11 جويلية (يوليو) 2026 – أقرّت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بمحكمة الاستئناف بتونس، الأسبوع الفارط، الحكم الابتدائي القاضي بسجن رجل الأعمال مروان المبروك مدة 14 عامًا، في قضية تتعلق بالاستيلاء على أموال شركة تساهم الدولة في رأس مالها وغسل الأموال واستغلال الصفة لاستخلاص فائدة غير مشروعة.
كما قضت المحكمة بخطايا مالية يتجاوز مجموعها 200 مليون دينار، موزعة بين خطية أصلية وخطية قائمة مقام المصادرة، إضافة إلى خطايا أخرى مرتبطة بجرائم غسل الأموال.
وكانت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية بتونس قد أصدرت الحكم نفسه في 3 مارس 2026، قبل أن تقرّه محكمة الاستئناف في جويلية.
خلفية القضية:
انطلقت الأبحاث إثر شكاية تقدم بها المكلف العام بنزاعات الدولة بشأن التصرف في أموال شركة صودرت أجزاء من رأس مالها لفائدة الدولة بعد سنة 2011. وتشير المعطيات المرتبطة بانطلاق التحقيق إلى أن الشركة المعنية هي «مجموعة سيدة».
وفي 7 نوفمبر 2023، أذنت النيابة العمومية بالاحتفاظ بمروان المبروك، وتولت الوحدة الوطنية للبحث في الجرائم المالية المتشعبة بالقرجاني إجراء الأبحاث، قبل أن يصدر قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي بطاقة إيداع بالسجن في حقه يوم 16 نوفمبر 2023.
وشملت الأبحاث في بدايتها شبهات تكوين وفاق بقصد الاعتداء على الأملاك، وغسل الأموال، والاستيلاء على أموال شركة تساهم الدولة في رأس مالها، والمشاركة مع موظف عمومي في استغلال صفته لاستخلاص فائدة غير مشروعة والإضرار بالإدارة.
تفاصيل العقوبات:
قضت المحكمة بسجن مروان المبروك مدة ست سنوات من أجل استيلاء عضو بشركة تساهم الدولة في رأس مالها، بصورة مباشرة، على أموال عمومية وتحويلها بأي وسيلة كانت، مع تخطئته بمبلغ 100 مليون دينار.
كما قضت بسجنه مدة خمس سنوات من أجل غسل الأموال باستغلال التسهيلات التي أتاحتها خصائص الوظيفة والنشاط المهني والاجتماعي، مع خطية قدرها 100 ألف دينار، وخطية أخرى قائمة مقام المصادرة قدرها 100 مليون دينار.
وحكمت عليه كذلك بالسجن مدة ثلاث سنوات من أجل المشاركة في استغلال مدير أو مستخدم أو عضو بشركة تساهم الدولة في رأس مالها صفته، بقصد استخلاص فائدة لا وجه لها لفائدة الغير والإضرار بالإدارة.
وبذلك بلغ مجموع العقوبات السجنية المحكوم بها في هذا الملف 14 عامًا، إلى جانب خطايا مالية بلغ مجموعها المعلن 200 مليون و100 ألف دينار.
موقف هيئة الدفاع:
اعتبرت هيئة الدفاع، منذ إيقاف مروان المبروك سنة 2023، أن الإجراءات المتخذة في حقه تعسفية، وأشارت إلى أن عددًا من الشركات سبق أن استُثني من المصادرة أو صدرت بشأنها أحكام لفائدته، قبل أن تعيد الدولة إدراجها ضمن الأملاك المصادرة. كما تمسك الدفاع بأن المبروك تقدم بملف إلى لجنة الصلح الجزائي لتسوية وضعيته.
قضايا أخرى مرتبطة بمروان المبروك:
يختلف هذا الملف عن قضية رفع التجميد الأوروبي عن أموال مروان المبروك، التي تتعلق بقرار اتخذه مجلس وزاري مضيق في جانفي 2018 للتحرك من أجل حذف اسمه من قائمة العقوبات الأوروبية.
وقضت المحكمة في ذلك الملف بسجن مروان المبروك وعدد من الوزراء والمسؤولين السابقين مدة ست سنوات، مع خطية مالية قدرها 800 مليون دينار وإلزامهم بالتضامن برد المبلغ نفسه. وفي جويلية 2026، أقرّت محكمة الاستئناف الإدانة والعقوبات في حق أغلب المحكوم عليهم، فيما قضت بعدم سماع الدعوى في حق الوزير السابق مهدي بن غربية.
