05 فيفري (فبراير) 2026 – قالت هيومن رايتس ووتش إنّ السلطات التونسية واصلت خلال الفترة 2024–2025 محاكمة عشرات الأشخاص، من بينهم شخصيات معارضة بارزة ومحامون ونشطاء، في قضايا وصفتها بـ«المسيّسة»، مشيرة إلى صدور أحكام سجن طويلة استنادًا إلى تهم فضفاضة، من بينها الإرهاب أو «التآمر على أمن الدولة».
وأضافت المنظمة، في تقريرها السنوي (2025–2026)، أنّ الحكومة التونسية حوّلت الاحتجاز التعسفي إلى ركيزة أساسية في سياستها القمعية، بهدف حرمان الأفراد من حقوقهم المدنية والسياسية، معتبرة أنّ هذا التوجه ترافق مع تراجع حاد في الضمانات القضائية واستقلالية القضاء.
وأكد التقرير أنّ المساحة المدنية في تونس واصلت الانكماش، مع تصاعد مضايقة النشطاء واستهداف منظمات المجتمع المدني عبر تحقيقات جنائية «لا أساس لها»، إلى جانب تشديد الرقابة المالية والإدارية وفرض قيود على أنشطتها، ما أثّر بشكل مباشر على قدرتها على العمل بحرية.
وفي ما يتعلّق بالقمع السياسي، أشارت المنظمة إلى أنّ محكمة في تونس العاصمة أصدرت، في 19 أفريل، أحكامًا بالسجن تراوحت بين أربع و66 سنة ضد 37 شخصًا، بينهم محامون ومعارضون سياسيون ونشطاء وباحثون ورجال أعمال، في ما عُرف بـ«قضية التآمر». ولفتت إلى أنّ المحاكمة جرت في إطار جلسات محدودة، ودون تمكين المتهمين من الوقت الكافي لإعداد دفاعهم، ودون احترام ضمانات المحاكمة العادلة.
كما ذكرت أنّ السلطات اعتقلت، عقب هذه المحاكمة، أحد محامي الدفاع والقاضي الإداري السابق أحمد صواب، على خلفية تصريحات شكك فيها في استقلالية القضاء، قبل أن يُحكم عليه بالسجن خمس سنوات، مؤكدة أنّ محامين آخرين تعرضوا بدورهم لمضايقات وملاحقات قضائية بسبب ممارستهم المهنية.
وأفاد التقرير بأنّ محكمة الاستئناف بتونس أيّدت، في 27 نوفمبر أحكامًا بالسجن ضد 34 من المتهمين في القضية نفسها، أعقبها إيقاف ثلاثة نشطاء بارزين أُدينوا في الملف. كما تطرّق إلى الأحكام الصادرة ضد عدد من المعارضين، من بينهم عبير موسي، والمنصف المرزوقي، وعبد الرزاق الكيلاني، وعماد الدايمي، إضافة إلى أحكام أخرى طالت قيادات سياسية ومحامين ومسؤولين سابقين بتهم تتعلق بالإرهاب وأمن الدولة.
وجاء في التقرير بأنّ القضاء التونسي أصدر، خلال عام 2024، أحكامًا قاسية شملت شخصيات سياسية ومعارضين، إذ حُكم في 8 جويلية على 21 شخصًا، من بينهم قيادات في حركة النهضة ومسؤولون سابقون ومحامون، بالسجن لمدد تراوحت بين 12 و35 عامًا، استنادًا إلى تهم فضفاضة تتعلق بالإرهاب وأمن الدولة، من بينهم راشد الغنوشي الذي صدر بحقه حكم غيابي بالسجن 14 عامًا وهو معتقل منذ أفريل 2023.
كما أشار إلى صدور حكم بالإعدام في 1 أكتوبر ضد صابر بن شوشان بسبب منشورات سلمية على فيسبوك انتقد فيها الرئيس ودعا إلى التظاهر، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا بعفو رئاسي في 7 أكتوبر، عقب موجة واسعة من الغضب والانتقادات.
وفي ملف حرية التجمع وتكوين الجمعيات، قالت المنظمة إنّ قوات الأمن منعت تنظيم فعاليات سلمية دون سند قانوني، كما اعتُقل عدد من العاملين في منظمات غير حكومية، خاصة تلك التي تقدّم المساعدة لطالبي اللجوء واللاجئين، مؤكدة أنّ جمعيات عدة تخضع لتحقيقات ومراقبة مالية وإدارية مشددة.
أما في ما يخص حرية الصحافة، فأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أنّ ثلاثة صحفيين على الأقل ظلوا محتجزين حتى نهاية 2024، لافتة إلى تراجع ترتيب تونس في مؤشر حرية الصحافة العالمي، وإلى إغلاق هيئة النفاذ إلى المعلومة، بما قيّد الحق في الوصول إلى المعلومات.
وسلّط التقرير الضوء على أوضاع المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين، مؤكدًا استمرار تعرّضهم لانتهاكات جسيمة، من بينها الاعتقالات والاحتجاز التعسفي والطرد الجماعي وسوء المعاملة، في ظل غياب نظام وطني للجوء، وتعليق إجراءات التسجيل. وأشار إلى أنّ آلاف الأشخاص طُردوا إلى الحدود مع الجزائر وليبيا، رغم وجود أطفال غير مصحوبين بذويهم بين المرحّلين.
وفي ما يتعلّق بحقوق النساء والفتيات، لفتت المنظمة إلى استمرار التمييز القانوني في مسائل الميراث، وإلى أوجه القصور في تنفيذ قانون مناهضة العنف ضد المرأة، بسبب ضعف استجابة السلطات ونقص التمويل والملاجئ. كما نبّهت إلى استمرار ملاحقة الأشخاص بسبب ميولهم الجنسية أو هويتهم الجندرية، وإجراء فحوصات قسرية وصفتها بالمهينة وقد ترقى إلى التعذيب.
وختمت هيومن رايتس ووتش تقريرها بالإشارة إلى إعلان السلطات التونسية سحب قبولها لاختصاص المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، معتبرة أنّ القرار سيحدّ من قدرة الأفراد والمنظمات على اللجوء إلى العدالة الإقليمية، في سياق أوسع من التراجع الحقوقي منذ عام 2021.
