأممية نفسها.
  • بلدية سوسة وشراكة مشروع الهجرة: لم يقتصر استهداف النشطاء على العاملين في الجمعيات فقط، بل طال أيضًا مسؤولين محليين تجرأوا على التعاون مع المجتمع المدني لدعم المهاجرين. في هذا الإطار برزت قضية رئيس بلدية سوسة محمد إقبال خالد ونائبته إيمان الورداني. فخلال سنة 2023 عقدت بلدية سوسة (ثالث أكبر مدينة تونسية) اتفاقية شراكة مع جمعية “تونس أرض اللجوء” لافتتاح مكتب محلي يُعنى بتوجيه المهاجرين واللاجئين ومساعدتهم على الاندماج والخدمات. لكن في خضم الحملة الأمنية في مايو 2024، تم إيقاف رئيس البلدية محمد إقبال خالد ونائبته الدكتورة إيمان الورداني في 10 ماي 2024. وُجّهت لكليهما قائمة تهم مطابقة تقريبًا لتلك المنسوبة لنشطاء الجمعيات، وهي: تبييض الأموال، والتدليس (تزوير وثائق)، وتكوين وفاق (جمعية) بقصد إدخال أشخاص أجانب إلى التراب التونسي، واستغلال الوظيفة. بمعنى آخر، اعتُبر التعاون الرسمي بين البلدية وجمعية معترف بها جريمة في نظر السلطات المركزية. ومن المفارقات أن إيمان الورداني – وهي دكتورة جامعية ترأست لجنة تكافؤ الفرص في المجلس البلدي – كانت خلال جائحة كوفيد قد أشرفت على مبادرات لإغاثة الفئات الهشة في سوسة، بمن فيهم المهاجرون، ونالت عن ذلك الإشادة. ومع ذلك، وجدت نفسها متهمة أمام القضاء بتسهيل “دخول مهاجرين” لمجرّد عملها على مساعدة مقيمين موجودين فعليًا في المدينة. وما زال كل من رئيس البلدية ونائبته رهن الاحتجاز منذ منتصف 2024 دون إفراج، رغم أن أقصى ما يمكن أن تسفر عنه قضيتهم – في حال صحتها – هو مخالفات إدارية في الصلاحيات المحلية. تُظهر هذه القضية كيف بات أي مستوى من الدعم الرسمي للمهاجرين معرضًا للتجريم تحت ضغط المناخ السياسي الحالي، لدرجة شلّ العمل البلدي نفسه في ملفات إدماج الأجانب.
  • جمعية تفعيل الحق في الاختلاف: هي منظمة حقوقية تأسست في أفريل 2011 وتعنى بالدفاع عن التنوع وحقوق الإنسان ومناهضة جميع أشكال التمييز. ركزت في جزء من أنشطتها على تعزيز ثقافة المواطنة المتساوية بغض النظر عن اللون أو الدين أو غيره، مما جعلها صوتًا في مواجهة العنصرية أيضًا. بتاريخ 10 ديسمبر 2024 (تزامنًا مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان)، اعتُقلت سلوى غريسة المديرة التنفيذية للجمعية، عقب حملة تحريض استهدفت منظمتها على الإنترنت. وُجهت إلى سلوى تهمة تبييض الأموال أيضًا، رغم استغراب كثيرين من كيفية تطبيقها على جمعية حقوقية صغيرة تعتمد في تمويلها على تبرعات مشروعة ومعلنة. أكدت شقيقة سلوى في تصريح صحفي أن لا وجود لأي إثبات مادي على هذه التهمة رغم كل عمليات التدقيق التي أجرتها السلطات، وأن سجن أختها هو ظلم بحت عقابًا لها على نشاطها الحقوقي. لا تزال سلوى غريسة موقوفة منذ ذلك الحين على ذمة التحقيق، وبذلك انضمت إلى قائمة النساء الناشطات القابعات وراء القضبان في تونس الحديثة بسبب عملهن الإنساني (إلى جانب سعدية مصباح وشريفة الرياحي وإيمان الورداني). ويُذكر أن منظمة تفعيل الحق في الاختلاف اضطرت لوقف معظم أنشطتها إثر ذلك، في انتظار ما ستسفر عنه القضية.
  • جمعية أطفال القمر – مدنين: آخر القضايا التي برزت نهاية 2024 كانت إيقاف عبد الله السعيد رئيس جمعية “أطفال القمر” بمحافظة مدنين (وهي جمعية تهتم أساسًا برعاية الأطفال المصابين بمرض جلدي نادر). ما صلة هذه الجمعية بملف الهجرة؟ يبدو أن السلطات ارتابت في نشاط فرعي كانت الجمعية تقوم به وهو تقديم دورات تدريب مهنية في الخياطة وصنع الحلويات للنساء المهاجرات الأفريقيات في الجنوب التونسي، لمساعدتهن على اكتساب مهارات تدرّ دخلاً. في أواخر نوفمبر 2024، تم توقيف عبد الله السعيد واثنين من زملائه بالجمعية، واستلمت فرقة مكافحة الإرهاب ملف القضية في البداية. ورغم غرابة إقحام مكافحة الإرهاب هنا، فقد أشارت التحريات الأولية إلى عدم اختصاص تلك الفرقة، مما أدى إلى إسقاط شبهة تبييض الأموال عنهم وإحالة الملف إلى القضاء العادي. ولم تستطع السلطات إيجاد أي دليل على جرائم مالية أو أمنية، لكن مجرد مساعدة مهاجرات غير نظاميات على الاندماج اقتصاديا اعتُبرت ذنبًا كافيًا لتوقيف نشطاء جمعية أطفال القمر لبعض الوقت. وتعكس قضيته مدى توسّع دائرة الاستهداف لتشمل أي جهة تمت لملف المهاجرين بصلة، حتى لو كان نشاطها الاجتماعي عرضيًا في هذا المجال. وقد خلق ذلك جوًا من الخوف لدى جمعيات أخرى: فكثير من المنظمات الخيرية والتنموية باتت تحجم عن إشراك المهاجرين أو اللاجئين في برامجها، خشية التعرض للتخوين أو الملاحقة.

