16 سبتمبر (أيلول) 2026 – أصدر قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي بطاقة إيداع بالسجن في حق المحامي غازي المرابط، بعد استنطاقه في قضية تتعلق بشبهات ترويج المخدرات وغسل الأموال، وذلك بعد نحو أسبوعين من إيقافه وقضاءه فترتي احتفاظ متتاليتين.
وكان غازي المرابط قد أُوقف مساء 3 سبتمبر 2026 داخل منزل أحد منوبيه، وهو شخص مفتش عنه وصادر في حقه حكم غيابي بالسجن أربعين عامًا في قضايا مخدرات. وأعلنت مصادر قضائية لاحقًا حجز أكثر من 8 كيلوغرامات من الكوكايين و4 كيلوغرامات من القنب الهندي ومبلغ مالي يقارب 394 ألف دينار داخل المنزل.
ونسبت الرواية الأمنية إلى المرابط محاولة عرقلة عمل أعوان الضابطة العدلية لتمكين الشخص الآخر من الفرار. وفي المقابل، نفت هيئة الدفاع ارتباطه بشبكة لترويج المخدرات، وأكدت أن وجوده بالمنزل كان مرتبطًا بممارسة مهنته كمحام وزيارته لأحد منوبيه.
من الاحتفاظ إلى الإيداع بالسجن:
أذنت النيابة العمومية في البداية بالاحتفاظ بالمرابط مدة خمسة أيام، ثم تم التمديد في الاحتفاظ خمسة أيام إضافية في إطار البحث المتعلق بشبهات ترويج المخدرات وغسل الأموال. وأُحيل الملف لاحقًا على القطب القضائي الاقتصادي والمالي بعد استكمال جانب من الأبحاث والاختبارات الفنية والعلمية.
وشملت الإحالة غازي المرابط وستة أشخاص آخرين، من بينهم الشخص الذي أوقف معه وموظف آخر فيما أُحيل لاعب كرة قدم بحالة تقديم. وبذلك بلغ عدد الأشخاص المحالين في هذا المسار سبعة، مع اختلاف أوضاعهم الإجرائية.
هيئة الدفاع: وجوده في المنزل كان بصفته محاميًا
تتمسك هيئة الدفاع بأن وجود غازي المرابط داخل منزل الشخص الموقوف لا يشكل في حد ذاته دليلًا على مشاركته في الجرائم المنسوبة إلى صاحب المنزل، وتقول أنه تواجد هناك في إطار علاقته المهنية بمنوبه.
ويكتسب هذا المعطى أهمية بالنظر إلى طبيعة مهنة المحاماة، التي تشمل الاتصال بالمنوبين والتنقل إليهم وتقديم النصح والاستشارة والمساعدة القانونية. وينظم المرسوم عدد 79 لسنة 2011 مهنة المحاماة ويقر للمحامي مهمة تمثيل الأشخاص ومساعدتهم والدفاع عنهم أمام الجهات القضائية والضابطة العدلية.
ويقتضي تحديد المسؤولية الجزائية للمرابط الاستناد إلى أدلة فردية تتعلق بشخصه وتثبت صلته بالأفعال موضوع التحقيق ومدى علمه بها أو مشاركته فيها، وعدم الاكتفاء بمجرد وجوده داخل منزل أحد منوبيه عند تنفيذ العملية الأمنية.
محامي مراد الزغيدي ومتابع لملف برهان بسيس:
ويتولى غازي المرابط الدفاع عن الإعلامي مراد الزغيدي، وكان من أبرز أعضاء هيئة دفاعه خلال مساره القضائي الممتد منذ إيقافه في ماي 2024. كما تابع الملف المشترك الذي شمل الزغيدي والإعلامي برهان بسيس، وأدلى مرارًا بتصريحات بشأن المحاكمة والتهم المالية الموجهة إليهما. وكان المرابط قد كشف خلال متابعته قضية مراد الزغيدي عن جملة من العناصر التي اعتبرها الدفاع إخلالات جوهرية في الملف.
وانتقد المرابط العقوبات المسلطة على مراد الزغيدي وبرهان بسيس، واعتبر أن التكييف المتعلق بغسل الأموال لا يتناسب مع طبيعة المخالفات التي يقول الدفاع إنها جبائية في أصلها. كما أثار مسائل تتعلق بسير الإجراءات وطول الاحتجاز واستمرار سلب الحرية بعد انتهاء العقوبة الأولى المرتبطة بالمرسوم 54.
وأيدت محكمة الاستئناف في ماي 2026 الحكم القاضي بسجن مراد الزغيدي وبرهان بسيس ثلاثة أعوام وستة أشهر في قضية غسل أموال ومخالفات جبائية. وكانت منظمة مراسلون بلا حدود قد اعتبرت الملف جزءًا من ملاحقة قضائية ممتدة ضد الإعلاميين، فيما طالبت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بالإفراج عنهما.
