03 جانفي (كانون الثاني) 2026 – قرّرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، إقرار الحكم الابتدائي الصادر ضد الصحفي محمد بوغلاب، والقاضي بسجنه مدة سنتين، مع إسعافه بتأجيل تنفيذ العقوبة البدنية، وذلك على خلفية تتبعات تتعلق بتدوينة نشرها على إحدى شبكات التواصل الاجتماعي.
ويأتي هذا القرار تأكيدًا للحكم الصادر عن الدائرة الجنائية عدد 44 بالمحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 10 جويلية (يوليو) 2025، والقاضي بسجن بوغلاب عامين اثنين استنادًا إلى الفصل 24 من المرسوم عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، إثر شكاية تقدّمت بها أستاذة جامعية بدعوى الإساءة والتشهير.
عرض الوقائع:
تعود أطوار هذه القضية إلى 5 أفريل (أبريل) 2024، حين أصدر قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس بطاقة إيداع بالسجن في حق محمد بوغلاب على ذمة هذه الشكاية، ليبقى موقوفًا إلى أن قرّرت الدائرة الجنائية بذات المحكمة، بتاريخ 20 فيفري (فبراير) 2025، الإفراج عنه مع الإبقاء عليه بحالة سراح إلى حين الفصل في القضية.
وقد اعتمدت المحكمة في الإدانة على الفصل 24 من المرسوم عدد 54، الذي يُجرّم نشر أو ترويج معطيات أو أخبار تُعدّ “غير صحيحة” عبر الأنظمة المعلوماتية، ويقرّ عقوبات سالبة للحرية تصل إلى خمس سنوات سجن، مع مضاعفة العقوبة إذا كان الشخص المستهدف موظفًا عموميًا أو في حكمه.
خلفية القضية:
لا تنفصل هذه القضية عن سياق قضائي أوسع شمل الصحفي محمد بوغلاب منذ مارس (آذار) 2024، حيث تم إيقافه بتاريخ 22 مارس إثر شكاية ثانية تقدّم بها مسؤول بوزارة الشؤون الدينية، على خلفية تصريحات إعلامية وتدوينات انتقد فيها سياسات الوزارة وطريقة إنفاق المال العام.
وقد أُدين بوغلاب في تلك القضية الأولى بالسجن مدة ثمانية أشهر بتهم تتعلق بقذف موظف عمومي، قبل أن يُواصل احتجازه على ذمة قضية ثانية منفصلة تتعلق بالمرسوم 54، وهي القضية التي صدر فيها الحكم موضوع هذا الخبر.
وتشير المعطيات الحقوقية إلى أنّ بوغلاب بقي رهن الإيقاف لفترة طويلة في إطار تتبعات مرتبطة حصريًا بمضمون تعبيره الصحفي والإعلامي، في ظل تحذيرات متكررة من منظمات دولية، من بينها منظمة العفو الدولية ولجنة حماية الصحفيين، بشأن تدهور حالته الصحية واعتبار احتجازه تعسفيًا.
السياق العام: المرسوم 54 وتجريم التعبير
تندرج قضية محمد بوغلاب ضمن موجة أوسع من الملاحقات القضائية التي طالت صحفيين ومدونين ومحامين وناشطين، استنادًا إلى المرسوم عدد 54، الذي أثار منذ صدوره انتقادات حقوقية واسعة بسبب صياغته الفضفاضة واعتماده عقوبات سالبة للحرية في قضايا تتعلق بحرية التعبير.
وقد استُخدم هذا المرسوم في ملاحقة عدد من الصحفيين، من بينهم مراد الزغيدي وبرهان بسيس وسنية الدهماني، في قضايا اعتُبرت من قبل منظمات حقوقية قضايا رأي لا تستوجب أي عقوبات جزائية.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعتبر مرصد الحرية لتونس أن إقرار إدانة الصحفي محمد بوغلاب، حتى مع تأجيل تنفيذ العقوبة، يُشكّل مساسًا جوهريًا بحرية التعبير والصحافة، ويكرّس مناخ الردع القضائي ضد الصحفيين عبر الإبقاء على سيف الإدانة والعقوبة المسلّطة فوق رؤوسهم.
ويؤكد المرصد أن تأجيل تنفيذ العقوبة لا يلغي الطابع الزجري للحكم، بل يحوّله إلى أداة ضغط دائمة، تتعارض مع المعايير الدولية التي تحظر سجن الصحفيين بسبب آرائهم أو أعمالهم الصحفية.
كما يرى المرصد أن الفصل 24 من المرسوم 54 يُستخدم كأداة لتجريم التعبير النقدي، في انتهاك واضح للفصل 31 من الدستور التونسي، وللالتزامات الدولية لتونس، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
– إسقاط جميع التتبعات القضائية ضد الصحفي محمد بوغلاب باعتبارها تتعلق بحرية التعبير.
– إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والتعبير، وعلى رأسها الفصل 24 من المرسوم عدد 54.
– وضع حدّ لتجريم العمل الصحفي واستعمال القضاء كأداة ردعية ضد الصحفيين.
– احترام التزامات تونس الدولية في حماية حرية التعبير وضمان بيئة آمنة ومستقلة للصحافة.




