Skip links

صفحة قاتمة في تاريخ العدالة بتونس: محكمة التعقيب ترفض الطعون في قضية «التآمر على أمن الدولة 2» وتثبت أحكامًا سجنية بـ437 سنة

23 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 – رفضت الدائرة الجزائية بمحكمة التعقيب جميع الطعون المرفوعة ضد الأحكام الاستئنافية الصادرة في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«التآمر على أمن الدولة 2» من حيث الأصل و الشكل، بما يُبقي على الأحكام التي تراوحت بين ثلاث سنوات و35 عامًا سجنًا، إلى جانب المراقبة الإدارية في حق أغلب المتهمين.

وكانت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس قد أصدرت أحكامها في القضية في فيفري 2026، وقضت بسجن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وكمال البدوي مدة 20 عامًا لكل منهما، وفتحي البلدي وسمير الحناشي مدة 15 عامًا لكل منهما، وخفّضت عقوبة ريان الحمزاوي من 12 عامًا إلى ثلاث سنوات.

كما صدرت أحكام غيابية بالسجن 35 عامًا مع النفاذ العاجل في حق عدد من المتهمين الموجودين خارج البلاد، من بينهم نادية عكاشة، شهرزاد عكاشة٬ معاذ الغنوشي، لطفي زيتون، رفيق عبد السلام، كمال القيزاني، عبد القادر بن فرحات، ماهر زيد، مصطفى خذر وعادل الدعداع.

قضية انطلقت من أبحاث أمنية سنة 2023:

تعود القضية إلى أبحاث انطلقت سنة 2023 وشملت سياسيين وقيادات من حركة النهضة ومسؤولين أمنيين وحكوميين سابقين، إلى جانب شخصيات مقيمة خارج تونس.

وتتعلق الاتهامات الموجهة في الملف وفق قرارات الإحالة والتغطيات القضائية، بتكوين تنظيم أو وفاق مرتبط بجرائم إرهابية، والتآمر على أمن الدولة الداخلي، ومحاولة تبديل هيئة الدولة، والتحريض على القتل والعنف والاعتداء على الأشخاص والممتلكات، إلى جانب اتهامات مرتبطة بانتداب وتدريب أشخاص بقصد ارتكاب جرائم إرهابية.

من 14 إلى 20 عامًا في حق راشد الغنوشي:

وكانت المحكمة الابتدائية قد قضت في جويلية 2025 بسجن راشد الغنوشي مدة 14 عامًا، قبل أن ترفع محكمة الاستئناف العقوبة إلى 20 عامًا.

كما رفعت العقوبة في حق كمال البدوي من 14 إلى 20 عامًا، وفي حق فتحي البلدي وسمير الحناشي من 12 إلى 15 عامًا، في حين خُفضت عقوبة ريان الحمزاوي بصورة كبيرة من 12 عامًا إلى ثلاث سنوات.

محاكمة واجهت انتقادات حقوقية واسعة:

أثارت قضية «التآمر على أمن الدولة 2» منذ انطلاقها انتقادات واسعة بشأن طبيعة الأدلة وضمانات المحاكمة العادلة، واعتبرت منظمة العفو الدولية، عقب الأحكام الابتدائية في جويلية 2025، أن المحاكمة شهدت انتهاكات خطيرة للإجراءات القانونية الواجبة وضمانات المحاكمة العادلة، وأن جانبًا مهمًا من الملف استند إلى انتقادات سياسية ومراسلات خاصة معارضة للسلطة دون تقديم أدلة مادية كافية تثبت ارتكاب جرائم معترف بها بموجب القانون الدولي. وطالبت المنظمة بإلغاء الأحكام الصادرة والإفراج عن المحتجزين تعسفيًا، وضمان أن تستوفي أي محاكمات جديدة المعايير الدولية للمحاكمة العادلة. 

وعقب صدور الأحكام الاستئنافية في فيفري 2026، جددت منظمة العفو الدولية انتقاداتها، معتبرة أن تشديد العقوبات ضد راشد الغنوشي وعدد من قيادات حركة النهضة يمثل استمرارًا لحملة أوسع ضد المعارضة، وأعادت التأكيد على أن الاتهامات اعتمدت بدرجة كبيرة على شهادات مجهولة واتصالات خاصة ووثائق لم تدعم، بحسب تقييمها، الادعاء بوجود «جهاز أمني سري» أو شبكة تهدف إلى تغيير هيئة الدولة بأدلة مستقلة قابلة للتحقق. 