كما صدر ضد مروان المبروك حكم آخر بالسجن مدة أربع سنوات وخطية مالية قدرها 400 ألف دينار، في قضية تتعلق باقتناء عقار بجهة الحمامات واستغلال النفوذ للحصول عليه بثمن اعتبرته الأبحاث أقل من قيمته الحقيقية. وأيدت محكمة الاستئناف هذا الحكم في أفريل 2026.
وبذلك يبلغ مجموع الأحكام الاستئنافية المنشورة ضد مروان المبروك 24 عامًا سجنًا.
موقف مرصد الحرية لتونس:
يعرب مرصد الحرية لتونس عن قلقه من التوسع في استعمال التتبعات القضائية والعقوبات المالية الثقيلة ضد عدد من رجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين، في سياق يتسم بغياب الوضوح حول المعايير المعتمدة في فتح الملفات وترتيب الأولويات وتحديد المسؤوليات. ويرى المرصد أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإخضاع الفاعلين الاقتصاديين أو ترهيبهم أو الضغط عليهم للانخراط في ترتيبات تخدم أهدافًا سياسية أو مالية غير معلنة.
ويستنكر المرصد كل محاولة لتطويع المنظومة الاقتصادية وإعادة تشكيل موازينها بواسطة القضاء أو التهديد بالملاحقات، بما يفتح المجال أمام الانتقائية في تحريك الملفات واستعمالها للضغط على أصحاب المؤسسات ورؤوس الأموال.
كما يعبر المرصد عن قلقه من الغموض المحيط بمسار الصلح الجزائي، سواء من حيث شروط الانتفاع به، أو طريقة تقدير المبالغ المطلوبة، أو الضمانات المتاحة للمعنيين به، أو الجهة التي تتولى إدارة الأموال المتأتية منه ومراقبة صرفها. ويؤدي الجمع بين التتبعات القضائية الطويلة والضغط للانخراط في مسار صلح غير واضح إلى خلق حالة من الهرسلة النفسية والقانونية للفاعلين الاقتصاديين، ويضعهم أمام خيار غير متوازن بين القبول بتسويات تفتقر إلى الشفافية أو مواجهة أحكام وعقوبات مالية مشددة.
ويرى المرصد أن استمرار هذا المناخ يضر بصورة مباشرة بالثقة في مؤسسات الدولة، ويبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين وأصحاب المؤسسات، ويعمق حالة الحذر من الاستثمار أو توسيع النشاط الاقتصادي.
ويشدد المرصد على أن حماية الاقتصاد الوطني لا تعني حماية الفساد أو تعطيل المحاسبة، بل تقتضي إقامة توازن واضح بين استرجاع الأموال العمومية من جهة، وضمان حقوق الدفاع وشفافية الإجراءات واستقلال القضاء وحماية الملكية والمبادرة الاقتصادية من جهة أخرى. كما يرفض المرصد الخلط بين مكافحة الفساد وبين إخضاع رجال الأعمال أو استخدام القضاء لإعادة ترتيب المجال الاقتصادي وفق اعتبارات سياسية.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
- مراجعة الأحكام السجنية والمالية الثقيلة الصادرة في حق مروان المبروك، والتثبت من مدى تناسبها مع الأفعال المنسوبة إليه، مع ضمان حقه في الطعن القانوني والكف عن توظيف العقوبات المشددة كوسيلةً للضغط عليه أو لإخضاعه اقتصاديًا وسياسيًا.
- ضمان استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية وعن أي ضغوط سياسية أو مالية في جميع القضايا المتعلقة برجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين.
- نشر المعايير القانونية والمالية المعتمدة في مسار الصلح الجزائي، وبيان كيفية تقدير المبالغ المطلوبة وآليات الطعن والمراجعة والرقابة.
- ضمان الطابع الاختياري للصلح الجزائي، وعدم استعمال الإيقاف أو التتبعات أو العقوبات المالية المشددة كوسيلة لدفع المعنيين به إلى القبول القسري.
- نشر تقارير دورية ومفصلة حول الأموال المسترجعة في إطار الصلح الجزائي، والجهات التي آلت إليها وأوجه صرفها والرقابة المفروضة عليها.
- ضمان الأمن القانوني للفاعلين الاقتصاديين، ووضع حد للانتقائية في تحريك التتبعات بما يحمي مناخ الاستثمار والثقة في المؤسسات.




