28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 – قررت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب لدى محكمة الاستئناف بتونس، مساء الخميس، حجز ملف القضية المعروفة إعلاميًا بـ”قضية التآمر على أمن الدولة 1″ للتصريح بالحكم لاحقا، وذلك إثر جلسة طويلة تجاوزت سبع ساعات، استُمع خلالها إلى عدد من المتهمين الموقوفين، من بينهم خيام التركي وحبيب بن سلامة وعلي الحليوي والسيد الفرجاني (المُضرب عن الطعام والذي لم يقدر على متابعة نسق المحاكمة)، إلى جانب آخرين في حالة سراح. وقد شهدت الجلسة مرافعات مطولة تركزت على دفوع شكلية وجوهرية، أبرزها الاعتراض على قرار الحجز وطلب تأخير الجلسة لإبراز مطالب إضافية تتعلق بظروف الإيقاف وسير التحقيقات.
عرض قانوني للوقائع:
تُعتبر قضية “التآمر على أمن الدولة 1” واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وإثارة للجدل في تونس خلال السنوات الأخيرة، إذ تضم سياسيين وحقوقيين وشخصيات عامة، وتستند إلى محاضر بحث تفتقر إلى الأدلة المادية المباشرة. وكانت المحكمة الابتدائية قد أصدرت في وقت سابق أحكامًا قاسية بالسجن، استندت إلى تهم تتعلق بتكوين وفاق غايته الاعتداء على أمن الدولة وتبادل معلومات سياسية اعتبرتها النيابة تهديدًا للأمن القومي. وقد طعنت هيئة الدفاع في هذه الأحكام معتبرة أن الملف ركّز على تسجيلات ومحادثات مجتزأة لا ترتقي إلى مستوى “الأفعال الإجرامية”، وأن العديد من المعطيات الفنية لم تُفكك أو تُختبر بشكل كامل.
خلفية القضية:
تشمل قضية التآمر على أمن الدولة 1 قائمة من المتهمين السياسيين من مشارب سياسية وايديولوجية مختلفة على غرار غازي الشواشي وعصام الشابي وجوهر بن مبارك وعبد الحميد الجلاصي ورضا بلحاج وكذلك كمال اللطيف ومن بينهم خيام التركي الذي تُثار بشأنه أسئلة حول ظروف إيقافه منذ 2023، إلى جانب حطاب بن سلامة (ليس ناشطا سياسيا بالمرة) وعلي الحليوي (رجل أعمال) وغيرهما ممن أكدوا، في مراحل متعددة، تعرضهم للتتبعات بسبب نشاطهم السياسي أو علاقاتهم بملفات حساسة. وقد أثار هذا الملف جدلًا واسعًا منذ بدايته بسبب غياب الأدلة التي تُثبت وجود “مؤامرة حقيقية” ضد الدولة، ما دفع منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش إلى وصفه في تقرير بتاريخ 14 نوفمبر 2025 بأنه: “محاكمة غير عادلة قائمة على أدلة ضعيفة، وتُستخدم لتصفية خصوم سياسيين“. كما اعتبرت المنظمة أن المحاكمة الابتدائية اتسمت بـ”إخلالات جسيمة”، ودعت السلطات التونسية إلى إسقاط الأحكام وإعادة المحاكمة وفق المعايير الدولية.
موقف هيئة الدفاع:
أكد محامو المتهمين خلال جلسة الاستئناف أن بقاء موكّليهم في السجن منذ أكثر من عامين في بعض الحالات، مقابل غياب أدلة مادية ملموسة وحقيقية، يمثل “إجراءً عقابيًا” لا علاقة له بضمانات المحاكمة العادلة. واحتج المحامون على قرار الحجز، مشيرين إلى أن المحكمة تجاهلت ضرورة الاستجابة لطلبات الدفاع المتعلقة بالتسريع في جلب بعض المتهمين من السجن وتوضيح أسباب رفض المثول أو غياب الاختبارات الفنية. وقد قرر عدد من المحامين الانسحاب من الجلسة وسحب النيابات (إنابة المتهمين) احتجاجًا على “التضييق على حقوق الدفاع”.
يُعبر مرصد الحرية لتونس عن قلقه العميق من مسار هذه القضية التي تحوّلت، إلى ملف سياسي بامتياز يُستعمل لترهيب وتأديب منتقدي السلطة وتخويف المعارضين. ويعتبر المرصد أن طول فترة الإيقاف التحفظي، وغياب الأدلة التقنية القاطعة، والتضارب بين رواية النيابة ودفوع الدفاع والاصرار على المحاكمات عن بُعد، كلها مؤشرات على انحراف خطير عن معايير المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الدستور التونسي والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
– الإفراج الفوري عن جميع الموقوفين في قضية “التآمر 1” في ظل غياب أدلة تؤسس للإدانة.
– ضمان محاكمة عادلة تُحترم فيها حقوق الدفاع بشكل كامل ودون قيود والغاء اجراء المحاكمة عن بُعد.
– فتح تحقيق مستقل حول ظروف الإيقاف والتحقيقات الأولية التي حامت حولها شبهات الإكراه المعنوي وغياب الشفافية.
– وقف استعمال تهم “الإرهاب” و”الأمن القومي” كأداة لتجريم النشاط السياسي السلمي أو الانتقادات العلنية للسلطة.
– تمكين العائلات والمحامين من الزيارات ومن الاطلاع الكامل على الملف دون تعطيل إداري أو قضائي.