كما تناولت هيومن رايتس ووتش جانبًا من ملف القضية ضمن تقريرها حول استخدام الاحتجاز التعسفي ضد المعارضة، وأشارت إلى أن بعض المتهمين لم تُقدَّم ضدهم، وفق ما اطلعت عليه المنظمة ومحاموهم، أدلة مباشرة تثبت صلتهم بالأفعال المنسوبة إليهم، مع تسجيل فترات طويلة من الاحتجاز السابق للمحاكمة ومحدودية الاستنطاقات في بعض الحالات. 

موقف مرصد الحرية لتونس:

يدين مرصد الحرية لتونس قرار محكمة التعقيب برفض الطعون وتثبيت عقوبات تصل إلى 35 عامًا سجنًا في قضية ذات أبعاد سياسية، ويعتبر أن القرار أغلق آخر درجات التقاضي في مسار كان لا يزال يتيح تصحيح الاختلالات التي شابت التحقيق والمحاكمة ومراجعة الأدلة التي بُنيت عليها الأحكام.

ويرى المرصد أن انتقال القضية من أحكام ابتدائية ثقيلة إلى تشديد عدد منها استئنافيًا، ثم رفض الطعون أمام محكمة التعقيب، لم يؤدِّ إلى معالجة الاعتراضات الجوهرية التي أثارتها هيئات الدفاع والمنظمات الحقوقية بشأن كفاية الأدلة وضمانات المحاكمة العادلة. ويكتسي ذلك خطورة أكبر في حالة راشد الغنوشي، البالغ من العمر 85 عامًا، الذي حُكم عليه في هذا الملف بالسجن 20 عامًا، بعدما خلص فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي في نوفمبر 2025 إلى أن احتجازه تعسفي. ويضاف هذا الحكم إلى عقوبات أخرى أشار الاتحاد البرلماني الدولي إلى أن مجموعها بلغ 107 أعوام إلى جانب السجن المؤبد.

ويشدد المرصد على أن جسامة التهم المتعلقة بالإرهاب وأمن الدولة تفرض ضمانات قضائية أشد صرامة، لا تقليصًا لحقوق المتهمين. فالمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تكفل الحق في محاكمة عادلة، وإعداد الدفاع والتواصل مع المحامي في ظروف تكفل السرية، والمشاركة الفعلية في الإجراءات، وحق مراجعة الإدانة والعقوبة أمام هيئة قضائية أعلى. ويرى المرصد أن فرض المشاركة عن بُعد على متهمين موقوفين، بما يحد من تواصلهم المباشر مع دفاعهم، إلى جانب إصدار أحكام غيابية تصل إلى 35 عامًا مع النفاذ العاجل، يثير إشكالات جدية في ضوء هذه الضمانات.

كما يعرب المرصد عن قلقه من طبيعة جانب من الأدلة التي استند إليها الاتهام، ولا سيما الشهادات مجهولة الهوية والاتصالات والمراسلات والمواقف السياسية المنتقدة للسلطة. ويؤكد أن المعارضة السياسية أو التواصل مع شخصيات سياسية ودبلوماسية أو التعبير عن مواقف ناقدة لا يمكن أن تشكل في ذاتها، دليلًا على التآمر أو الإرهاب، ما لم ترتبط بأفعال إجرامية محددة ومدعومة بأدلة مادية قابلة للفحص والمناقشة أمام القضاء.

ويؤكد المرصد أن تجريم المواقف السياسية والاتصالات المشروعة يمس بحرية التعبير المكفولة بالمادة 19 وبالحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة الذي تحميه المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويحذر من التوسع في استخدام تشريعات الإرهاب وأمن الدولة ضد المعارضين والفاعلين السياسيين، بما قد يحول أخطر النصوص الجزائية والاستثنائية إلى أداة لإقصاء الخصوم السياسيين وتجريم النشاط السياسي السلمي بدل الاقتصار على ملاحقة الأفعال الإجرامية المحددة.

يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:

  • -إعادة فتح المسار القضائي باستخدام جميع الآليات القانونية المتاحة وتمكين المحكوم عليهم من محاكمة جديدة تستوفي كامل ضمانات المحاكمة العادلة، في ضوء الاعتراضات الجدية المتعلقة بالأدلة وحقوق الدفاع وسلامة الإجراءات.
  • -الكف عن اعتبار المواقف السياسية المعارضة أو الاتصالات والمراسلات المشروعة مع شخصيات سياسية أو دبلوماسية أدلةً على التآمر أو الإرهاب ما لم تقترن بأفعال إجرامية محددة وقصد جنائي مثبت.
  • -وقف الاعتماد على الشهادات مجهولة الهوية باعتبارها أساسًا حاسمًا للإدانة ما لم تتوفر للدفاع ضمانات فعلية للطعن في مصداقيتها ومناقشة مضمونها ومصدرها أمام القضاء.
  • -ضمان الحضور الفعلي للمتهمين في جلسات محاكمتهم والتواصل المباشر والسري مع محاميهم، وعدم فرض المحاكمة عن بُعد.
  • -وقف التوسع في استخدام تشريعات الإرهاب وأمن الدولة لملاحقة المعارضين والفاعلين السياسيين بسبب نشاطهم، وحصر تطبيق هذه النصوص في الأفعال التي تتوافر فيها بصورة واضحة ومثبتة الأركان القانونية للجرائم المعنية.
  • -تنفيذ الآراء والتوصيات الصادرة عن الآليات الدولية المختصة، وفي مقدمتها رأي فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي بشأن راشد الغنوشي، واحترام التزامات تونس الدولية في مجال الحرية والمحاكمة العادلة والمشاركة السياسية.

شارك

المزيد من المقالات

المحكمة العسكرية تقضي بسجن ألفة الحامدي أربع سنوات وخطية بـ80 ألف دينار

22 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 – قضت المحكمة العسكرية الدائمة بتونس بسجن رئيسة حزب «الجمهورية الثالثة» ألفة الحامدي مدة أربع سنوات في قضيتين منفصلتين، بواقع عامين عن كل قضية، مع تسليط خطيتين ماليتين بقيمة 40 ألف دينار لكل منهما، ليبلغ مجموع الخطايا 80 ألف دينار…

راشد الغنوشي جائزة غاندي

الاتحاد البرلماني الدولي يطالب بالإفراج الفوري عن راشد الغنوشي ونواب سابقين وإسقاط الملاحقات بحقهم

21 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 – اعتمد المجلس الحاكم للاتحاد البرلماني الدولي، بالإجماع خلال دورته الـ218 المنعقدة في مدينة أروشا، قرارًا جديدًا بشأن أوضاع 63 نائبًا تونسيًا سابقًا من المعارضة، دعا فيه السلطات التونسية إلى الإفراج الفوري عن رئيس مجلس نواب الشعب السابق راشد الغنوشي وعن النواب السابقين المحتجزين بسبب معارضتهم التدابير الاستثنائية المتخذة منذ 25 جويلية 2021، وإسقاط الملاحقات القضائية بحقهم وبحق بقية النواب المشمولين بالملف…

تأجيل محاكمة رجل الأعمال نبيل الشايبي ومنتصر وايلي في قضية مالية مرتبطة بعقد توزيع مع اتصالات تونس

19 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 – قررت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس تأجيل النظر إلى شهر نوفمبر المقبل في القضية المتعلقة بعقد توزيع أبرمته شركة اتصالات تونس مع شركة “ديستريكوم” التابعة لرجل الأعمال نبيل الشايبي، وهي قضية تشمل أيضًا الرئيس المدير العام السابق لاتصالات تونس ووزير تكنولوجيات الاتصال والمعلومات الأسبق منتصر وايلي…

شفيق جراية

يواجه أحكاما تتجاوز 40 سنة: تأجيل النظر في قضية شفيق الجراية المتعلقة بـ«وضع النفس على ذمة جيش أجنبي»

20 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 – قررت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس تأجيل النظر إلى شهر نوفمبر المقبل في القضية المرفوعة ضد رجل الأعمال شفيق الجراية وإطار أمني سابق ومتّهمين آخرين، بينهم أشخاص من دولة ليبيا، وذلك في ملف يتعلق بتهم ذات صبغة إرهابية ووضع النفس على ذمة جيش أجنبي زمن السلم…

نداء إلى العمل من أجل حقوق الإنسان في تونس

عريضة الموقع: الحرية لمعتقلي الرأي والنشطاء في تونس !

‎لم تعد تونس الاستثناء العربي الوحيد الذي أشعل فتيل الثورات في العالم سنة 2011 بثورة بطولية أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، الذي ظل مستمرا لمدة تناهز 23 سنة بعد استيلاءه على السلطة في 7 نوفمبر 1987 خلفا للحبيب بورقيبة.

