05 جانفي (كانون الثاني) 2026 – قررت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس تأخير محاكمة الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين ووزير أملاك الدولة الأسبق مبروك كورشيد إلى جلسة يوم 19 فيفري 2026، وذلك في انتظار مآل الطعن بالتعقيب المرفوع ضد قرار دائرة الاتهام القاضي بإحالتهما على أنظار الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي.
ويأتي هذا القرار على خلفية إحالة دائرة الاتهام لدى محكمة الاستئناف بتونس سهام بن سدرين، رفقة محامٍ في حالة سراح، ومبروك كورشيد في حالة فرار، على أنظار الدائرة الجنائية لقضايا الفساد المالي، لمحاكمتهم من أجل قضيتين تتعلقان بقرارات صلح أُبرمت مع عدد من رجال الأعمال خلال فترة عمل هيئة الحقيقة والكرامة.
خلفية القضية:
تندرج القضايا المنشورة ضد سهام بن سدرين ومبروك كورشيد في سياق التتبعات المرتبطة بأعمال هيئة الحقيقة والكرامة خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2018، وبالخصوص ما اعتُبر تجاوزًا للصلاحيات أو تدليسًا في بعض الملفات المدرجة ضمن التقرير الختامي أو ضمن مسارات العدالة الانتقالية. ويُعدّ ملف البنك الفرنسي التونسي من أبرز النقاط التي أُثير حولها الجدل، خاصة في ما يتعلق بإدراج أو تنقيح معطيات مرتبطة بشبهات فساد، وهو ما شكّل أحد محاور التتبعات الموجهة إلى بن سدرين.
كما تشمل القضايا محلّ التتبع ملفات ذات صبغة مالية وإدارية تتعلق بإجراءات صلح وتسوية أبرمتها هيئة الحقيقة والكرامة مع رجال أعمال متورطين في قضايا فساد، حيث أُدرجت أسماء من بينهم رجل أعمال معروف، إلى جانب مبروك كورشيد، ضمن ملف أحيل على الدائرة الجنائية المختصة في الفساد المالي.
وتواجه سهام بن سدرين في هذا السياق عدة تتبعات قضائية متزامنة مرتبطة جميعها بعملها على رأس الهيئة، وتشمل اتهامات من قبيل التدليس أو التزوير، والتحيل، واستغلال الصفة أو إساءة استعمال السلطة، على خلفية ما قيل إنه إدراج أو تعديل غير مشروع لمعطيات ضمن النسخة النهائية لتقرير الهيئة أو ضمن إجراءاتها. ويعزّز تعدد هذه القضايا، وفق تقييم مرصد الحرية لتونس، الانطباع بوجود تراكم ملاحقات ذات خلفية واحدة.
أما مبروك كورشيد، فقد ورد اسمه ضمن نفس المسار القضائي المتعلق بقرارات الصلح، مع تسجيل تغيّبه عن بعض الجلسات، واعتبار وضعيته القانونية محلّ جدل، في انتظار ما ستُسفر عنه الطعون والإجراءات القضائية الجارية.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يرى مرصد الحرية لتونس أن القضايا المنشورة ضد سهام بن سدرين ومبروك كورشيد لا يمكن فصلها عن السياق السياسي والقضائي العام الذي يشهد تفكيكًا منهجيًا لمسار العدالة الانتقالية ومحاولات متواصلة لإفراغه من مضمونه، عبر ملاحقة رموزه وتحويلهم من فاعلين في كشف الحقيقة إلى متهمين أمام القضاء.
ويعتبر المرصد أن استهداف سهام بن سدرين، بصفتها الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة، يمثّل استهدافًا مباشرًا لضحايا الاستبداد الذين راهنوا على الهيئة كإطار لكشف الانتهاكات والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب. فمحاكمة مسؤولي الهيئة على خلفية قرارات صلح أو خيارات إجرائية تدخل في صميم اختصاصها القانوني، تُعدّ في جوهرها محاكمة لمسار العدالة الانتقالية ذاته، ومحاولة لإعادة كتابة التاريخ القضائي والسياسي خارج منطق الحقيقة والإنصاف.
كما يعبّر مرصد الحرية لتونس عن قلقه العميق من توظيف القضاء الجزائي في معالجة نزاعات ذات طبيعة سياسية أو تاريخية، كان يفترض أن تُناقش في إطار تقييم شامل لمسار العدالة الانتقالية، لا عبر تجريم أفعال مرتبطة بتنفيذ قانون العدالة الانتقالية ومهام الهيئة المنصوص عليها تشريعيًا.
ويؤكد المرصد أن الضحايا الحقيقيين في هذا المسار هم ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الذين حُرموا اليوم من حقهم في الحقيقة والمساءلة، وأن ملاحقة من تولّوا الدفاع عنهم تُكرّس مناخ الإفلات من العقاب وتوجّه رسالة سلبية لكل من يسعى إلى إحياء قيم العدالة والإنصاف في تونس.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
احترام قرينة البراءة وضمان حقّ سهام بن سدرين ومبروك كورشيد في محاكمة عادلة تتوفر فيها جميع الضمانات القانونية.
وقف التتبعات ذات الطابع الانتقامي المرتبطة بعمل هيئة الحقيقة والكرامة ومسار العدالة الانتقالية.
وضع حدّ لسوء توظيف القضاء في تصفية ملفات سياسية أو تاريخية مرتبطة بكشف الحقيقة والمساءلة.
ضمان استقلالية القضاء وحياده، والكفّ عن الزجّ به في صراعات تمسّ بحق الضحايا في الحقيقة والعدالة.




