20 جانفي (يناير) 2026 – قرّرت الدائرة الجنائية المختصّة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس، يوم أمس، تأخير النظر في القضية المرفوعة ضدّ القيادي في حركة النهضة والوزير الأسبق عبد الكريم الهاروني، ورجل الأعمال محمد فريخة، إلى جلسة يوم 2 فيفري المقبل، مع رفض مطالب الإفراج المقدّمة في حق المتهمين الموقوفين.
وقد مثل اليوم كلّ من عبد الكريم الهاروني ومحمد فريخة ومنصف الماطوسي المدير العام السابق لشركة “عجيل” البترولية بحالة إيقاف، فيما حضر متهمون آخرون بحالة سراح، أمام هيئة الدائرة الجنائية المختصّة في قضايا الفساد المالي، وذلك على ذمّة قضية تتعلّق بمعاملات تجارية بين شركة يديرها محمد فريخة والمؤسّسة الوطنية البترولية.
ووجّهت إلى المتهمين تهم تتعلّق باستغلال موظّف عمومي لصفته لاستخلاص فائدة لنفسه أو لغيره، والإضرار بالإدارة، على معنى الفصل 96 من المجلة الجزائية ومخالفة التراتيب الجاري بها العمل.
خلفية القضية:
تعود القضية إلى سنة 2012 حين أبرمت شركة “عجيل” البترولية الحكومية صفقة لتزويد شركة “سيفاكس إيرلاينز”، المملوكة لمحمد فريخة، بكميات من وقود الطائرات (الكيروزين) خلال فترة إشراف عبد الكريم الهاروني على وزارة النقل. وتتركز التحقيقات حاليا حول شبهة منح تسهيلات مالية وإدارية سمحت للشركة الخاصة بالحصول على تراخيص تجديد نشاطها رغم وضعها المالي المتعثر وتراكم ديونها لمؤسسات الدولة، إضافة إلى منحها لاحقًا ترخيصًا للدخول إلى البورصة سنة 2013. وشملت التتبعات أيضًا مسؤولين سابقين بشركة “عجيل”، من بينهم منصف الماطوسي والحبيب ملوح، بتهم تتعلق بتسهيل العقود وتجاوز القواعد المنظمة للصفقات العمومية.
وبحسب هيئة الدفاع، فإنّ الشبهات المثارة لا تستند إلى معطيات محاسبية ثابتة، بل إلى تأويلات إعلامية وأوامر سياسية استهدفت رجال أعمال ومسؤولين سابقين دعموا الحكومات التي كانت تحت قيادة حركة النهضة. وأكدت هيئة الدفاع أنّ الملف يُوظَّف سياسيًا لتبرير موجة الإيقافات التي طالت معارضين وقيادات سابقة في الحركة، وأن محمد فريخة خضع سابقًا لضغوط بسبب رفضه الإدلاء بشهادات ضد قيادات سياسية ملاحقة في ملفات أخرى.
يُذكر أن عبد الكريم الهاروني موقوف منذ أكثر من سنة على ذمّة هذه القضية، في حين يُلاحق محمد فريخة في نفس الملف باعتباره طرفًا في المعاملات موضوع التتبع.
مسار الجلسات:
عرفت القضية تأجيلات متكرّرة منذ إحالتها على أنظار الدائرة الجنائية المختصّة في قضايا الفساد المالي، سواء بطلب من هيئة الدفاع للاطلاع على الملف واستكمال وسائل الدفاع، أو لأسباب إجرائية متعلّقة بسير المحاكمة، مع تواصل إيقاف بعض المتهمين ورفض مطالب الإفراج المؤقت.
ومن المنتظر أن تنظر المحكمة خلال جلسة 2 فيفري القادمة في مواصلة النظر في الملف، مع تجديد مطالب الدفاع المتعلّقة بالإفراج، أو المرور إلى مراحل إجرائية متقدّمة حسب ما ستقرّره هيئة المحكمة.
موقف المرصد:
يؤكد المرصد على ضرورة التمييز بين المحاسبة المشروعة على الفساد، وبين احترام ضمانات المحاكمة العادلة، خاصة عندما يتعلّق الأمر بقضايا ما تزال في طورها الابتدائي وتستند إلى معاملات تجارية وإدارية قابلة للتدقيق والمساءلة بآليات غير زجرية.
كما يلفت المرصد إلى أن استمرار الإيقاف التحفّظي ورفض مطالب الإفراج يجب أن يظلّ إجراءً استثنائيًا ومعلّلًا تعليلًا دقيقًا، لا أن يتحوّل إلى عقوبة مسبقة قبل الفصل في أصل القضية.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
تمكين المتهمين من الإفراج المؤقت (على الأقل) ما لم تُثبت المحكمة وجود موجبات قانونية جدّية ومعلّلة تبرّر مواصلة الإيقاف التحفّظي.
احترام قرينة البراءة وعدم تقديم الإيقاف أو رفض الإفراج للرأي العام باعتباره قرينة إدانة مسبقة.
ضمان محاكمة عادلة وفي آجال معقولة، خاصة في القضايا ذات الطابع المالي التي تتعلّق بمعاملات تجارية وإدارية يمكن التثبّت منها عبر الخبراء والمحاسبة الفنية.
الفصل الواضح بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجزائية، وعدم توسيع دائرة التجريم على نحو يخلط بين القرارات الإدارية أو السياسية السابقة والأفعال الجزائية المجرّمة صراحة.