1. عياض بوسالمي
أكاديمي ودبلوماسي سابق قضى 20 عامًا في السلك الدبلوماسي التونسي، وله تجربة في هياكل الأمم المتحدة. تولى إدارة جمعية “تونس أرض اللجوء” منذ أفريل 2023. يتمتع بخبرة واسعة في قضايا الهجرة واللجوء، وساهم في الدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.

2. سعدية مصباح
ناشطة حقوقية بارزة كرّست مسيرتها لمناهضة العنصرية والدفاع عن حقوق التونسيين السود. أسّست جمعية “منامتي” للتوعية بمخاطر التمييز العنصري وخطاب الكراهية. سعت إلى كسر الصور النمطية وتحقيق المساواة بين مكونات المجتمع التونسي.

3. عبد الله السعيد
ناشط مدني تونسي من أصول تشادية حصل على الجنسية التونسية سنة 2012. أسّس ورأس جمعية “أطفال القمر بمدنين” لدعم المهاجرين والفئات المستضعفة عبر الإحاطة الاجتماعية والطبية والتعليمية. ساهم في تنسيق جهود المجتمع المدني في جهة مدنين وشراكات مع الدولة والمنظمات الدولية.

4. إيمان الورداني
حاصلة على دكتوراه في البيولوجيا وتشغل منصب نائبة رئيس بلدية سوسة. ترأست لجنة تكافؤ الفرص وساهمت خلال أزمة كوفيد في دعم الفئات الهشة، خاصة المهاجرين. دعمت العمل المدني وساهمت في تعزيز التضامن الاجتماعي بالمدينة.

