30 ماي (مايو) 2025 – أقدمت السلطات التونسية خلال الأيام الأخيرة من شهر ماي 2025 على نقل عدد من المساجين السياسيين البارزين من السجن المدني بالمرناقية (بالقرب من العاصمة تونس) وسجن المسعدين إلى سجون أخرى بعيدة في مناطق مختلفة من البلاد. شملت هذه الخطوة قياديين معارضين موقوفين فيما يُعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة” وقضية “أنستالينغو”، من بينهم غازي الشواشي (وزير أملاك دولة أسبق) الذي نُقل إلى سجن الناظور بولاية بنزرت، ورضا بلحاج (محامٍ وسياسي معارض) الذي نُقل إلى سجن سليانة، وعصام الشابي (الأمين العام للحزب الجمهوري) الذي نُقل إلى سجن برج الرومي ببنزرت، وكمال البدوي الذي نُقل إلى سجن السرس بولاية الكاف، وكمال اللطيف الذي نُقل إلى سجن برج العامري بولاية منوبة وشذى الحاج مبارك والتي تم نقلها من السجن المدني بالمسعدين (ولاية سوسة) الى السجن المدني ببلّي (ولاية نابل) وحطّاب سلامة الذي نُقل من سجن المرناقية إلى السجن المدني ببلاريجيا (ولاية جندوبة) والصحبي عتيق الذي نُقل من سجن المرناقية إلى سجن برج الرومي (ولاية بنزرت).
يُذكر أنه سبق أن تم نقل جوهر بن مبارك من سجن المرناقية إلى سجن بلّي بولاية نابل في ديسمبر 2024 وتم نقل عبير موسي من سجن النساء بمنوبة إلى السجن المدني ببلّي (ولاية نابل) في فيفري 2025.
تأتي هذه النُّقل المفاجئة بعد أكثر من 14 شهرًا على اعتقال هؤلاء المعارضين، بل وبعد صدور أحكام قضائية قاسية ضدّ العديد منهم في الأشهر الأخيرة. وقد أثارت الخطوة صدمة واستياء في الأوساط الحقوقية والسياسية في تونس، والتي اعتبرتها مواصلة لسياسة التنكيل والانتقام من المعارضين. وأكد الحزب الجمهوري (الذي ينتمي إليه عصام الشابي) أن هذه الممارسات تأتي في سياق “نهج قمعي وغير إنساني” تنتهجه السلطة ضد الموقوفين السياسيين وعائلاتهم، مطالبًا بالتراجع عنها وبالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين.
غياب الموقف الرسمي:
تمت عمليات النقل دون أي إعلان أو توضيح رسمي واضح من قبل السلطات التونسية. وبحسب هيئة الدفاع عن الموقوفين، قامت الإدارة العامة للسجون بـتشتيت الموقوفين على عدة سجون في مختلف الجهات “دون أيّ مبرّر” وفي غياب تام لأي إعلام مسبق. حيث لم يتم إشعار المحامين أو عائلات السجناء بهذه الخطوة مسبقًا، مما جعل الكثيرين يفاجَؤون عند توجههم للزيارة الدورية بأن ذويهم قد نُقلوا إلى أماكن احتجاز جديدة وبعيدة.
وقد نددت هيئة الدفاع في بيان رسمي صدر بتاريخ 29 ماي 2025 بهذا الإجراء، متهمةً سلطات السجون بالتعمد في التنكيل بالمعتقلين وعائلاتهم ومحاميهم عبر إبعادهم عن مقار سكنى عائلاتهم “دون أي موجب”. وأشارت الهيئة إلى أن ما جرى يمثل خرقًا لقانون السجون التونسي الذي يُلزم الإدارة بإعلام عائلات السجناء قبل نقلهم، حتى لا تُضطر العائلات للبحث عن معلومات بشأن ذويهم بزيارة أكثر من سجن.
ويؤكد عدم احترام إجراءات الإعلام القانونية الطبيعة التعسفية للقرار ويعمق الشكوك حول دوافعه الانتقامية. فقد اعتبر النائب السابق هشام العجبوني أن هذه الخطوة تأتي “في إطار سياسة التنكيل الممنهج بالمعتقلين وعائلاتهم”، مشبّهًا ما يحدث بممارسات عهد الرئيس الديكتاتوري زين العابدين بن علي”. كما أكدت الناشطة السياسية شيماء عيسى (المحكوم عليها غيابيًا في القضية ذاتها) نبأ نقل الموقوفين، معتبرةً أن السلطة “تمعن في الظلم والتنكيل وتسعى لإبعاد المعتقلين السياسيين عن عائلاتهم ومحاميهم” بهدف كسر معنوياتهم وعزلهم عن محيطهم.