صعوبات في مقابلة محاميه خلال الاحتفاظ:
أثارت قضية غازي المرابط كذلك إشكالًا بشأن ضمانات الدفاع خلال فترة الاحتفاظ. فقد أكد المحامي نافع العريبي أن عددًا من المحامين حاولوا مقابلة زميلهم خلال فترة الاحتفاظ دون أن يتمكنوا من ذلك، وتساءل عن الأساس القانوني لاستمرار المنع بعد انقضاء الساعات الأولى من الإجراء.
وينص الفصل 13 رابعًا من مجلة الإجراءات الجزائية على حق محامي المحتفظ به، إذا طلب ذلك، في زيارة منوبه ومقابلته على انفراد لمدة نصف ساعة، مع إمكانية طلب مقابلة جديدة عند التمديد في الاحتفاظ.
كما يجيز القانون للنيابة العمومية تأخير الاتصال بالمحامي لمدة أقصاها 48 ساعة في القضايا الإرهابية عندما تقتضي ضرورة البحث ذلك. أما المعطيات القضائية المنشورة في قضية المرابط فتتعلق بالمخدرات وغسل الأموال، وهو ما يجعل تحديد الأساس القانوني لمنعه من مقابلة زملائه مسألة تستوجب التوضيح.
ضمانات خاصة عند تتبع محام جزائيًا:
يقر المرسوم عدد 79 لسنة 2011 ضمانات إجرائية خاصة عند تتبع أحد المحامين جزائيًا.
وينص الفصل 46 على إعلام رئيس الفرع الجهوي المختص عند حصول تتبعات جزائية ضد محام، وعلى إحالة المحامي وفق الإجراءات التي حددها النص، إلى جانب ضمانات ترتبط بحضور ممثل هياكل المهنة.
كما يضع القانون ضوابط خاصة على الإجراءات التي يمكن أن تمس عمل المحامي ووثائقه المهنية، بالنظر إلى ضرورة حماية السر المهني وحقوق المنوبين واستقلال الدفاع.
وتستوجب قضية غازي المرابط التثبت من احترام هذه الضمانات في كامل مراحل البحث، ومن الفصل بين أي أدلة تتعلق بشخصه وبين المعلومات والوثائق التي قد تكون وصلت إليه بحكم ممارسته لمهنته.
قرينة البراءة وعدم الخلط بين المحامي ومنوبه:
يقتضي احترام قرينة البراءة عدم إسناد المخدرات أو الأموال التي عثر عليها في منزل شخص آخر إلى غازي المرابط لمجرد وجوده في المكان، ما لم تثبت التحقيقات بواسطة أدلة مستقلة علاقته بها.
كما تقتضي المحاكمة العادلة تحديد الأدلة والمسؤوليات المنسوبة إلى كل شخص على حدة، خاصة في قضية تشمل عددًا من المشتبه بهم وتقوم على وقائع وأفعال يفترض إثباتها بصورة فردية.
قلق متزايد بشأن المحامين العاملين في القضايا السياسية وقضايا الرأي:
وتأتي قضية غازي المرابط في سياق أثارت فيه منظمات حقوقية دولية مخاوف متكررة بشأن الملاحقات التي طالت محامين يتولون الدفاع عن معارضين ومعتقلي رأي أو ينتقدون علنًا سير بعض المحاكمات.
وقالت هيومن رايتس ووتش في تقرير حديث عن تونس إن محامين تولوا الدفاع في قضايا سياسية تعرضوا لملاحقات وتحقيقات قضائية مرتبطة، بحسب المنظمة، بممارستهم المشروعة لمهنة الدفاع. وأشارت بصورة خاصة إلى قضية المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب، الذي أوقف بعد تصريحات انتقد فيها سير محاكمة قضية «التآمر على أمن الدولة» واستقلال القضاء.
كما أوردت منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي أن محامين يمثلون معارضين سياسيين وضحايا انتهاكات تعرضوا لتحقيقات وتتبعات جزائية مرتبطة بتصريحات أو نشاطات تدخل في نطاق ممارسة مهنتهم وحرية التعبير.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يتابع مرصد الحرية لتونس بقلق قضية المحامي غازي المرابط، ويطالب بضمان جميع حقوقه الإجرائية وحقوق الدفاع منذ مرحلة الاحتفاظ وحتى انتهاء التحقيق والمحاكمة، وباحترام قرينة البراءة وعدم تقديم الاتهامات المتداولة في القضية باعتبارها وقائع ثابتة قبل صدور حكم قضائي.
ويشدد المرصد على ضرورة الفصل بين وجود المحامي لدى أحد منوبيه وبين إثبات مساهمته في الجريمة المنسوبة إلى ذلك المنوب. ولا يمكن ترتيب مسؤولية جزائية على العلاقة المهنية وحدها، وإنما يجب أن تقوم التتبعات على أدلة شخصية ومحددة تثبت الفعل المنسوب إليه ومدى علمه أو مشاركته فيه.
كما يعرب المرصد عن قلقه من المعطيات التي أفاد بها محامون بشأن تعذر مقابلة المرابط خلال جزء من فترة الاحتفاظ، ويطالب بالتحقق من مدى احترام أحكام مجلة الإجراءات الجزائية المتعلقة بحق المحتفظ به في الاستعانة بمحام ومقابلته.