5. شريفة الرياحي
مهندسة وناشطة حقوقية شاركت في العمل المدني منذ الثورة وساهمت في الدفاع عن السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية. تولّت إدارة جمعية “أرض اللجوء – تونس” من 2019 إلى أفريل 2023، وساهمت في مشاريع تتعلق بالهجرة بالتعاون مع الدولة والمنظمات الدولية. تواصل عملها في مجال الهجرة والتكوين في القانون الإنساني الدولي. شغلت مؤخرا خطة منسقة برنامج “آفاق” لدعم تشغيل الشباب والمبادرات التونسية في الخارج.

6. سلوى غريسة
جامعية وناشطة حقوقية، تشغل منصب المديرة التنفيذية لجمعية “تفعيل الحق في الاختلاف” منذ تأسيسها سنة 2011. تعمل على تعزيز احترام حقوق الإنسان والتنوع والمواطنة الفعالة في تونس.

7. عبد الرزاق الكريمي
أستاذ وناشط مدني يشغل منصب مدير المشاريع بالمجلس التونسي للاجئين. يساهم في دعم السلطات التونسية لمعالجة تحديات اللجوء وتقديم المساعدة الإنسانية للاجئين في تونس.

8. مصطفى الجمالي
موظف أممي سابق ومدير إقليمي سابق في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (يحمل الجنسية التونسية والسويسرية). كان يشغل منصب المستشار الخاص للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومدير مكتب آسيا الوسطى وجنوب غرب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وقد أمضى كامل حياته المهنية في المفوضية منذ العام 1980 ولغاية العام 2004 في تقديم يد العون الى اللاجئين. أسس المجلس التونسي للاجئين سنة 2016 ويترأسه، وهو إطار غير حكومي لمساعدة اللاجئين ودعم مؤسسات الدولة في هذا المجال.

9. محمد إقبال خالد
انتُخب رئيسًا لبلدية سوسة سنة 2019 ضمن قائمة مستقلة. برز خلال أزمة كوفيد بمبادراته لدعم الفئات الهشة، ومن ضمنهم المهاجرون، وشجع على تنمية العمل المدني بالمدينة.

10. محمد جوعو
ناشط مدني ومسؤول مالي في جمعية “تونس أرض اللجوء” منذ أكتوبر 2020. شارك في العديد من الأنشطة التطوعية ويُعرف بدوره في الإدارة المالية للجمعية.

ملخص الانتهاكات وأساليب التضييق

يمكن تلخيص المشهد العام للمضايقات التي طالت نشطاء وجمعيات الهجرة واللجوء في تونس منذ 2023 كما يلي:

