06 ماي (مايو) 2026 – أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس أحكامًا بالسجن تراوحت بين 11 و30 سنة في القضية المتعلقة بما عُرف بملف “افتعال جوازات سفر ووثائق جنسية وتسليمها لأجانب”، والتي شملت قيادات سابقة بحركة النهضة وإطارات أمنية ومتهمين آخرين داخل تونس وخارجها.
وقضت المحكمة بالسجن لمدة 20 سنة في حق وزير العدل الأسبق والقيادي بحركة النهضة نور الدين البحيري، وكذلك في حق الإطار الأمني السابق فتحي البلدي، فيما قضت بالسجن 11 سنة في حق عدد من المتهمين المحالين بحالة سراح.
كما قضت الدائرة بالسجن لمدة 30 سنة مع النفاذ العاجل في حق المتهمين المحالين بحالة فرار، ومن بينهم معاذ الغنوشي، نجل رئيس حركة النهضة، إضافة إلى متهمين آخرين وأجانب شملهم التتبع.
وفي المقابل، قررت المحكمة التشطيب على أسماء رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي وعدد من المتهمين الآخرين من الملف، استجابة لطلبات هيئة الدفاع، وذلك في انتظار مآل الطعن بالتعقيب ضد قرار دائرة الاتهام القاضي بإحالتهم على أنظار الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب.
عرض الوقائع:
تعود القضية إلى تصريحات رسمية أدلى بها وزير الداخلية السابق توفيق شرف الدين في جانفي 2022، تحدث فيها عن “شبهات إرهابية” تتعلق بمنح جوازات سفر ووثائق جنسية تونسية لأجانب بطرق غير قانونية.
وبحسب ملف الأبحاث، تتعلق التتبعات بشبهات افتعال جوازات سفر تونسية ووثائق جنسية وتسليمها لأجانب يُشتبه في ارتباطهم بقضايا ذات صبغة إرهابية، وهما أساسا يوسف ندا وعلي غالب همّت، وهما اسمان ارتبطا تاريخيًا بملفات تعود إلى ثمانينات القرن الماضي.
غير أن الوثائق الرسمية تُظهر أن منح الجنسية التونسية لكل من يوسف ندا وعلي غالب همّت تمّ خلال سنوات الثمانينات، وبموجب قرارات رسمية صادرة عن السلطات المختصة آنذاك، أي قبل عقود من تولي نور الدين البحيري أو بقية المتهمين الحاليين لأي مسؤوليات حكومية.
وتفيد المعطيات بأن يوسف ندا تحصّل على الجنسية التونسية سنة 1983 عبر وثيقة رسمية صادرة عن وزارة العدل، كما صدر قرار منح الجنسية لعلي غالب همّت في الفترة ذاتها، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها في ذلك الوقت.
خلفية القضية:
شهد هذا الملف منذ انطلاقه جدلًا واسعًا بسبب اعتماده على وقائع تعود إلى أكثر من أربعة عقود، وإعادة إدراجها ضمن إطار قانون مكافحة الإرهاب في سياق سياسي وقضائي معقّد.
وكانت دائرة الاتهام المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب لدى محكمة الاستئناف بتونس قد قررت في فيفري 2025 إحالة 11 متهمًا على أنظار الدائرة الجنائية المختصة، من بينهم نور الدين البحيري وفتحي البلدي بحالة إيقاف، وعدد من المتهمين بحالة سراح، من بينهم حمادي الجبالي، إضافة إلى متهمين محالين بحالة فرار داخل تونس وخارجها.
ويُعدّ ملف يوسف ندا من أبرز النقاط المثيرة للجدل داخل القضية، خاصة أن اسمه تم شطبه نهائيًا من القوائم الدولية للإرهاب سنة 2015، بعد مراجعات قضائية مطولة انتهت إلى إسقاط التصنيفات المرتبطة به ورفع القيود الدولية المفروضة عليه، وهو ما يُعتبر معطى قانونيًا جوهريًا يضعف الأساس الذي استندت إليه بعض التكييفات ذات الصبغة الإرهابية في هذا الملف.
كما أثارت القضية تساؤلات متزايدة حول مدى قانونية إعادة فتح ملفات ووقائع قديمة تمت في سياقات سياسية وقانونية مختلفة، وربطها لاحقًا بتتبعات إرهابية حديثة.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يرى مرصد الحرية لتونس أن الأحكام الثقيلة الصادرة في هذا الملف تعكس مرة أخرى التوسع المتواصل في توظيف قانون مكافحة الإرهاب في قضايا يغلب عليها الطابع الإداري أو السياسي أو المرتبط بوقائع تاريخية قديمة.
ويعتبر المرصد أن إعادة إحياء ملفات تعود إلى الثمانينات، وربطها لاحقًا بتوصيفات إرهابية رغم تغير السياقات القانونية والدولية، يطرح إشكاليات جدية تتعلق بمبدأ اليقين القانوني واحترام شروط المحاكمة العادلة.
كما يسجل المرصد بقلق أن القضية استندت جزئيًا إلى أسماء وشخصيات لم تعد مصنفة دوليًا ضمن قوائم الإرهاب، وهو ما يثير تساؤلات حول الأساس الواقعي والقانوني للتكييفات المعتمدة.
ويحذر المرصد من مخاطر تحويل قانون مكافحة الإرهاب إلى أداة للتوسع في التجريم السياسي أو إعادة تدوير ملفات قديمة في سياقات ظرفية، بما يهدد الثقة في استقلالية القضاء ويقوض الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
ويعتبر المرصد أن إصدار أحكام تصل إلى 30 سنة سجناً في ملفات تقوم على وقائع متنازع حول أساسها الزمني والقانوني يثير مخاوف حقيقية بشأن مبدأ التناسب بين الأفعال المنسوبة والعقوبات المحكوم بها.
كما يحذّر مرصد الحرية لتونس من خطورة الزجّ بأفراد من عائلات الشخصيات السياسية على غرار نجل الغنوشي داخل ملفات ذات صبغة إرهابية استنادًا إلى معطيات أو شهادات غير واضحة أو مجهولة المصدر، دون إثبات مسؤوليات شخصية ومباشرة، بما قد يفتح المجال لربط التتبعات القضائية بروابط القرابة العائلية بدل حصر المسؤولية الجزائية في الأفعال الفردية الثابتة.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -إعادة النظر في الملف القضائي في ضوء المعطيات التاريخية والقانونية والدولية المستجدة.
- -ضمان حق جميع المتهمين في الطعن والاستئناف ضمن شروط محاكمة عادلة وعلنية.
- -الكفّ عن توظيف ملفات قديمة أو وقائع تاريخية في سياقات سياسية أو قضائية ظرفية.
- -احترام مبدأ اليقين القانوني وعدم إعادة إحياء ملفات سبق حسمها أو تغيّرت معطياتها القانونية دوليًا.
- -مراجعة التوسع في استعمال قانون مكافحة الإرهاب في قضايا لا تستند إلى أفعال مادية حديثة وواضحة.




