30 مارس (مارس) 2026 – قضت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس، يوم 27 مارس الجاري، بسجن الصحفي والناشط السياسي غسان بن خليفة لمدة سنتين، وذلك من أجل تهمة تتعلق بـ“استعمال شبكات وأنظمة معلومات واتصالات لإنتاج وترويج أو نشر أخبار كاذبة بهدف الإضرار بالأمن العام”.
ويأتي هذا الحكم في سياق ملف قضائي أوسع أُدرج منذ انطلاقه ضمن قضية ذات صبغة إرهابية، قبل أن تصدر الإدانة الأخيرة استنادًا إلى التكييف المرتبط بالنشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي بموجب المرسوم عدد 54.
وكانت محكمة الاستئناف بتونس قد أصدرت سابقًا حكمًا يقضي بسجنه لمدة ستة أشهر في قضية أخرى تتعلق بالإساءة للغير عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ليضاف الحكم الجديد إلى مسار قضائي متواصل منذ سنة 2022.
خلفية القضية:
يعود الملف إلى أبحاث فُتحت منذ 2022 و2023، حيث تم إدراج غسان بن خليفة في قضية وُصفت منذ بدايتها بأنها ذات صبغة إرهابية، وشملت تهمًا من قبيل “التحريض” و“الانضمام إلى وفاق إرهابي” و“ارتكاب أمر موحش ضد رئيس الدولة” بسبب اتهامه بالمشاركة في إدارة صفحة على موقع الفايسبوك ذو محتوى تكفيري، قبل أن يُحال لاحقًا في حالة سراح بعد ختم البحث.
غير أن المسار القضائي تطور لاحقًا نحو تتبعات مرتبطة بالنشر عبر شبكات التواصل، حيث صدرت في حقه أحكام سابقة بالسجن لمدة ستة أشهر، ثم الحكم الأخير بسنتين استنادًا إلى المرسوم عدد 54.
وتشير المعطيات إلى تداخل واضح بين مسارين داخل نفس الملف: مسار أول ذي توصيف أمني/إرهابي، ومسار ثانٍ يتعلق بتهم النشر والتعبير، وهو ما يعكس إشكالًا في استقرار التكييف القانوني.
حجج هيئة الدفاع:
تمسكت هيئة الدفاع بأن الملف يفتقر إلى أدلة مادية مباشرة تربط غسان بن خليفة بالمحتوى موضوع التتبع، مؤكدة أن الاختبارات الفنية والمعاينات لم تثبت أي علاقة بين أجهزته الإلكترونية والصفحة محل القضية.
كما استند الدفاع إلى اعتراف المتهم الرئيسي في الملف بأنه المسؤول الوحيد عن الصفحة المعنية، وأنه لا توجد أي صلة تجمعه بغسان بن خليفة، وهو ما اعتُبر عنصرًا جوهريًا في نفي المسؤولية عنه.
وفي هذا السياق، برز أيضًا الجدل حول المعطى الفني الوحيد الذي استند إليه الاتهام، والمتعلق بربط الصفحة بعنوان IP قيل إنه مرتبط برقم هاتف المتهم، دون تقديم تفسير تقني مفصل لهذا الاستنتاج رغم طلب ذلك من الجهات المختصة، وهو ما يطرح تساؤلات حول سلامة هذا الدليل ومدى قابليته للاعتماد القضائي.
كما أشارت هيئة الدفاع إلى وجود إخلالات إجرائية، من بينها التضييق على حق الاتصال بالمحامين خلال مرحلة الاحتفاظ، إلى جانب تحويل الملف من إطار حق عام إلى توصيف ذي صبغة إرهابية في مرحلة أولى دون مبررات واضحة.
وفي تدوينة نشرها عقب صدور الحكم، تمسك غسان بن خليفة ببراءته، مؤكدًا أن الإدانة صدرت رغم ما اعتبره “قرائن وأدلة تقنية وقانونية دامغة” تثبت عدم علاقته بالصفحة موضوع القضية، وهو ما يعكس جوهر الخط الدفاعي الذي يقوم على غياب الركن المادي للجريمة.
السياق العام:
أثار الحكم ردود فعل من جهات مدنية وسياسية، من بينها تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين والحملة التونسية للمقاطعة، التي اعتبرت أن القضية تندرج ضمن مسار أوسع يستهدف النشطاء الداعمين للقضية الفلسطينية ومناهضي التطبيع.
كما نبهت نقابة الصحفيين إلى خطورة إدراج صحفيين في قضايا ذات صبغة إرهابية أو تتبعهم بموجب المرسوم 54، معتبرة أن ذلك يطرح إشكالات جدية تتعلق بحرية الصحافة والتعبير.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يسجل مرصد الحرية لتونس أن الحكم الصادر في حق غسان بن خليفة يثير إشكالات جدية تتعلق بسلامة الأساس المادي للتتبعات، خاصة في ظل المعطيات الفنية التي تشير إلى غياب أدلة مباشرة تربطه بالمحتوى موضوع القضية.
ويعبّر المرصد عن قلقه من الاعتماد على مؤشرات تقنية غير مفصلة أو غير مدعومة بتقارير خبرة واضحة كأساس للإدانة في قضايا جزائية ثقيلة، لما في ذلك من مساس بمعايير الإثبات والمحاكمة العادلة.
كما يحذر المرصد من توظيف المرسوم 54 في ملاحقة الصحفيين والناشطين على خلفية التعبير والنشر، ومن إدراجهم في مراحل سابقة ضمن ملفات ذات صبغة إرهابية دون توفر أفعال مادية واضحة.
ويعتبر المرصد أن تداخل التكييفات القانونية بين الإرهاب والنشر يعكس توسعًا مقلقًا في دائرة التجريم، خاصة في سياق يتسم بتزايد التتبعات ضد الأصوات المنتقدة أو الناشطة في قضايا سياسية ومدنية، من بينها القضية الفلسطينية.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- -مراجعة الحكم الصادر في حق غسان بن خليفة على ضوء المعطيات الفنية التي تنفي وجود صلة مباشرة بالمحتوى موضوع التتبع.
- -استبعاد الأدلة التقنية غير المدعومة بتقارير خبرة مفصلة من دائرة الإثبات الجزائي.
- -الكف عن توظيف المرسوم 54 في ملاحقة الصحفيين والنشطاء على خلفية التعبير والنشر.
- -حصر التوصيفات ذات الصبغة الإرهابية في نطاقها الضيق المرتبط بأفعال مادية واضحة.