  • الإيقافات التعسفية والاحتجاز المطوّل: أوقِف ما لا يقل عن عشرة نشطاء وناشطات في هذا المجال خلال الفترة بين ماي 2024 وبداية 2025، بينهم رؤساء خمس منظمات على الأقل. وتمت إحالتهم جميعًا على الحبس الاحتياطي لفترات طويلة تجاوزت في بعض الحالات 10 أشهر دون أحكام. هذا الاستخدام المفرط للإيقاف التحفظي مثّل عقوبة في حد ذاته ووسيلة لإسكات الأصوات وتجميد أنشطة الجمعيات.
  • توجيه تهم جنائية خطيرة وغير متناسبة: ركّزت السلطات على تهمة “تبييض الأموال” بصورة شبه موحّدة ضد مختلف النشطاء، مع إضافات مثل التآمر وتزوير الوثائق وتلقّي تمويلات أجنبية غير مشروعة، وأحيانًا تهمة “تسهيل دخول وإقامة أجانب بصفة غير قانونية”. هذه التهم، رغم فداحتها، لم تدعمها أدلة ملموسة وفق ما ظهر خلال مجريات التحقيق. لكن خطورتها القانونية سمحت باحتجاز المتهمين وتهديدهم بعقوبات سجن قد تصل إلى عشر سنوات أو أكثر، مما خلق ضغطًا نفسيًا كبيرًا عليهم وعلى عائلاتهم.
  • إغلاق مقار الجمعيات وتجميد أنشطتها: بعد اعتقال مسؤولي الجمعيات المستهدفة، قامت السلطات فعليًا بشلّ تلك المنظمات. أُغلقت مكاتب المجلس التونسي للاجئين وجمعية أرض اللجوء وجمعية منامتي وغيرها، إما رسميًا أو بحكم الأمر الواقع. صادر الأمن المعدات والملفات الإدارية والمالية خلال المداهمات، واستدعى موظفين آخرين للتحقيق مما بثّ الذعر في صفوف بقية الناشطين. ونتيجة لذلك، تراجع عدد الجمعيات النشيطة في دعم المهاجرين بشكل ملحوظ بحلول 2025، حيث باتت معظمها إمّا مجمدة أو تعمل بحذر شديد وتحت الرقابة اللصيقة. حتى أن بعض المنظمات الدولية أو الإقليمية التي كانت تتخذ تونس مقرًا لها لنشاط الهجرة (بعد انتقالها سابقًا من ليبيا) اضطرت إلى مغادرة تونس هي الأخرى خوفًا على كوادرها.
    التشهير والترهيب الإعلامي: صاحبت الإجراءات الأمنية حملة إعلامية ممنهجة لتشويه سمعة هؤلاء النشطاء والجمعيات. فقد ظهرت تدوينات ومنشورات على فيسبوك ووسائل إعلامية مقربة من السلطة تتهمهم بـ“بيع الوطن” و“تلقي أموال من جهات أجنبية لزرع الفوضى”، إلى جانب استخدام عبارات عنصرية ضد الناشطات (مثال: التخوين بسبب التضامن مع المهاجرين السود). كما استُخدمت تصريحات رسمية لدعم هذا التوجه، مثل اتهام الرئيس سعيّد العلني للجمعيات بأنها “امتداد لقوى أجنبية تضخ أموالاً لخدمة مصالح مشبوهة” (تصريح في فبراير 2023). هذه الحملة الترهيبية لم تكتفِ بتشويه المعتقلين، بل هدفت أيضًا إلى ردع الآخرين عن أي محاولة للدفاع عنهم أو مواصلة عملهم. وقد أكدت شخصيات حقوقية بارزة أن ما يحدث هو قرار سياسي لقمع المجتمع المدني تحت غطاء قانوني.
    الإجراءات القانونية التعسفية: رصد محامو الدفاع عدة تجاوزات في التعامل القانوني مع هذه القضايا، من ذلك: مداهمات بدون أذون قضائية واضحة، التحقيق لساعات متأخرة مع الموقوفين (كما حصل مع شريفة الرياحي التي تم استجوابها قرابة منتصف الليل وهي منهكة)، إضافة إلى تجاهل ضمانات المحاكمة العادلة عبر تمديد الإيقاف التحفظي بشكل روتيني ومنع الإفراج المؤقت رغم انتفاء مبرراته. يُذكر أيضًا استخدام المرسوم 54 لسنة 2022 المتعلق بجرائم المعلومات ضد بعض الأصوات التي دافعت عن المهاجرين. فالإعلامية سنية الدهماني مثلًا اعتُقلت وحوكمت بموجب هذا المرسوم بعد أن انتقدت عبر التلفزيون مزاعم “توطين المهاجرين” ووصفت الوضع المتردي بعبارة ساخرة، فاعتُبرت تلك “أخبارًا كاذبة” عوقبت عليها بالسجن ثمانية أشهر. يُبرز ذلك أن الترسانة القانونية ذاتها (مرسوم 54، تهم الإرهاب…) استُخدمت كسيف مُسلّط لإخماد أي معارضة للسردية الرسمية حول ملف الهجرة.

