24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 – أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس أحكامًا سجنـيّة قاسية بحق تسعة متهمين من بينهم محمد المزوغي، الكاتب العام الجهوي لحركة النهضة بباجة، الذي حُكم عليه بـ10 سنوات سجناً، فيما تراوحت الأحكام الأخرى بين سنتين و12 سنة. كما قررت المحكمة عدم سماع الدعوى في حق ثلاثة متهمين آخرين في الملف نفسه. وتستند هذه الأحكام إلى سلسلة من التهم التي تشمل «التآمر على أمن الدولة» و«تكوين وفاق إرهابي» إلى جانب «الإساءة لرئيس الجمهورية» و«التحريض على مؤسسات الدولة» عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتشمل قائمة الأحكام: 12 سنة سجن لكل من محمد صالح بوعلاڤي وجمال الباروني، و10 سنوات لكل من محمد المزوغي وعبد الفتاح التاغوتي وفريد المديني وعدنان القسنطيني، إضافة إلى 10 سنوات مع النفاذ العاجل ضد محمد علي عزيز ورضا الباروني، في حين حُكم على رجاء الطبوبي بسنتين سجن وخمس سنوات مراقبة إدارية. أما باقي المتهمين، وهم صديق الماكني وعماد الطهراني وعادل الشابي، فقد قررت المحكمة عدم سماع الدعوى في حقهم.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أنّ الملف يقوم بدرجة كبيرة على تدوينات منشورة على فيسبوك وحسابات رقمية منسوبة للمتهمين، اعتبرتها النيابة العامة تحريضًا أو مساسًا بالمؤسسات، فيما يرى محامو الدفاع أنّ القضية تتعلق أساسًا بالتعبير السياسي وانتقاد السلطة، جرى تكييفها جزائيًا تحت عناوين فضفاضة مرتبطة بالإرهاب والتآمر، وهي ممارسات أصبحت متكررة في عدد من الملفات التي طالت معارضين محليين ووطنيين منذ 2021.
خلفية القضية:
يندرج هذا الملف ضمن سلسلة من القضايا التي استُخدمت فيها تهم «التآمر» و«الوفاق الإرهابي» لملاحقة قيادات وأعضاء من حركة النهضة ونشطاء مستقلين، إضافة إلى نشطاء وصحفيين ومدونين. ويتزامن ذلك مع تشديد السلطات التنفيذية قبضتها على الفضاء العام وتوسيع نطاق التجريم ليشمل مضامين رقمية ذات طبيعة سياسية. ويلاحظ مرصد الحرية لتونس أنّ صياغة الأحكام وتبريرها يستند في جزء كبير إلى تقييم قضائي لمحتوى رقمي اعتُبر «مسيئًا» أو «محرِّضًا»، دون وجود أدلة مادية تشير إلى وجود تنظيم فعلي أو تخطيط لعمليات إرهابية، ما يطرح مجددًا إشكال التوظيف السياسي للتشريعات الخاصة بمكافحة الإرهاب.
الخروقات الاجرائية والقضائية:
تفيد المعطيات الأولية أنّ هذه القضية انطلقت بناءً على وشاية مجهولة المصدر، وهو ما يطرح إشكالاً قانونياً يتعلق بمدى مشروعية الاعتماد على تبليغ غير مُعرّف الهوية في قضايا خطيرة بهذا الحجم. وتُجمع دفاعات المتهمين على أنّ الوثيقة الافتتاحية للبحث لم تُبيّن هوية صاحب الوشاية ولا الظروف التي أحاطت بها، كما لم تُدعّم بمعطيات مستقلة أو محاضر بحث أولية يمكن أن تشكل سببًا جديًا لفتح تحقيق في جرائم على مستوى أمن الدولة أو الإرهاب.
ورغم تقديم هيئة الدفاع وثائق اعتبرتها حجج براءة، من بينها معاينات ومحاضر قضائية سابقة تخص بعض المتهمين، فقد مضت المحكمة في توجيه الاتهام دون تمحيص كافٍ لهذه القرائن أو بحثها ضمن مقتضيات المحاكمة العادلة. ويشير المرصد إلى أنّ تجاهل الأدلة المقدّمة يُعدّ من النقاط المثيرة للقلق، خاصة في الملفات التي تعتمد أساسًا على التأويلات المرتبطة بالمضامين الرقمية.
كما تبيّن أنّ الفرقة الأمنية التي تولت أعمال البحث والإيقاف والتفتيش ليست مختصة ترابيًا بمعالجة هذا النوع من القضايا، ورغم ذلك قامت بالإجراءات مستندة إلى قانون مكافحة الإرهاب دون أن تكون لها الصفة القانونية. ويعدّ هذا التجاوز مساسًا بصلاحيات الفرق المركزية المختصة، وعدم احترام للشرعية الإجرائية.
وتؤكد شهادات المتهمين أنّهم تعرضوا إلى ضغوط وتهديدات أثناء فترة الاحتفاظ، من بينها مطالبتهم بتقديم أسماء إضافية في محاولة لتوسيع الاتهام نحو قيادات أخرى، وهو ما يُعدّ خرقًا لحقوق المحتفظ بهم ويستوجب تحقيقًا مستقلًا في ادعاءات سوء المعاملة، خاصة وأن قانون مكافحة الإرهاب يمنح سلطات واسعة للضابطة العدلية إذا لم تُقابل برقابة قضائية فعّالة.
أما على المستوى القانوني، فقد ارتكزت المحكمة أساسًا على الفصل 67 من المجلة الجزائية المتعلق بالإساءة لرئيس الجمهورية، والفصل 72 الخاص بالتحريض على مؤسسات الدولة، إضافة إلى قانون مكافحة الإرهاب الذي تم توظيفه لتأويل منشورات رقمية بوصفها «أعمالاً ذات طابع تآمري». ويشير المرصد إلى أنّ الجمع بين هذه النصوص في قضية واحدة يعكس توسعًا غير مبرّر في دائرة التجريم، ويحمّل القضاء مسؤولية التدقيق في مبدأ التناسب ووضع الحدود الفاصلة بين التعبير السياسي والأفعال الاجرامية (او الارهابية).
يرى المرصد أنّ الاعتماد المكثف على تهم «التآمر على أمن الدولة» و«الوفاق الإرهابي» استنادًا إلى محتوى رقمي أو تدوينات نقدية يشكّل انحرافًا خطيرًا عن الغاية الأصلية للتشريعات الأمنية. ويُذكّر بأنّ محاكمة التعبير السياسي تحت عنوان الإرهاب تمثل انتهاكًا مباشرًا للمعايير الدولية، وتؤدي إلى خلط خطير بين الجرائم العنيفة والتعبير السلمي. كما يؤكد المرصد أن تجريم النقد الموجّه لرئيس الجمهورية أو المؤسسات الرسمية لا يجب أن يكون مدخلاً لحرمان المتهمين من حقوقهم في المحاكمة العادلة أو لفرض عقوبات مشددة خارج أطر الضرورة والتناسب.
يطالب مرصد الحرية لتونس بـ:
– الكف عن استعمال تهم الإرهاب والتآمر في ملفات تتضمن التعبير السياسي أو صناعة المحتوى الرقمي.
– مراجعة الأحكام الصادرة في هذه القضية وضمان حق المتهمين في الطعن في إطار محاكمة عادلة ومستقلة.
– احترام الحق في حرية التعبير والنقد السياسي، بما في ذلك انتقاد رئيس الجمهورية والسلطات العامة دون تهديد بالسجن.