تأثير الإبعاد على السجناء: العزلة والمعاناة النفسية
إن إبعاد السجين عن أسرته لا يقتصر أثره على الجانب المادي للانتقال الجغرافي فحسب، بل يمتد بشكل عميق إلى الجانب النفسي والاجتماعي للسجين. فهؤلاء المعتقلون السياسيون كانوا محتجزين في المرناقية على مقربة من عائلاتهم، حيث كان بإمكانهم تلقي زيارات أسرية دورية تشكّل متنفسًا معنويًا ودعمًا نفسياً هامًا لهم. أما الآن، وبعد نقلهم إلى سجون نائية على بعد عشرات أو مئات الكيلومترات، فإنهم يجدون أنفسهم في عزلة أشد عن محيطهم الاجتماعي الطبيعي. وقد حمل الحزب الجمهوري في بيانه الأخير “مسؤولية سلامة المعتقلين الجسدية والنفسية” المسؤولية للسلطات في ظل هذه الإجراءات التعسفية التي قد تهدد توازنهم النفسي.
كما خلّفت عملية النقل الصادمة حالة من الارتباك والهلع في صفوف عائلات المعتقلين ومحاميهم وحتى بقية الموقوفين الذين لم يُنقلوا. وينقل أحد المحامين أنه عند توجهه لزيارة موكليه في المرناقية “صُدم بإعلامه من قبل إدارة السجن ” أن موكليه نُقلوا إلى سجون أخرى دون سابق إنذار”. وشاعت بين بقية الموقوفين أجواء من القلق وهم يراقبون ما إذا كان الدور سيأتي عليهم للنقل بعيدًا. وتساهم هذه المناخات المضطربة في زيادة الضغط النفسي على السجين السياسي، الذي يُترك ليتساءل عن مصيره المجهول بعيدًا عن أسرته وداعميه.
معاناة العائلات أثناء الزيارات:
أثّر هذا القرار بشكل خاص على عائلات السجناء التي أصبحت مضطرة لبذل جهود استثنائية ومشقة أكبر من أجل رؤية أبنائها المعتقلين. فغالبًا ما يقع العبء الأكبر على كاهل النساء من أسر المعتقلين – كالأمهات والزوجات والأخوات – اللواتي اعتدن تنظيم زيارات دورية وتوفير ما يلزم السجين من مؤن وملابس فيما يعرف بـ”القفة” أسبوعيًا. ومع نقل المعتقلين إلى سجون بعيدة، ستضطر هذه العائلات إلى قطع مسافات طويلة كل أسبوع لزيارتهم، مما يعني قضاء ساعات على الطرق وتحمل تكاليف تنقل مرتفعة وإرهاق بدني ونفسي متزايد.
قبل هذه النقل التعسفية، كانت زيارة السجين في المرناقية نفسها رحلة معاناة أسبوعية تعيشها العديد من العائلات التونسية. تصف زوجة أحد المعتقلين السياسيين كيف يتحتم عليهم الوصول في الصباح الباكر والوقوف في طوابير طويلة أمام بوابة السجن الخارجية لإجراءات التثبت من الهوية وتفتيش الأمتعة. تمرّ سلة المؤن “القفة” عبر جهاز المسح الأمني، وأحيانًا يُرفض إدخال بعض الأطعمة بحجج مختلفة، ما يولّد لحظات قاسية على الأهالي الذين يأتون بأفضل النوايا. ثم عليهم الانتظار لفترات قد تمتد من ربع ساعة إلى ساعتين للدخول لقاعة الزيارة الداخلية – وذلك في الأيام العادية، أما في فترات الأعياد فتزداد معاناة الانتظار في طوابير أطول واكتظاظ أشد. كل هذه المشقة كانت تُبذل من أجل زيارة لا تتجاوز 15 دقيقة غالبًا، ومن وراء حاجز زجاجي سميك باستخدام الهاتف، حيث يُسمح لشخصين فقط من أقارب السجين باللقاء الأسبوعي.
وحاليا مع تباعد المسافات، ستغدو هذه الزيارات أكثر إرهاقًا وتعبًا فالكثير من الأقارب المسنّين قد لا يقوون على تحمّل السفر الطويل بانتظام. وقد أشارت زوجة عصام الشابي إلى أنها دائمًا ما تلتقي في سجن المرناقية بالسيد عز الدين الحزقي (والد جوهر بن مبارك)، “والذي رغم تقدّم سنّه فإنه يحمل القفة لابنه”.