في المحصلة، أوجدت هذه الانتهاكات حالة من الشلل في المجتمع المدني التونسي فيما يخص الدفاع عن المهاجرين واللاجئين. فبينما تُفاخر السلطات خارجيًا بتعاونها مع منظمات غير حكومية في التكفل بالمهاجرين، تقوم داخليًا بقمع تلك المنظمات وتجريمها. وقد دفع هذا التناقض الصارخ منظمات حقوق الإنسان إلى دق ناقوس الخطر، محذرةً من أن تونس تشهد انتكاسة غير مسبوقة في مجال حرية تكوين الجمعيات وعملها منذ الثورة. كما شددت على أن الحملات ضد نشطاء الهجرة ليست منعزلة، بل تأتي في سياق قمع أشمل يطول القضاة المستقلين والصحافة والمعارضة، مما يقوّض دولة القانون ويشكل خرقًا لالتزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان.

التوثيق الحقوقي والإحصائي للوضع الراهن

تعكس الحالات المذكورة صورة قاتمة لوضع حقوق الإنسان في تونس حاليًا، وقد وثّقت المنظمات الدولية هذه التطورات بانتباه. ففي تقرير مشترك صدر في مايو 2024 عن عدد من الهيئات الحقوقية الدولية، جرى التنبيه إلى تصاعد حملة قمع المجتمع المدني في تونس بالتزامن مع تصاعد العنف ضد المهاجرين. وأشارت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش في بيانات متزامنة إلى أن السلطات التونسية اعتقلت ما لا يقل عن 9 أشخاص في أسبوع واحد من شهر ماي 2024 منهم محامون وصحفيون وناشطون في قضايا الهجرة والعنصرية، معتبرةً ذلك جزءًا من نمط لقمع أي صوت مستقل. كما أكدت هيومن رايتس ووتش أن 8 منظمات غير حكومية على الأقل طالتها التحقيقات أو الملاحقات خلال تلك الفترة، وهو رقم غير مسبوق منذ عقد.

على صعيد آخر، تُبرز الإحصائيات الإنسانية حجم الأزمة: فقد سجّلت المنظمة الدولية للهجرة ارتفاعًا كبيرًا في أعداد المهاجرين الذين خاطروا بركوب البحر من السواحل التونسية باتجاه أوروبا عام 2023 مقارنة بالسنوات السابقة، رغم (أو بسبب) سياسة التشديد الأمني. وتقدّر السلطات الإيطالية أن عشرات الآلاف وصلوا إلى شواطئها انطلاقًا من تونس في ذلك العام، مما وضع تونس في مرتبة متقدمة كمصدر لحركة الهجرة غير النظامية. وفي المقابل، ازداد أيضًا عدد المفقودين والغرقى في عرض البحر نتيجة تكدّس القوارب المتهالكة بالمهاجرين اليائسين؛ حيث أعلنت منظمات إنسانية غرق ما يزيد عن 1400 مهاجر في المتوسط الأوسط خلال 2022 و2023 – كثير منهم انطلقوا من ليبيا وتونس. هذه الأرقام المأساوية تكذب الادعاء بأن تشديد الخناق داخليًا سيمنع الهجرة، بل على العكس دفعت الكثيرين للمجازفة بحياتهم هربًا من وضع لا يُحتمل.
أما المفوضية السامية لشؤون اللاجئين فأعربت في تقاريرها عن قلق بالغ إزاء أوضاع طالبي اللجوء في تونس. فإلى جانب أرقامها المذكورة بشأن تعدادهم (أكثر من عشرة آلاف شخص)، نوّهت إلى أن 77% من عينة اللاجئين الذين تم استطلاعهم في تونس أواخر 2024 أفادوا بأنهم تعرضوا لشكل من أشكال الانتهاك أو المعاملة السيئة – سواء من قبل السلطات أو أفراد في المجتمع – خلال الأشهر السابقة. وهذه نسبة صادمة تدل على بيئة طاردة وخطرة للاجئين. ولمواجهة ذلك، دعت المفوضية تونس مرارًا إلى الإسراع في اعتماد قانون اللجوء الوطني وتوفير الحماية اللازمة، إلا أن هذه الدعوات لم تلق آذانًا صاغية حتى الآن.

