04 سبتمبر (أيلول) 2026 – رفضت محكمة التعقيب بتونس جميع الطعون المقدمة في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«التآمر على أمن الدولة 1»، لتصبح الأحكام الاستئنافية الثقيلة الصادرة في حق عشرات السياسيين والمحامين والنشطاء ورجال الأعمال نهائية. ونظرت المحكمة في 46 طعنًا، وقضت برفض 44 منها أصلًا وطعنين شكلًا، وبذلك أبقت الأحكام التي أصدرتها محكمة الاستئناف في نوفمبر 2025 دون تغيير.
وكانت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب لدى محكمة الاستئناف بتونس قد نظرت في وضع 37 متهمًا، وانتهت إلى إدانة 34 منهم، مقابل الحكم بعدم سماع الدعوى في حق ثلاثة، بعقوبات تراوحت بين 5 و45 سنة سجنًا. ويبلغ مجموع العقوبات، نحو 861 سنة سجن، فضلًا عن أحكام بالمراقبة الإدارية والخطايا ومصادرة الأموال في عدد من الحالات.
ويغلق قرار محكمة التعقيب المسار القضائي العادي للطعن في تلك الأحكام، بعد أكثر من ثلاث سنوات على انطلاق الإيقافات والأبحاث في الملف في فيفري 2023.
أحكام بعشرات السنين ضد سياسيين ومعارضين:
شملت الأحكام عددًا من أبرز الشخصيات السياسية المعارضة، من بينهم خيام التركي بـ35 سنة، ونور الدين البحيري وعصام الشابي وجوهر بن مبارك وغازي الشواشي ورضا بلحاج بـ20 سنة لكل منهم، وعبد الحميد الجلاصي والصحبي عتيق وسيد الفرجاني بعشر سنوات، إلى جانب رجل الأعمال كمال اللطيف (45 سنة).
كما صدرت أحكام ضد شخصيات كانت في الأصل بحالة سراح، من بينها أحمد نجيب الشابي بـ12 سنة، وشيماء عيسى بـ20 سنة، والعياشي الهمامي بخمس سنوات، ومحمد المبروك الحامدي بـ17 سنة، فيما قضت المحكمة بعدم سماع الدعوى في حق نور الدين بوطار والأزهر العكرمي وحطاب سلامة.
وصدرت كذلك أحكام ثقيلة مع النفاذ العاجل في حق عدد من المحالين بحالة فرار، بلغت في معظم الحالات 33 سنة، ووصلت في بعض القوائم القضائية المنشورة إلى 43 سنة بالنسبة إلى بعض المتهمين. وتضمنت أحكام أخرى مراقبة إدارية وخطايا ومصادرة للأموال.
وتعود القضية إلى أبحاث انطلقت في فيفري 2023 وشملت سياسيين ورجال أعمال وشخصيات عامة، ووجهت إليهم اتهامات ثقيلة تتعلق بالتآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي وتكوين وفاق ذي علاقة بجرائم إرهابية والاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة وغيرها من التهم.
محاكمة واجهت انتقادات واسعة:
منذ بدايتها، أثارت القضية اعتراضات واسعة بشأن ضمانات المحاكمة العادلة، ولا سيما طول مدد الإيقاف، وحرمان عدد من المتهمين من الحضور الفعلي أمام المحكمة، واعتماد المحاكمة عن بعد، وشكاوى الدفاع من عدم تمكينه من ممارسة حقوقه بصورة كاملة.
وكانت الهيئة الوطنية للمحامين قد وصفت الأحكام الاستئنافية بأنها قاسية وغير مقبولة، وانتقدت غياب الاستنطاقات والمكافحات والمرافعات الفعلية للمتهمين، وطالبت بإيقاف الإجراءات والإفراج عن الموقوفين. كما اعتبرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أن القضية اتسمت بطابع جائر وانتقامي وأثارت مخاوف جدية بشأن حياد المحاكمة وضماناتها.
وقبيل جلسة التعقيب، اعتبرت منظمة العفو الدولية أن القضية شهدت محاكمة جماعية شابتها انتهاكات خطيرة للإجراءات القانونية الواجبة، وأن 34 من شخصيات المعارضة والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان أدينوا بتهم قالت المنظمة إنها ذات دوافع سياسية ولا أساس لها، وطالبت بإلغاء الإدانات والإفراج عن المحتجزين.
كما سبق لهيومن رايتس ووتش أن اعتبرت، بعد مراجعة وثائق القضية، أن الاتهامات لا تستند إلى أدلة موثوقة وأن المحاكمة ذات دوافع سياسية وتفتقر إلى ضمانات العدالة. واعتبر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الأحكام الثقيلة تمثل انتكاسة للعدالة وسيادة القانون.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يندد مرصد الحرية لتونس بشدة بقرار محكمة التعقيب رفض الطعون وتثبيت أحكام يصل مجموعها إلى أكثر من 860 سنة سجن في حق معارضين سياسيين ومحامين ونشطاء وشخصيات عامة، ويعتبر أن هذه الأحكام قاسية وانتقامية وغير متناسبة، وتشكل واحدة من أخطر محطات توظيف القضاء في إدارة الصراع السياسي في تونس.