ويؤكد المرصد ضرورة التقيد بالضمانات المنصوص عليها في المرسوم عدد 79 لسنة 2011 المنظم لمهنة المحاماة، واحترام استقلال الدفاع والسر المهني وعدم استعمال معلومات أو وثائق مرتبطة بمنوبي المحامي خارج ما يسمح به القانون.
ويولي المرصد أهمية خاصة لكون غازي المرابط محامي الإعلامي مراد الزغيدي ومن المحامين المتابعين للملف القضائي المشترك الذي يشمل برهان بسيس، حيث تولى خلال السنوات الأخيرة الدفاع عن الزغيدي وكشف أمام الرأي العام عددًا من الاعتراضات والإخلالات التي سجلتها هيئة الدفاع، خاصة في ما يتعلق بالتكييف القانوني لتهمة غسل الأموال، وطبيعة المعطيات المالية المستعملة، وطول مدة الإيقاف وإجراءات المحاكمة.
ويعرب مرصد الحرية لتونس عن تخوفه من اتساع دائرة الملاحقات التي تطال محامين مرتبطين بقضايا سياسية وقضايا معتقلي الرأي، وخصوصًا المحامين الذين يتولون كشف الإخلالات الإجرائية والدفاع العلني عن حقوق منوبيهم أو انتقاد مسارات قضائية يرون أنها لا تحترم ضمانات المحاكمة العادلة.
ويؤكد المرصد أن هذا السياق يفرض التعامل بأقصى درجات الشفافية مع قضية غازي المرابط والكشف عن الأدلة المادية التي تستند إليها التتبعات في حقه، منعًا لأي خلط بين التحقيق في أفعال جنائية محددة وبين دوره كمحام في ملفات حساسة.
كما يستنكر المرصد حملات التشهير و الإدانة المسبقة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة في قضية لا تزال في طور التحقيق، ويدعو إلى عدم تحميل غازي المرابط مسؤولية المحجوز والأموال التي عُثر عليها داخل منزل شخص آخر إلا استنادًا إلى أدلة تثبت صلته الشخصية بها.
ولا تمنح صفة المحامي حصانة من التحقيق في أفعال جنائية محددة، لكنها تفرض على السلطات احترام الضمانات التي تحمي استقلال المهنة وحق المحامي في الدفاع عن منوبيه دون تعرضه للضغط أو الملاحقة بسبب طبيعة القضايا التي يتولاها أو المواقف التي يعبر عنها أثناء ممارسة مهامه المهنية، وهو مبدأ تؤكده المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -ضمان احترام قرينة البراءة وعدم تقديم غازي المرابط للرأي العام باعتباره عضوًا في شبكة مخدرات قبل ثبوت ذلك بحكم قضائي.
- -تمكين هيئة الدفاع من ممارسة كامل حقوقها في الاتصال بمنوبها والاطلاع على الإجراءات ومناقشة الأدلة وفق القانون.
- -التحقيق في أسباب تعذر مقابلة المرابط لمحاميه خلال فترة الاحتفاظ ومدى مطابقة ذلك لأحكام مجلة الإجراءات الجزائية.
- -احترام الضمانات الخاصة بتتبع المحامين الواردة في المرسوم عدد 79 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.
- -الفصل بصورة واضحة بين وجود المرابط لدى أحد منوبيه وبين أي أفعال جزائية قد تنسب إليه، وعدم اعتماد العلاقة المهنية في حد ذاتها كقرينة على المشاركة في الجريمة.
- -الكشف عن الأدلة الفردية المتعلقة بكل متهم، وعدم إسناد المواد المخدرة أو الأموال المحجوزة إلى جميع الموجودين بالمكان دون تحديد المسؤولية الشخصية لكل طرف.
- -حماية السر المهني وملفات المنوبين والوثائق التي تكون بحوزة المحامي بسبب عمله، وعدم الاطلاع عليها أو حجزها خارج الحدود التي يجيزها القانون.
- -ضمان ألا تكون القضايا التي يتولاها المحامي أو دفاعه عن صحفيين ومعارضين ومعتقلي رأي، أو كشفه لإخلالات قضائية وإجرائية، سببًا في أي ضغط أو تضييق أو إجراء انتقامي ضده.
- -الكشف بشفافية عن الأساس والأدلة التي تقوم عليها التتبعات في حق غازي المرابط، بالنظر إلى موقعه ضمن هيئات الدفاع في عدد من القضايا الحساسة.
- -وضع حد لأي ملاحقة تستهدف المحامين بسبب ممارسة مهنتهم أو الدفاع العلني عن حقوق منوبيهم، وضمان قدرتهم على أداء مهامهم باستقلال ودون خوف من الانتقام.
- -ضمان سرعة التحقيق وتجنب الإطالة غير المبررة في الإيقاف التحفظي، مع إعادة تقييم ضرورته وفق المعايير القانونية.
- -وقف حملات التشهير والإدانة المسبقة التي قد تمس حق المتهم في محاكمة عادلة أو تؤثر في صورته قبل حسم الملف قضائيًا.




