19 أوت (أغسطس) 2026 – يدعو مرصد الحرية لتونس السلطات القضائية والتنفيذية إلى الشروع الفوري في اعتماد المراقبة الإلكترونية بديلًا عن الإيقاف التحفظي والعقوبات السجنية القصيرة، وإلى الإفراج العاجل عن المعتقلين من كبار السن والمرضى، وفي مقدمتهم المعتقلون السياسيون وسجناء الرأي الذين تهدد ظروف الاحتجاز صحتهم وحياتهم.
وتأتي هذه الدعوة في ظل بلوغ عدد المودعين في السجون التونسية نحو 33 ألف شخص، مقابل طاقة استيعاب رسمية لا تتجاوز 17 ألف سرير، بما يجعل نسبة الإشغال تقارب ضعف القدرة الأصلية للمؤسسات السجنية. وقد انعكس هذا الاكتظاظ بصورة مباشرة على التهوئة والنظافة والرعاية الصحية والحصول على العلاج، وتفاقمت مخاطره خلال موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة داخل الغرف السجنية.

ولا تعاني تونس من غياب الأساس القانوني لاعتماد السوار الإلكتروني، إذ أقرّ المرسوم عدد 29 لسنة 2020 المتعلق بنظام المراقبة الإلكترونية في المادة الجزائية هذه الآلية بصورة صريحة. فقد أجاز الفصل 86 من مجلة الإجراءات الجزائية لقاضي التحقيق وضع المشتبه به تحت المراقبة الإلكترونية لمدة أقصاها ستة أشهر، بدل إبقائه رهن الإيقاف التحفظي. كما أجاز الفصل 15 مكرر من المجلة الجزائية للمحكمة استبدال عقوبة السجن النافذ، عندما لا تتجاوز عامًا واحدًا، بالعمل لفائدة المصلحة العامة أو بالمراقبة الإلكترونية، وفق شروط يحددها القانون. نص المرسوم عدد 29 لسنة 2020
وتؤكد المعطيات الواردة في تقرير لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب أن وزارة العدل اقتنت 200 سوار إلكتروني بكلفة 1.6 مليون دينار، غير أن المرحلة التجريبية انحصرت في مراقبة سجناء مقيمين بالمستشفيات أو خارجين إلى العيادات والمحاكم والحضائر الخارجية. كما لم يتجاوز عدد الأحكام القاضية بعقوبات بديلة خلال سنة 2025 نحو 335 حكمًا، وهو رقم محدود قياسًا بحجم الأحكام السجنية والاكتظاظ القائم. تقرير مجلس نواب الشعب حول مهمة العدل
ولا يكفي استعمال السوار لمراقبة السجين أثناء نقله إلى المستشفى أو المحكمة، لأن ذلك لا يخفف الاكتظاظ ولا يمثل عقوبة بديلة فعلية. ويجب نقل هذا الاجراء من مرحلة التجربة داخل المسار السجني إلى التطبيق القضائي خارج السجون، باعتباره بديلًا حقيقيًا عن الإيداع وعن استمرار العقوبات السالبة للحرية في الحالات التي لا يمثل فيها الشخص خطرًا فعليًا ومحددًا على سلامة المجتمع.
أما بالنسبة إلى المحكوم عليهم من كبار السن والمرضى، فإن الفصل 355 من مجلة الإجراءات الجزائية يتيح عدم التقيد بالشروط العامة للسراح الشرطي إذا بلغ المحكوم عليه ستين عامًا، أو كان مصابًا بعجز خطير أو مرض عضال. ويوفر هذا الفصل أساسًا قانونيًا واضحًا للإفراج الإنساني عن كبار السن والمرضى، حتى في بعض الحالات التي لم يستكمل فيها المحكوم عليه المدة المعتادة المطلوبة للسراح الشرطي. الفصول المتعلقة بالسراح الشرطي
كما ينص الفصل 36 من الدستور التونسي على حق كل سجين في معاملة إنسانية تحفظ كرامته، وعلى مراعاة مصلحة أسرته وإعادة تأهيله وإدماجه في المجتمع. ويلزم القانون عدد 52 لسنة 2001 إدارة السجون بإيداع السجناء في غرف تتوفر فيها التهوئة والإضاءة والمرافق الصحية، وضمان العلاج والدواء ونقل المريض إلى مؤسسة استشفائية عند الحاجة. الدستور التونسي – قانون السجون
وعلى المستوى الدولي، يقرّر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن الإيقاف في انتظار المحاكمة يجب ألا يكون القاعدة العامة، بينما تعتبر قواعد طوكيو الإيقاف التحفظي إجراءً استثنائيًا لا يُلجأ إليه إلا كحل أخير. كما تلزم قواعد نيلسون مانديلا الدول بتوفير رعاية صحية للسجناء مماثلة للرعاية المتاحة في المجتمع، وضمان الوصول العاجل إلى العلاج المتخصص. ودعت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب الدول إلى الإفراج عن كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة وغيرهم من الفئات الهشة للحد من مخاطر الاكتظاظ. العهد الدولي – قواعد طوكيو – قرار اللجنة الأفريقية
موقف المرصد ومطالبه:
يعتبر مرصد الحرية لتونس أن استمرار الزج بالأشخاص في السجون رغم توفر بدائل قانونية أقل مساسًا بالحرية يعكس تمسكًا بسياسة عقابية قائمة على الإيداع، بدل الإصلاح وإعادة الإدماج واحترام مبدأ التناسب.
ويشدد المرصد على أن السوار الإلكتروني لا يمثل إفلاتًا من العقوبة، بل طريقةً مقيدة للحرية تخضع لرقابة قضائية والتزامات محددة. لكنه يؤكد في المقابل أن هذه الآلية لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لتوسيع المراقبة أو نقل السجن إلى المنزل، ولا أن تُفرض على أشخاص كان يتعين الإفراج عنهم دون شروط.
وبناءً على ذلك، يطالب المرصد بـ:
- إجراء مراجعة قضائية عاجلة لملفات جميع السجناء وخاصة الذين تجاوزوا سن الستين أو يعانون أمراضًا مزمنة أو خطيرة وفي مقدمتهم سجناء الرأي، وتفعيل الفصل 355 المتعلق بالسراح الشرطي الإنساني.
- اعتماد السوار الإلكتروني بدل الإيقاف التحفظي كلما أمكن ضمان حضور المتهم وسلامة الإجراءات دون إيداعه في السجن.
- نقل تجربة السوار الإلكتروني من مراقبة تحركات السجناء خارج المؤسسات إلى تطبيق فعلي يسمح لهم بتنفيذ التدبير أو العقوبة في منازلهم.
- توسيع العمل بالعقوبات البديلة، ومنها العمل لفائدة المصلحة العامة والتعويض الجزائي وتأجيل التنفيذ والسراح الشرطي، بدل العقوبات السجنية القصيرة.
- إخضاع المراقبة الإلكترونية لقرار قضائي معلل ومحدد المدة، مع ضمان حق الشخص في الطعن والمراجعة وعدم تحميله أي تكاليف مالية.
- حماية المعطيات الشخصية وبيانات الموقع الجغرافي، وحصر استعمالها في تنفيذ القرار القضائي، مع رقابة الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية والهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب.
- نشر وزارة العدل أرقامًا دورية حول المستفيدين من العقوبات البديلة والسراح الشرطي والمراقبة الإلكترونية، والمعايير المعتمدة في اختيارهم.
- وضع سياسة جزائية وطنية تجعل الحرمان من الحرية حلًا أخيرًا، وتعيد توجيه الموارد نحو الرعاية الصحية وإعادة التأهيل والإدماج.