من جهتها، شددت منظمات تونسية مستقلة (مثل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية) على الحاجة إلى تضامن أفريقي ودولي للدفاع عن المهاجرين في تونس. ففي بيان مشترك مع منظمات من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، طالبت بفتح تحقيقات في مصير المئات من المهاجرين المفقودين وبالإفراج عن النشطاء المسجونين بسبب نشاطهم الإنساني. كما دعت إلى عدم رضوخ الدول الأفريقية للخطاب التونسي الرسمي الذي يصوّر المرحّلين الطوعيين وكأنهم غادروا بلا ضغوط، مؤكدةً أن العودة “الطوعية” تمت في كثير من الحالات تحت التهديد بانعدام الأمن أو الترحيل القسري.

خاتمة وتوصيات

في الختام، تكشف وقائع العامين الماضيين في تونس عن صورة قاتمة: دولة تواجه أزمتها السياسية والاقتصادية عبر تصديرها أزمة مفتعلة نحو أضعف الحلقات، أي المهاجرين، ومن يدافع عنهم. لقد أصبح مناخ الترهيب هو القاعدة لكل من يعمل في الشأن المدني والحقوقي، خاصة في ملف شديد الحساسية كاللجوء والهجرة. وإذ أعدّ “مرصد الحرية لتونس” هذا الملف فإنه يدعو السلطات التونسية إلى مراجعة هذه السياسة العدمية ووضع حدّ لتجريم التضامن الإنساني. كما يناشد القضاء التونسي الالتزام باستقلاليته وكف يد السلطة التنفيذية عن توظيفه لاستهداف الناشطين، وذلك عبر الإفراج الفوري عن الموقوفين لغياب الأدلة وتمكينهم من محاكمات عادلة إن وجدت تهم جدية. وعلى المستوى الدولي، يأمل المرصد أن تتوقف الجهات المانحة عن تلميع صورة السلطات التونسية أو عقد اتفاقيات معها تغلّب الاعتبارات الأمنية على حساب حقوق الإنسان. فتونس التي كانت يومًا ملاذًا آمنًا نسبيًا في إقليم مضطرب، لا يجب أن تصبح سجنًا أو مقبرة لمن يطلب اللجوء او العبور او الأمان. إن احترام كرامة المهاجرين واللاجئين وحماية المدافعين عنهم هو اختبار حقيقي لمدى التزام تونس بالقيم الإنسانية العالمية، وأي فشل في هذا الاختبار ستكون كلفته باهظة على سمعة البلاد ومستقبلها الديمقراطي.

مراجع

نداء إلى العمل من أجل حقوق الإنسان في تونس

عريضة الموقع: الحرية لمعتقلي الرأي والنشطاء في تونس !

‎لم تعد تونس الاستثناء العربي الوحيد الذي أشعل فتيل الثورات في العالم سنة 2011 بثورة بطولية أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، الذي ظل مستمرا لمدة تناهز 23 سنة بعد استيلاءه على السلطة في 7 نوفمبر 1987 خلفا للحبيب بورقيبة.

في خطوة مماثلة وربما أكثر خطورة، أقدم الرئيس التونسي قيس سعيد ليلة 25 يوليو 2021 على القيام “بانقلاب دستوري” وفقا لتأويله الشخصي للفصل 80 من دستور الثورة 2014 مُعلنا اتخاذه مجموعة من الإجراءات الاستثنائية بسبب “خطر داهم” يهدد البلاد التونسية دون تقديم أي تفاصيل وأسباب الى حدّ كتابة هذه الأسطر.

