19 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 – قررت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس تأجيل النظر إلى شهر نوفمبر المقبل في القضية المتعلقة بعقد توزيع أبرمته شركة اتصالات تونس مع شركة “ديستريكوم” التابعة لرجل الأعمال نبيل الشايبي، وهي قضية تشمل أيضًا الرئيس المدير العام السابق لاتصالات تونس ووزير تكنولوجيات الاتصال والمعلومات الأسبق منتصر وايلي.
وتعود القضية إلى شكاية تقدم بها المكلف العام بنزاعات الدولة نيابة عن شركة اتصالات تونس، على خلفية شبهات فساد مالي وإداري رافقت إبرام عقد توزيع مع شركة DISTRICOM، وما تضمنه من شروط وامتيازات اعتُبرت غير متوازنة مقارنة بالعقود المبرمة مع موزعين آخرين.
عقد تجاري محل شبهات فساد:
تتعلق التتبعات بجملة من الإخلالات المنسوبة إلى الأطراف المشمولة بالقضية، من بينها إبرام العقد بالمراكنة دون طلب عروض أو استشارة بين الموزعين المختصين، وعدم عرضه على مجلس إدارة اتصالات تونس رغم قيمته المالية، فضلًا عن منح شركة DISTRICOM امتياز توزيع حصري لمنتج «عليسة» على كامل التراب التونسي.
وتشير المعطيات الواردة في ملف القضية إلى أن الشركة حصلت كذلك على شروط تعاقدية ومالية أكثر تفضيلًا من تلك التي كانت تمنح لموزعين آخرين، من بينها مدة تعاقد أطول وشروط أكثر تقييدًا لإنهاء العقد إلى جانب نسب أرباح وامتيازات تجارية اعتُبرت غير معتادة.
كما شملت الشبهات تمكين الشركة من تسبيقات مالية وتحمل اتصالات تونس أعباء بنكية مرتبطة بضمانات العقد، إضافة إلى امتيازات مرتبطة بنقاط البيع والتوزيع.
إحالة نبيل الشايبي من أجل المشاركة:
وكان قاضي التحقيق قد قرر في مرحلة أولى حفظ التهمة، قبل أن يستأنف المكلف العام بنزاعات الدولة واتصالات تونس القرار.
وفي فيفري 2018 قررت دائرة الاتهام إحالة منتصر وايلي على المحاكمة من أجل تهم تتعلق باستغلال الصفة الوظيفية لتحقيق منفعة لا وجه لها أو الإضرار بالإدارة، فيما أحيل رجل الأعمال نبيل الشايبي من أجل المشاركة في الأفعال موضوع التتبع.
كما شملت الأبحاث جليلة الطرابلسي، قبل أن تقرر دائرة الاتهام حفظ التهمة في حقها في هذا الملف، باعتبار أن الوقائع المتعلقة بشركة «كيوسك كونسابت» سبق أن كانت محل قضية مستقلة.
وطعن نبيل الشايبي بالتعقيب في قرار الإحالة، غير أن محكمة التعقيب رفضت الطعن في فيفري 2019، بما سمح بمواصلة المحاكمة أمام الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الفساد المالي.
سبع سنوات من المحاكمة دون حكم ابتدائي:
منذ رفض الطعن في قرار الإحالة سنة 2019 استمرت القضية أمام المحكمة وشهدت تأجيلات متكررة، ارتبط جزء منها بانتظار استكمال الاختبارات المالية وتحديد حجم الأضرار التي يُشتبه في أنها لحقت باتصالات تونس.
وتواصل التأجيل خلال السنوات اللاحقة، سواء لتمكين الأطراف من الاطلاع على نتائج الاختبارات أو بسبب عدم اكتمال الأعمال الفنية المتعلقة بالملف.
وقد صدر في أفريل 2026 حكم غيابي بالسجن ضد منتصر وايلي في قضية أخرى منفصلة تتعلق بعقود الإشهار والتعاملات التجارية بين اتصالات تونس وشركة «كاكتوس برود»، وهو ملف مستقل عن قضية DISTRICOM.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعبر مرصد الحرية لتونس عن قلقه من طول أمد هذه القضية واستمرارها لأكثر من سبع سنوات أمام القضاء دون صدور حكم ابتدائي في أصل النزاع، رغم أن القضية تتعلق بوقائع مالية وتعاقدية يفترض أن تكون قابلة للحسم عبر تقارير الخبراء والوثائق المحاسبية والإدارية.
ويرى المرصد أن التأخير المفرط في الفصل في القضايا الاقتصادية والمالية يضر بحقوق جميع الأطراف، سواء المتهمين أو المؤسسة العمومية أو المصلحة العامة، ويقوض مبدأ المحاكمة خلال أجل معقول واليقين القانوني.
كما يشدد المرصد على ضرورة تحديد المسؤولية الجزائية بصورة فردية، والتمييز بين مسؤولية صاحب القرار داخل المؤسسة العمومية ومسؤولية المتعاقد الخاص، وعدم افتراض المسؤولية الجنائية لمجرد استفادة شركة خاصة من عقد أو امتيازات تجارية ما لم يثبت دور صاحبها في الأفعال موضوع الاتهام.
ويرى المرصد أن استمرار القضية لسنوات بسبب انتظار الاختبارات المالية يفرض على الجهات القضائية المختصة ضمان استقلال الخبرة وسرعة إنجازها، باعتبار أن تحديد الضرر المالي الفعلي يمثل عنصرًا أساسيًا في تقييم الوقائع ونطاق المسؤولية.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -التعجيل بالفصل في القضية ووضع حد للتأجيل المتكرر غير المبرر، بما يضمن حق جميع الأطراف في محاكمة خلال أجل معقول.
- -استكمال الاختبارات المالية والمحاسبية بصورة مستقلة وشفافة، وتحديد قيمة الضرر الفعلي المنسوب إلى العقد موضوع القضية.
- -تحديد المسؤولية الفردية لكل طرف والفصل بين مسؤولية المسؤول العمومي ومسؤولية المتعاقد الخاص وفق الأفعال المنسوبة إلى كل منهما.
- -تمكين هيئة الدفاع من الاطلاع الكامل على تقارير الخبرة والوثائق التعاقدية والمالية ومناقشتها أمام المحكمة.
- -احترام قرينة البراءة وعدم تقديم شروط العقد أو الانتفاع منه باعتبارها دليلًا قائمًا بذاته على المشاركة في الفساد قبل ثبوت المسؤولية بحكم قضائي.
- -ضمان حماية المال العام ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الإضرار بالمؤسسة العمومية في إطار قضاء مستقل ومحاكمة عادلة.