في خطوة مماثلة وربما أكثر خطورة، أقدم الرئيس التونسي قيس سعيد ليلة 25 يوليو 2021 على القيام “بانقلاب دستوري” وفقا لتأويله الشخصي للفصل 80 من دستور الثورة 2014 مُعلنا اتخاذه مجموعة من الإجراءات الاستثنائية بسبب “خطر داهم” يهدد البلاد التونسية دون تقديم أي تفاصيل وأسباب الى حدّ كتابة هذه الأسطر.

وبموجب تلك الإجراءات قرر سعيّد عزل الحكومة ورئيسها “هشام المشيشي” الذي كان حاضرا في اجتماع مجلس الأمن القومي تلك الليلة بقصر قرطاج، وزعم أنه اتصل برئيس البرلمان راشد الغنوشي (زعيم حزب حركة النهضة) للتشاور معه وفق ما يمليه الدستور، الأمر الذي نفاه الغنوشي مؤكدا انه اتصال عادي لم يتضمن أي مشاورات أو حديث حول فحوى الإجراءات الاستثنائية، وقام الرئيس بتجميد أعمال البرلمان ثم حله في مارس/ آذار 2022.

ولم يكتف الرئيس سعيّد بتجاوز صلاحياته وفصول الدستور التي أقسم على الحفاظ عليه أمام مجلس نواب الشعب بل وقام بتغيير تركيبة المجلس الأعلى للقضاء واعتبره “وظيفة” وليس سلطة مستقلة بذاتها وقام أيضا بتغيير تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تحضيرا لمراحل انتخابية عقدها لفائدة تغيير دستور كتبه بنفسه وألغى آراء اللجان الاستشارية التي عينها بنفسه أيضا. ثم نظم انتخابات تشريعية على دورتين لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 8% من مجموع الناخيبن وتداركت هيئة الانتخابات الاحصائيات فيما بعد لتعلن أنها وصلت لـ11 %وهو الرقم الأدنى عالميا ومحليا.

بتاريخ 11 فبراير/شباط شن نظام الرئيس سعيد حملة اعتقالات لم تتوقف، شملت نشطاء سياسيين ورجال أعمال واعلاميين وصحفيين وقضاة وموظفين سامين في الدولة تحت عنوان “التآمر على أمن الدولة وارتكاب فعل موحش ضد رئيس الجمهورية” إضافة لتهم أخرى تم إحالتها على النيابة العسكرية ما يطرح أسئلة حول مدى تدخل الجيش التونسي في الإجراءات التي قام بها الرئيس سعيد.

وقد شابت عمليات الاعتقال التعسفي عدة خروقات وإخلالات إجرائية وسط تحذيرات من المنظمات والمراصد الدولية الناشطة بمجال حقوق الانسان ولم يتم احترام معايير التقاضي والإقامة السجنية وطالت الملاحقات في بعض الأحيان عائلات الضحايا وأسرهم ووظائفهم ولم يتم إثبات أي تهم أو وقائع منسوبة للمتهمين.

كما تتعرض النقابات والأحزاب السياسية لمضايقات مستمرة ولم يتوقف الرئيس سعيد عن اتهام كافة الأجسام الوسيطة بمختلف أنواعها “بالعمالة” أو “الخيانة” ولم تسلم المنظمات والجمعيات من الملاحقات والاعتقالات التعسفية والحرمان من التمثيل القانوني وسط ارتفاع وتيرة العنف في المجتمع بسبب تبني السلطات خطابات وشعارات عنصرية وتمييزية محرضة على الاقتتال وانتهاك الكرامة الإنسانية.

على ضوء كل ما تقدمنا به من أسباب نحن الموقعون أسفله نطالب:

أولا: بالدعوة لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين فوراً ودون قيد أو شرط كما نحثَ السلطات التونسية على احترام التزاماتها الدولية والمعاهدات الدولية لحقوق الانسان التي صادقت عليها.

ثانيا: ندعو من السلطات التونسية أن توقف نزيف نسف الديمقراطية الناشئة والمحاكمات الجائرة والملاحقات المستمرة ضد خصوم النظام السياسيين وكل من ينتقده بالرأي او الكلمة او التعبير.

ثالثا: ندعو كل النشطاء والمتابعين للانخراط في المسار الوطني والدولي لإعادة الديمقراطية وإنهاء الحكم الفردي الذي عاد بتونس لسنوات الاستبداد والظلم وانتهاك الحقوق والحريات.