وبموجب تلك الإجراءات قرر سعيّد عزل الحكومة ورئيسها “هشام المشيشي” الذي كان حاضرا في اجتماع مجلس الأمن القومي تلك الليلة بقصر قرطاج، وزعم أنه اتصل برئيس البرلمان راشد الغنوشي (زعيم حزب حركة النهضة) للتشاور معه وفق ما يمليه الدستور، الأمر الذي نفاه الغنوشي مؤكدا انه اتصال عادي لم يتضمن أي مشاورات أو حديث حول فحوى الإجراءات الاستثنائية، وقام الرئيس بتجميد أعمال البرلمان ثم حله في مارس/ آذار 2022.

ولم يكتف الرئيس سعيّد بتجاوز صلاحياته وفصول الدستور التي أقسم على الحفاظ عليه أمام مجلس نواب الشعب بل وقام بتغيير تركيبة المجلس الأعلى للقضاء واعتبره “وظيفة” وليس سلطة مستقلة بذاتها وقام أيضا بتغيير تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تحضيرا لمراحل انتخابية عقدها لفائدة تغيير دستور كتبه بنفسه وألغى آراء اللجان الاستشارية التي عينها بنفسه أيضا. ثم نظم انتخابات تشريعية على دورتين لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 8% من مجموع الناخيبن وتداركت هيئة الانتخابات الاحصائيات فيما بعد لتعلن أنها وصلت لـ11 %وهو الرقم الأدنى عالميا ومحليا.

بتاريخ 11 فبراير/شباط شن نظام الرئيس سعيد حملة اعتقالات لم تتوقف، شملت نشطاء سياسيين ورجال أعمال واعلاميين وصحفيين وقضاة وموظفين سامين في الدولة تحت عنوان “التآمر على أمن الدولة وارتكاب فعل موحش ضد رئيس الجمهورية” إضافة لتهم أخرى تم إحالتها على النيابة العسكرية ما يطرح أسئلة حول مدى تدخل الجيش التونسي في الإجراءات التي قام بها الرئيس سعيد.

وقد شابت عمليات الاعتقال التعسفي عدة خروقات وإخلالات إجرائية وسط تحذيرات من المنظمات والمراصد الدولية الناشطة بمجال حقوق الانسان ولم يتم احترام معايير التقاضي والإقامة السجنية وطالت الملاحقات في بعض الأحيان عائلات الضحايا وأسرهم ووظائفهم ولم يتم إثبات أي تهم أو وقائع منسوبة للمتهمين.

كما تتعرض النقابات والأحزاب السياسية لمضايقات مستمرة ولم يتوقف الرئيس سعيد عن اتهام كافة الأجسام الوسيطة بمختلف أنواعها “بالعمالة” أو “الخيانة” ولم تسلم المنظمات والجمعيات من الملاحقات والاعتقالات التعسفية والحرمان من التمثيل القانوني وسط ارتفاع وتيرة العنف في المجتمع بسبب تبني السلطات خطابات وشعارات عنصرية وتمييزية محرضة على الاقتتال وانتهاك الكرامة الإنسانية.

على ضوء كل ما تقدمنا به من أسباب نحن الموقعون أسفله نطالب:

أولا: بالدعوة لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين فوراً ودون قيد أو شرط كما نحثَ السلطات التونسية على احترام التزاماتها الدولية والمعاهدات الدولية لحقوق الانسان التي صادقت عليها.

ثانيا: ندعو من السلطات التونسية أن توقف نزيف نسف الديمقراطية الناشئة والمحاكمات الجائرة والملاحقات المستمرة ضد خصوم النظام السياسيين وكل من ينتقده بالرأي او الكلمة او التعبير.

ثالثا: ندعو كل النشطاء والمتابعين للانخراط في المسار الوطني والدولي لإعادة الديمقراطية وإنهاء الحكم الفردي الذي عاد بتونس لسنوات الاستبداد والظلم وانتهاك الحقوق والحريات.