إلى جانب المشقة البدنية والمادية، تعاني العائلات أيضًا من إهانة الكرامة خلال رحلة الزيارة. فالإجراءات الأمنية المشددة والتفتيش الدقيق وانتظار ساعات طويلة في ساحات السجون غالبًا ما تتم في ظروف قاسية (تحت الشمس الحارقة أو البرد القارس) ودون مراعاة كافية لراحة المنتظرين، مما يترك أهالي الموقوفين في حالة إنهاك نفسي وإحساس بالمهانة. تروي إحدى زوجات المعتقلين كيف مُنع زوجها السجين حتى من إهداء حفيدته الصغيرة علبة عصير اشتراها من مقصف السجن خلال الزيارة، حيث أجبرهم الحراس على إخراجها٬ وتصف تلك الزوجة هذا التصرف بأنه “معاملة لا إنسانية تحزّ في النفس ولا مبرر لها”.
إن حق السجين في الحفاظ على روابطه الأسرية هو حق أساسي معترف به في القوانين والمعايير الدولية، وأي مساس به يمثل معاناة مضاعفة للعائلة بأكملها.
تقويض حق الدفاع والمحاكمة العادلة:
إلى جانب الأثر الإنساني، قد تؤدي عمليات نقل الموقوفين إلى إضرار مباشر بحقهم في الدفاع والمحاكمة العادلة. فمع تفرق المعتقلين على سجون بعيدة في ولايات مختلفة، أصبحت مهمة المحامين في التواصل المنتظم مع موكّليهم أكثر صعوبة من أي وقت مضى. فقد كان محامو الدفاع معتادين على زيارة موكليهم في سجن المرناقية القريب من العاصمة حيث تُجرى أيضًا أغلب المحاكمات. أما الآن، فسيُجبر المحامون على قطع مئات الكيلومترات لمقابلة الموقوفين في سجون مثل سليانة أو برج الرومي أو الناظور، ما يعني إهدار ساعات طويلة على الطرق وتأجيل لقاءاتهم مع موكّليهم.
وقد يؤدي ذلك عمليًا إلى تقليص قدرة المحامين على متابعة القضايا كما ينبغي وعلى تحضير دفاع فعال في الوقت المناسب. علاوة على ذلك، لا يزال العديد من هؤلاء السجناء يواجهون إجراءات تقاضي جارية أمام المحاكم في تونس العاصمة (كمرحلة الاستئناف أو ملفات أخرى)، وكان يفترض إبقاؤهم قريبين من تلك المحاكم لعرضهم عليها كلما اقتضت الحاجة. وقد نبهت هيئة الدفاع إلى أن نقل الموقوفين دون إتمام إجراءات التقاضي في العاصمة يمثل “خرقًا جديدًا للقانون” ويماثل ما قامت به السلطات سابقًا حين دفعت نحو اعتماد المحاكمات عن بُعد في قضايا سياسية. وترى الهيئة أن هذه الممارسات تهدف إلى عزل الموقوفين وإسكات أصواتهم ومنع أي تواصل فعال لهم مع محاميهم ومع القضاء.
انتهاك المعايير الدولية وضمانات حقوق الإنسان:
يثير هذا الإجراء مخاوف جدية بشأن مدى التزام تونس بتعهداتها الدولية في مجال حقوق الإنسان ومعاملة السجناء. فالقانون الدولي يكفل كرامة السجين وحقوقه الأساسية حتى أثناء الاحتجاز. وتنص المعايير الدولية – بما فيها القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء للأمم المتحدة (معروفة بـ”قواعد مانديلا”) – على أهمية الحفاظ على الروابط الأسرية للمعتقل. على سبيل المثال، تؤكد هذه القواعد على حق السجناء في التواصل المنتظم مع عائلاتهم، بما في ذلك عن طريق تلقي الزيارات الدورية. كما تُلزم القاعدة 59 سلطات السجن بأن يتم توزيع السجناء، قدر المستطاع، على سجون قريبة من منازلهم أو أماكن سكن عائلاتهم. الهدف من ذلك هو تسهيل زيارات الأقارب وتخفيف العبء عن كاهل الأسر، وضمان عدم استخدام بُعد السجن كعقوبة إضافية غير معلنة.