ويرى المرصد أن العقوبات التي تصل إلى عشرات السنوات بحق أشخاص ارتبط جانب أساسي من نشاطهم بالمعارضة السياسية والاجتماعات والاتصالات والنشاط المدني لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تضييقًا متزايدًا على الأحزاب والصحافة والمجتمع المدني والمعارضين.
ويعتبر المرصد أن 861 سنة من السجن ليست مجرد رقم قضائي، وإنما تعكس حجم العقوبات التي أصبحت تُسلط على الحياة السياسية في البلاد، وتبعث برسالة مفادها أن المعارضة قد تقود إلى عقوبات تمتد لعقود، وهو ما يهدد بتجفيف المجال العام وفرض الخوف والصمت على المواطنين.
كما يستنكر المرصد تثبيت هذه الأحكام رغم الاعتراضات المتكررة المتعلقة بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع وحضور المتهمين ومناقشة الأدلة، ويرى أن رفض الطعون دون معالجة جوهر هذه الإخلالات يكرس وضعًا قضائيًا بالغ الخطورة ويقوض الثقة في استقلال القضاء وقدرته على حماية الحقوق والحريات.
ويؤكد مرصد الحرية لتونس أن هذه الأحكام ستظل نقطة سوداء في تاريخ القضاء والحياة السياسية في تونس، ليس فقط بسبب قسوتها الاستثنائية، وإنما بسبب صدورها في قضية أصبحت رمزًا لاستعمال التهم الأمنية والإرهابية ضد طيف واسع من المعارضين.
ويعرب المرصد عن تضامنه الكامل مع جميع المساجين والمحكومين في القضية وعائلاتهم، وخصوصًا من أمضوا سنوات في الإيقاف ومن يعانون من تقدم السن أو تدهور الوضع الصحي داخل السجون.
كما يحذر المرصد من أن الإصرار على إدارة الخلاف السياسي بواسطة السجون والأحكام الثقيلة سيؤدي إلى تعميق الاستقطاب والاحتقان وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة، ويقوض مقومات السلم الأهلي والحوار السياسي.
ويرى المرصد أن استمرار هذه السياسة سيزيد من تأزم الأوضاع السياسية والاجتماعية في بلد يواجه أصلًا صعوبات اقتصادية واجتماعية عميقة، وأن تحويل المعارضة إلى مسألة أمنية وقضائية لا يعالج الأزمات، بل يضيف إليها أزمة سياسية ومؤسساتية جديدة.
ويؤكد المرصد أن مكافحة الجرائم الحقيقية وحماية أمن الدولة واجبان مشروعان، لكن لا يجوز استعمالهما لتبرير محاكمات تفتقر إلى الضمانات أو فرض عقوبات انتقامية على النشاط السياسي السلمي. والسلطات ملزمة، وفق الدستور والالتزامات الدولية لتونس، بضمان محاكمة عادلة أمام قضاء مستقل ومحايد، وبألا تصبح قوانين مكافحة الإرهاب وسيلة لإقصاء المعارضين.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -الإفراج الفوري عن جميع الموقوفين والمساجين في قضية «التآمر على أمن الدولة 1» الذين حوكموا بسبب نشاطهم السياسي السلمي وممارسة حقوقهم الأساسية.
- -إلغاء الإدانات والأحكام الجائرة الصادرة في القضية وإتاحة مسار قضائي مستقل يحترم كامل ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع.
- -الكف عن هرسلة المعارضين السياسيين واستعمال القضاء والإيقاف والسجن لإدارة الخلاف السياسي أو إقصاء الخصوم.
- -وقف توظيف قوانين مكافحة الإرهاب وأمن الدولة ضد الاجتماعات السياسية والاتصالات والنشاط المدني المشروع في غياب أدلة واضحة على أفعال إجرامية محددة.
- -احترام حق المتهمين في الحضور الفعلي أمام القضاء والاستنطاق والمواجهة وتقديم وسائل الدفاع ومناقشة جميع الأدلة بصورة مباشرة وعلنية.
- -وضع حد للاحتجاز التعسفي والإيقاف المطول، وضمان الإفراج عن كبار السن والمرضى وكل من لا تبرر حالته استمرار سلب حريته.
- -ضمان الرعاية الطبية الملائمة للمساجين وظروف احتجاز تحترم قواعد مانديلا والمعايير الدولية، خصوصًا بعد موجات الحر وتدهور أوضاع عدد من الموقوفين.
- -احترام استقلال القضاء والكف عن كل أشكال التدخل أو الضغط التي تجعل المحاكم أداة في الصراع السياسي.
- -إعادة فتح المجال السياسي والمدني أمام جميع التيارات، وحماية حرية المعارضة والتنظيم والاجتماع والتعبير باعتبارها أساس الاستقرار والسلم الأهلي، لا تهديدًا له.
- -جبر الضرر عن كل من ثبت تعرضه لاحتجاز تعسفي أو انتهاك لحقوقه في المحاكمة العادلة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي شابت مسار القضية.



