06 جانفي (يناير) 2026 – أفرجت المحكمة الابتدائية بتونس، عن جميع الموقوفين في القضية المتعلّقة بجمعية “تونس أرض اللجوء”، وهم شريفة الرياحي، عياض بوسالمي، محمد جوعو، إيمان الورداني، ومحمد إقبال خالد، وذلك عقب مثولهم أمام الدائرة المختصّة.
غير أنّ هذا الإفراج جاء مقترنًا بإصدار حكم بالسجن لمدة عامين مع تأجيل التنفيذ ضدّ جميع المتهمين، وهو ما يعتبره مرصد الحرية لتونس إدانةً رمزية بهدف بهدف ترهيب النشطاء وتجريم العمل الحقوقي والإنساني.
ويرى المرصد أنّ وقف تنفيذ العقوبة لا يُلغي خطورة الحكم، إذ يُبقي المتهمين تحت طائلة الإدانة الجزائية، ويحوّل النشاط المدني المشروع إلى “سابقة زجرية” تُستعمل لترهيب بقية الجمعيات والناشطين العاملين في ملف الهجرة واللجوء.
خلفية القضية: استهداف العمل المدني في سياق سياسي عدائي للمهاجرين
تعود هذه القضية إلى نهاية ماي 2024، حين شرعت السلطات التونسية في أبحاث وتحقيقات طالت أنشطة جمعيات تُعنى بدعم اللاجئين والمهاجرين، خاصة القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء بعد صدور خطاب رسمي (من رئيس الدولة) اتّسم بتأليب الرأي العام ضد المهاجرين ومن يقدّم لهم المساعدة. وفي هذا السياق، تم إيقاف عدد من مسؤولي وناشطي جمعية “تونس أرض اللجوء” وشركائها، وإصدار بطاقات إيداع بالسجن في حقهم.
ووُجهت للمعنيين آنذاك تهم ثقيلة من قبيل “تبييض الأموال”، “التدليس”، “تكوين وفاق”، و“استغلال وظيفة”، في علاقة بأنشطة إنسانية موثّقة كانت تُمارَس في إطار شراكات معلنة مع مؤسسات الدولة ومع منظمات دولية.
وقد تبيّن لاحقًا خلال أطوار التحقيق، غياب أدلة مادية جدّية تُثبت وجود جرائم مالية أو شبهات تبييض أموال، ما دفع إلى إسقاط أو تحوير عدد من التهم الأصلية، دون أن يُقابل ذلك بإيقاف التتبعات أو الإفراج المبكر.
ويؤكد مرصد الحرية لتونس أن جوهر الانتهاكات التي قامت به السلطات في هذا الملف لا يتوقف عند الإيقاف فقط، بل يمتدّ إلى السياق الذي جرت فيه: فمنذ 25 جويلية 2021 توسّعت دائرة الملاحقات لتشمل المعارضين والصحفيين والمحامين والقضاة والجمعيات، ثم اتّجهت لاحقًا إلى استهداف العاملين في مجال الهجرة واللجوء بشكل ممنهج، بالتوازي مع خطاب رسمي عدائي غذّى الكراهية والوصم وربط ملف الهجرة بـ“المؤامرة” و“الخطر الديمغرافي”، وهي بيئة فتحت الباب أمام الاعتداءات والتحريض والتشهير، وأضعفت الحماية القانونية والاجتماعية للمهاجرين واللاجئين ومن يدافع عنهم.
انتهاكات رافقت المسار القضائي:
يسجّل مرصد الحرية لتونس أنّ هذا الملف شابه عدد من الإخلالات والانتهاكات الجسيمة، من أبرزها:
الإيقاف التحفّظي المطوّل الذي تحوّل إلى عقوبة مسبقة، دون مبرّر قانوني متناسب؛
تجريم أفعال ذات طابع إنساني ومدني، مثل الإيواء المؤقت أو المرافقة القانونية للمهاجرين؛
التشهير والتحريض الإعلامي ضد المتهمين، ووصمهم بالعمالة أو “تشجيع التوطين”، في انسجام مع خطاب رسمي عدائي تجاه المهاجرين؛
تعطيل عمل الجمعيات عبر المداهمات، مصادرة المعدات، وشلّ البرامج الإنسانية، بما انعكس مباشرة على أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء.
يلفت المرصد إلى أن ما تعرّض له الموقوفون في هذا الملف – كما في ملفات مشابهة – يُثير جملة من المخاوف الجوهرية على غرار: التوسّع في استخدام الايقاف التحفظي، والمساس بقرينة البراءة عبر التسريبات والتشهير، والخلط بين العمل الإنساني المشروع وبين اتهامات تم تأسيسها على التأويلات السياسية. كما يذكّر المرصد بأنّ المنظمات الإنسانية والحقوقية، حين تعمل في إطار القانون وبشفافية التمويل والبرامج، لا يجوز تحويلها إلى “خصم” للدولة، ولا إلى كبش فداء لأجندات سياسية أو لضغوطات ترتبط بملف الهجرة والتعاون الخارجي.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
-إلغاء الحكم الصادر ضد نشطاء جمعية “تونس أرض اللجوء” باعتباره مبنيا على تكييفات فضفاضة وتجريم للعمل المدني؛
-وقف الملاحقات القضائية ضد الجمعيات والناشطين العاملين في دعم المهاجرين واللاجئين.
-فتح تحقيق مستقل في ظروف الإيقافات والتشهير والتسريبات التي رافقت هذه القضايا.
-الكف عن تضييق الفضاء المدني وضمان حرية تكوين الجمعيات ونشاطها دون ترهيب أو وصم أو تخوين.
-وقف خطاب الكراهية والتحريض الرسمي وغير الرسمي ضد المهاجرين واللاجئين، وحماية من يدافع عنهم.