في الحالة الراهنة، يبدو أن ما فعلته السلطات التونسية يناقض صراحةً روح هذه المعايير الدولية. فبدلًا من تقريب السجناء من عائلاتهم، قامت بإبعادهم قصديًا لمسافات شاسعة دون مبرر مشروع. ويعتبر التضييق على حق الزيارة بهذا الشكل لا ينتقص فقط من كرامة السجين وأهله، بل قد يرقى إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية بموجب القانون الدولي. ويجرّم العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (العهد الدولي) والمعاهدات الدولية المناهضة للتعذيب أي شكل من أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة للمحتجزين. ورغم أن نقل السجناء لا يتضمن عنفًا جسديًا مباشرًا، إلا أن العناء النفسي والألم الاجتماعي المتعمد الناتج عن حرمانهم من أسرهم يُعتبر عقوبة إضافية خارج نطاق القانون وقد يندرج ضمن المعاملة المهينة والمحظورة دوليًا.
جدير بالذكر أن تونس ملزمة أيضًا بقواعد القانون التونسي الداخلي الذي ينظم أوضاع السجون. ويشدد الفصل 36 من الدستور التونسي (2022) على أن “كل سجين يعامل معاملة إنسانية تحفظ كرامته”، كما تكفل القوانين حق المسجون في تلقي الزيارات ضمن ضوابط محددة.
وقد دفعت خطورة هذه الخطوة العديد من الجهات الحقوقية في تونس إلى دق ناقوس الخطر. فقد اعتبرت تنسيقية عائلات الموقوفين السياسيين أن نقل القادة والنشطاء السياسيين إلى سجون بعيدة يمثل “تصعيدًا وخرقًا جديدًا للقانون”، ومحاولة لإحباط عزائمهم وعزائم عائلاتهم في الصمود والمطالبة بحقوقهم. كما دعت التنسيقية السلطات إلى التراجع عن هذه الإجراءات التي وصفتها بالتعسفية.
توصيات وموقف المرصد:
يُعرب مرصد الحرية لتونس عن بالغ القلق إزاء هذه النُّقل التعسفية التي يتضح أنها اتُّخذت لمعاقبة الموقوفين السياسيين وعائلاتهم بشكل غير قانوني. وإذ يؤكد المرصد أن كرامة الموقوفين السياسيين وحقوقهم الأساسية ليست محلاً للمساومة، فإنه يدعو السلطات التونسية إلى اتخاذ خطوات عاجلة لتصحيح هذا الوضع. على السلطات المعنية تقديم تفسير واضح لهذا الإجراء، وفي غياب أي مبرر قانوني مشروع يجب إلغاء قرارات النقل وإعادة الموقوفين إلى سجن قريب من محاكمهم وعائلاتهم حفاظًا على حقوقهم. كما يطالب المرصد بتمكين جميع المعتقلين من حقهم في الزيارة دون عراقيل واحترام حق الدفاع في التواصل المباشر بين المحامي وموكّله.
يدعو مرصد الحرية لتونس أيضًا الهيئات الرقابية الوطنية والدولية إلى التدخل لمتابعة أوضاع هؤلاء الموقوفين. فمن الضروري أن تقوم الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب وغيرها من المنظمات الحقوقية بزيارات تفقد فورية للسجون التي نُقل إليها المعتقلون، للتأكد من معاملتهم بشكل إنساني وعدم تعرضهم لأي انتهاكات إضافية. ويشدّد المرصد على أن مثل هذه الممارسات تقوّض دولة القانون وتعكس انحرافًا خطيرًا عن المعايير الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. وفي هذا الصدد، يجدّد مرصد الحرية لتونس مطالبته السابقة بـالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين المحتجزين تعسفيًا أو على خلفية آرائهم، ويدعو إلى إسقاط أي إجراءات عقابية لا تستند إلى أسس قانونية سليمة.
أخيرًا، يؤكد المرصد أن المحاسبة والشفافية هما الركيزة لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات. ويهيب بالسلطات التونسية الالتزام بتعهداتها الدولية واحترام دستورها وقوانينها، بما يكفل صون كرامة كل سجين وحقه في المعاملة الإنسانية. إن الحفاظ على الروابط الأسرية للسجين واحترام حقه في زيارة محاميه وأهله هي معايير أساسية لا غنى عنها لتحقيق العدالة، وأي مساس بها هو مساس بصورة تونس أمام العالم وبثقة مواطنيها في منظومة العدالة. مرصد الحرية لتونس سيواصل رصد هذه القضية عن كثب، وسيعمل مع بقية مؤسسات المجتمع المدني للضغط من أجل إنهاء هذه الممارسات التعسفية وضمان حرية وكرامة جميع المعتقلين.